مقدمةقد يبدو العنوان غريبا ومتناقضا، إذ هل يرجى من وراء الحصار ربح أو يطلب من وراء القمع فضل؟ وهل يجني بل وهل جنى أحد شيئا من وراء مخزن تاريخه تاريخ الاستبداد وصنوف الظلم منذ أن كان حتى غدا حصار أية قوة مجتمعية تغييرية عنصرا أساسيا من عناصر الفعل العشوائي الارتجالي السياسي لحركية المخزن.

سياقان للحصار:يمكن أن نستحضر بصدد حصار المخزن سياقان أساسيان:

السياق العام: يتمثل في هذا الانخراط البليد للنظام المخزني المغربي ،شأنه شأن كل الأنظمة المستبدة في الوطن العربي، في مشروع أمريكا لمحاربة ما تدعيه إرهابا. هذا الانخراط الذي ازداد اتساعا وشراسة أمام فشل هذا المشروع الأمريكي في شتى بقاع الدنيا في تحقيق أهدافه: في لبنان الصمود، وفلسطين الجهاد، وعراق الأمجاد، وأفغانستان الشموخ ،بفضل صعود قوى الممانعة ممثلة أساسا في حركات الجهاد المباركة وصمود دول الممانعة أمام إغراءات العم سام وحلفائه.

وهكذا كلما ازداد هذا فشل مشروع الهيمنة الأمريكية أمام قوة الممانعة ازداد صراخ أمريكا وتأليبها للعالم على حركة المقاومة أينما كانت، وهؤلاء الحاكمون هم صدى أسيادهم وأبواق زعمائهم.

السياق الخاص: يزداد الحصار شدة أن صادف هوى في نفوس الحاكمين بسبب:

– استمرار صمود الجماعة أمام تيارات إغراءات الدخول في اللعبة (وهل يلعب إلا الصبيان؟) واستمرار خطها اللاحب في رفض المساومة على حقها في الوجود وحقها في التعبير الحر ومعارضتها القوية للحكم لا الحكومة.

– فشل مختلف ما تسميه الدولة مشاريع التنمية والديمقراطية والحداثة، سياسيا: بمهزلة انتخابات السابع من شتنبر وما تلاها من مسرحيات الرداءة واجتماعيا: بفشل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وتعليميا بالإعلان الرسمي عن الفشل الذريع لمشروع الميثاق التعليمي بعد سنوات من التجريب.

– صدق التحليلات الاجتماعية والسياسية التي أعلنت عنها الجماعة في وثيقة “جميعا من أجل الخلاص”، وإفشال الجماعة لكل المحاولات الصارمة للمخزن للظهور بمظهر المحترم لحقوق الإنسان ،حيث كان ملف الجماعة عنصرا صارخا فاضحا لهذه الادعاءات جميعها.

– عدم إتيان الحملة المخزنية التي اشتدت مع 2006 أكلها،حيث فشلت الأجهزة المخزنية في الحد من تحركات الجماعة واكتساحها وحضورها الوازن في شتى المجالات رغم الإمكانيات التي سخرت لهذه الحملة من أموال الشعب.

وبين السياق العام والسياق الخاص يجب أن نستحضر دائما وأبدا أن مخزننا لا يحتاج أبدا لأعذار ليقمع ويحاصر ويستبد، ذلك أن القمع والحصار والاستبداد هي عناصر أساسية وأجزاء رئيسية من تركيبته النفسية، وممارساته المجتمعية،وبرنامجه السياسي، ومشروعه المجتمعي. (إن كان له برنامج و مشروع أصلا).

بخلاصة المخزن يعني الاستبداد وعيا وممارسة.

نظرتان للتحليل:إذا سلمنا أن:

– الاستبداد هو لب وجوهر الوجود المخزني وشرط إمكانه.

– الحملة المخزنية هذه هي استمرار وتجديد وتنويع لسيرورة طويلة من القمع في تاريخ الجماعة منذ أن كانت.

وجب أن نقول: إن مقاربة هذه الوضعية لا يمكن أن تخرج عن اعتماد نظرتين:

نظرة تشاؤمية تعزل فعل الله وأقداره عز وجل عن سيرورة الفعل البشري في الكون، فيكون ما يقع للجماعة وللأمة خارج إرادة المولى عز وجل، وهذا لا يقول به مؤمن بالله واليوم الآخر مصدق بقضائه وقدره.

نظرة تفاؤلية تستحضر فعل الله وأقداره وحكمته وقضاءه في خلقه وفعله سبحانه في كونه.

إن الإيمان بالله عز وجل، واليقين فيه سبحانه، يقتضيان اعتماد نظرة تفاؤلية جوهرها الإيمان فعلا.

ما يقع للمومنين لا يخرج عن دائرتي: (ليتخذ منكم شهداء) و(ليبلوكم أحسن عملا).

وعليه يحصل فهم عميق عن الله عز وجل مؤداه أن:

– ما يحصل للعدل والإحسان هو ما حصل ويحصل لكل دعوة صادقة إلى الله عز وجل.

– الابتلاء سنة كونية في تاريخ الصادقين السالكين إلى الله عز وجل.

– الظلم والاستبداد والفساد والطغيان علامات بارزة دالة على ضعف المفسدين وانهيار الظالمين.

منطق الربح والخسارة:ماذا جنى المخزن من حصار دعوة العدل والإحسان؟؟:

جنى:

– التأكيد على الطبيعة الاستبدادية لبنية الحكم وآلياته التنفيذية.

– الفشل في رسم صورة النظام الديمقراطي المؤمن بالديمقراطية وحقوق الإنسان.

– استنزاف ثروات الشعب واستغلال موارده في معارك جانية عوض الاهتمام بقضايا الشعب لأساسية.

– تشكيل صورة كاريكاتورية عن نظام ينيخ بكلكله على جماعة لا حول لها ولا قوة.

– تضييع الفرصة تلو الفرصة للاستفادة من قوة اقتراحيه جبارة ترفض العنف و السرية.

وماذا جنت الجماعة من حصار المخزن؟؟:

جنت ثمارا كبيرة نجملها في:

– زيادة الالتجاء إلى الله عز وجل ناصر المستضعفين وقاصم الجبارين فهو حسبها ونعم الوكيل ودوام دعائه وطلبه أن يفك هذه الغمة وهذه غاية الحصار الافتقار إلى الله.

– ترسيخ اليقين في وعد الله وموعود رسوله الكريم بعودة الخلافة على منهاج النبوة، وعد غير مكذوب، في صبح قريب يدل على قربه زيادة عتو الظالمين والظلم مؤذن بخراب الظالمين. (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرنها تدميرا).

– ثبات المومنين على أذى الظالمين، وتقوية بنية الصف الداخلي، وتمتين عرى المحبة الإيمانية في زمن سيطرت فيه الماديات الجارفة والأنانيات المستعلية.

– تقوية المواساة بين الأعضاء، وتأكيد معاني الجسد الواحد، يبرز ذلك في احتضان المومنين لإخوانهم المعتقلين وتضامنهم معهم على صعيد كل المستويات.

– استمرار التواصل الفاعل والبناء مع مختلف شرائح المجتمع المغربي، وزيادة اكتساب شعبية تزداد متانة بازدياد الصبر على الظلم من خلال إعطاء النموذج العالي للتربية الصادقة الصابرة التي لا تنتج ردود أفعال.

– وصول خطاب الجماعة إلى شرائح جديدة من شرائح المجتمع المغربي ما كان بوسعها الجماعة أن تتواصل معها بسبب الحصار المضروب عليها وهي شريحة القضاة والمحامين وممثلي جهاز القضاء عموما. ومع أجهزة الأمن التي بهرتها السلوكات المتميزة لأعضاء الجماعة من بشاشة وابتسامة وصبر ومصابرة وقوة في الحق وثبات في الميدان في زمن الخوف والرعب والاكفهرار.. لقد كانت الاعتقالات مناسبة للتواصل مع أجهزة الأمن وتصحيح الصورة التي تحملها هذه الأجهزة عن الجماعة بفعل سياسية الشحن وغسل الأدمغة التي يقوم بها القائمون على هذه الأجهزة من مكاتبهم المكيفة ،وفرصة تحولت معها قاعات المحاكم وردهاتها إلى جلسات الذكر ومجالس للنصيحة وأبواب مفتوحة للتعريف بالجماعة، فيا سبحان الله كيف رد الله كيد الظالمين في نحورهم وكيف انقلب سحرهم عليهم.

– الحضور الوازن للجماعة على مستوى الواجهة الحقوقية والواجهة الإعلامية.

– ترسيخ الثقة في المشروع المجتمعي الذي تحمله الجماعة، وفي صواب نهجها التدافعي في زمن القبول بأدنى المراتب والرضي بأنصاف الحلول.

– إبداع أشكال جديدة في الدعوة والتواصل والتربية والإشعاع.

خلاصة:إن ما وقع للجماعة منذ تاريخها الأول وما وقع لها منذ سنتين من أحداث جسام لا يمكن فهمه أبدا بمقاييس التحليل المادي المعتمد على العقل البشري وآلياته في الملاحظة والمقاربة، وإلا كيف يمكن أن نفسر فهم صمود وثبات جماعة لا حول لها ولا قوة أمم قوة العتو والجبر المخزنيين.

إنها عناية الله عز وجل: (فإنك بأعيننا).

إنه حفظ الله وتوفيقه: (فالله خير حفظا).

إنها معية المولى: (إن الله يدافع عن الذين آمنوا).

وعلى قدر استحضار عظمة المولى والحضور معه ذكرا ودعاء يكون الحفظ والدفاع ممن لا يؤوده حفظ السموات والأرض الله العلي العظيم سبحانه سبحانه سبحانه.