جرت العادة أن أجهزة الدولة المغربية لا تتحرك إلا لتبرير كوارث تفضحها تقارير هيئات دولية، ومع كل فضيحة يتم إحداث هيئات ومجالس عليا يتطلب تسييرها الإداري أضعاف أضعاف ما يحتاجه القطاع المنكوب ليستعيد عافيته.

   قاعدة عامة أطرت معالجة ما عرف قبيل شهور بكارثة التعليم، والتي جاء تقرير المجلس الأعلى للتعليم بتشخيص يؤكد عمق الأزمة، حيث أورد التقرير تحت عنوان: “منظومة بأداء لم يرق بعد إلى مستوى الانتظارات” خمس نتائج تلخص بوار المنظومة التعليمية المغربية:

   1. استمرار الهدر المدرسي بنسب متزايدة: قرابة 390000 تلميذ يغادرون المدرسة كل سنة، أكثر من نصفهم في التعليم الابتدائي، لأسباب غير الطرد والفشل الدراسي. تقدر تكلفة الانقطاع الدراسي وعدم التمدرس بـ 02 %من الناتج الداخلي الخام.

   2. نسب تكرار مرتفعة:17% منذ السنة الأولى من الابتـدائي، و30% في الثالثة من الثانوي الإعدادي والثانية من البكالوريا:من أصل 100 تلميذ مسجل بالسنة الأولى ابتدائي 13 فقط منهم يحصلون على الباكالوريا.

   3. ضعف التحكم في المعارف والكفايات الأساسية (القراءة والكتابة والحساب) حسب آراء مختلفة، ولاسيما في اللغات.

   4. صعوبات في تحقيق الوظيفة التربوية للمدرسة: محدودية ترسيخ قيم الحقوق والمواطنة واحترام الآخر؛ وبروز بعض مظاهر السلوكات اللامدنية: العنف، الغش في الامتحانات، الإضرار بالملك العام وعدم احترام الأدوار…

   5. ضعف المردودية الخارجية للمنظومة: بطالة خريجي بعض المسالك الجامعية ذات الاستقطاب المفتوح، وندرة الكفاءات في بعض القطاعات. (انظر التقرير الأول للمجلس الأعلى للتعليم)

   انطلاقا من المعطيات السابقة -باعتبارها ومهما يكن رسمية تفاديا للمتابعة القضائية بتهمة التشكيك في معلومات الدولة وإشاعة عدم الثقة فيها- نخلص إلى آفات نظامنا التعليمي الخمس: انقطـاع دراسي مبكر، ارتفـاع نسبة التكرار في جميع الأسـلاك، تدني المستوى التحصيلي في الجوانب الأساسية: قراءة وكتابة وحسابا، الفشل في ترسيخ قيم المواطنة، القطيعة بين النظام التعليمي وسوق العمل. بلغة أوضح لقد غدا تعليمنا ينتج الأميين -يستوي في ذلك من انقطع عن الدراسة مبكرا أو من لفظته المدرسة بعد سنوات- والفـاشلين تربويا وسلوكيا المرشحين ليكونوا إرهابيين، والمعطلين من حملة شهادات ورقية دون تأهيل مهني أو مهارتي.

   تجاوزا لجانب من الكارثة التعليمية لا سيما ما يرتبط بالمؤسسات المالية الدولية التي تؤاخذ السياسة التعليمية الرسمية بانخفاض قاعدة المتمدرسين واتساع دائرة الأمية، طالبت الوزارة الوصية الأجهزة الجهوية والإقليمية بتقليص نسبة التكرار بغض النظر عن النتائج التحصيلية نفخا في أعداد المتمدرسين، لتشهد نهاية هذا الموسم الدراسي (07/08) أكبر حركة ترحيل قسري للتلاميذ وفي مختلف الأسلاك، لينتقل التلاميذ من أقسام السلك الواحد بمعدل سنوي لا يتعدى: (07/20) في أحسن الأحوال، وينتقل تلاميذ الإعدادي إلى السلك الثانوي التأهيلي بمعدل سنوي: (07.5/20)، بهذا الإجراء السحري يتم تجاوز آفة التكرار والانقطاع الدراسي التي تعتبر سُبة لوزارة تثقل نفقاتها كاهل ميزانية الدولة.

   إجراء إداري لا يستند لأي أساس تربوي أو علمي، يدق من خلاله المسؤولون المسمار الأخير في نعش قطاع التعليم، ويؤكد المسار التقهقري للنهج المتبع في تدبير الشأن العام للبلاد، ويعطي دليلا قاطعا آخر على غياب الإرادة الحقيقية للإصلاح. فإذا كان التكرار مؤشرا قويا على الفشل في أي نظام تعليمي، فله أسباب كثيرة ومتنوعة، قد تعود لعدم نجاعة منظومة التقييم، أو لكثرة المواد وعدم تناسقها، أو لغياب فاعلية الأساليب البيداغوجية، أو لضعف في أهلية العاملين مدرسين وإداريين وفنيين، أو أن المعارف المدرسة لا تستجيب وحاجيات المتعلمين، أو لغير هذه الأسباب التي لا يتطلب تحديدها الاستعانة بخبراء أجانب ينجزون تقارير لتشخيص مناحي الخلل في نظامنا التعليمي مقابل مبالغ خيالية وبالعملة الصعبة تكفي لتشييد مؤسسات تعليمية.

   التكرار واقع وله تاريخ، ثم لماذا نخجل بعد عقود من التعايش مع التكرار وفي جميع المجالات؟ لماذا نقبل بتكرار البرلمانيين في قبة البرلمان حتى غدا بعضهم بتجربته الشخصية يؤرخ لهذه المؤسسة، إذ لم يغادرها منذ نشأتها؟ ولماذا نقبل بنفس الزعامات السياسية والنقابية لعقود، وكأن البلاد لم تنجب غيرهم؟ التكرار متأصل فينا تأصل الفساد الذي استشرى في أجهزة الإدارة، ولم تـُفِدْ معه الخطب وإحداث لجان التقصي والتتبع.

   التكرار لا يعالج بإجراء إداري يقضي بمنعه أو تقليص نسبته نفخا في أعداد المتمدرسين وكذبا على الآباء أن أبناءهم نجحوا والحقيقة أنهم نزحوا في صورة هجرة سرية لتلفظهم الخريطة المدرسية بعد سنوات. قرار غير مسؤول من وزير التعليم الذي ينشغل ومنذ شهور بتأمين مستقبله السياسي، ولا يكترث بمستقبل أبناء الشعب الذين سيتوجه إليهم في محاولة ليخطب ود أصواتهم الانتخابية في الاستحقاقات القادمة، ولا ندري كيف سيقنعهم بجدوى المشاركة في انتخابات تؤسس لبناء المستقبل وهو من أوصد في وجوههم أبوابه.

   إجراء إداري يقتضي المنطق السليم أن يتصدى له من طرف المجتمع رجال ونساء التعليم بصفتهم المتضررين المباشرين من تدريس تلاميذ لم يستوعبوا ما سبق من مقررات، ولم يكتسبوا الحد الأدنى من المهارات القرائية والكتابية والحسابية، ثم من طرف الآباء والأمهات باعتبار الإجراء المذكور يمثل انتحارا تعلميا لأبنائهم، ومن طرف الهيئات الحقوقية والمدنية لما يمثله الإجراء من إجهاز على الحق في التعليم النافع، فما ذنب التلاميذ إذا كانت السياسة التعليمية فاشلة؟ إجراء من الخطورة مما كان يتطلب تعبئة للتصدي له من خلال جمعيات من قبيل:” ما تقيش أولاد الشعب.”.

   خلاصات خمس ولا شك مريرة تلك التي رصدها تقرير المجلس الأعلى للتعليم، وأشدها مرارة الإجراء التي اتخذته الوزارة الوصية التي آثرت الهروب إلى الأمام وإرجاء السكتة القلبية حتى تختمر النتائج الخمس السابقة وتتفاعل كميائيا ليتولد عنها “تسونامي” اجتماعي لا تفيد لمواجهته مشاريع من قبيل التنمية البشرية وسياسة القرب، وما انتفاضة ساكنة سيدي إفني وقبلها صفرو إلا مقدمات تُـذَكرُ من “كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد”.