دراسة وثائقية

بقلم: حسن أوهى / [email protected] yahoo.fr

حول التصور السياسي لجماعة العدل والإحسان4- ضوابـطه

إذا كان للتصور السياسي لجماعة العدل والإحسان محددات ومرتكزات تحكمت في تأسيسه، فإن له ضوابط تتحكم في بنائه وتشييده وتضمن نجاحه واستمراريته. وهذه الضوابط هي: التربية الإيمانية، والتجديد والاجتهاد، والمرونة والتدرج، والتؤدة والصبر، والرحمة والرفق.

إن هذه الضوابط بالأهمية بمكان. إنها بمثابة الحصن المنيع وصمام الأمان الذي يحفظ التصور والبرنامج من الفشل. وجماعة العدل والإحسان عندما تضع لتصورها ضوابط وقائية إنما تفعل ذلك وعيا منها بقيمة وأهمية آليات وضمانات استمرارية ونجاح تصورها ومشروعها المجتمعي التغييري.

شيء مهم جدا أن تمتلك تصورا جادا وفعالا للتغيير. لكن أهم منه أن تمتلك آليات وضوابط تنزيله ونجاحه. أهم منه كذلك أن تتوفر على رجال أكفاء أهل لحمله ونشره ونصرته.

جماعة العدل والإحسان أمضت إلى حد الآن بنجاح حوالي ثلاث عقود في ممارسة هذه الضوابط وتطبيقها على أرض الواقع في مرحلة ما قبل التمكين، مرحلة التصور كخط سياسي ومنهاج عمل ميداني للوصول إلى الحكم. وهذا مؤشر إيجابي وورقة رابحة إن شاء الله في مستقبل التغيير الذي تنشده الجماعة.

أ- التربية الإيمانية

إن أكبر تحدي يواجه الحركات الاجتماعية التغييرية هو مدى قدرة وكفاءة وأهلية أعضائها على تشييد مشروعها وإنجاحه ونصرته. فمهما كان تصورك رفيعا وشاملا ومتماسكا فإن الجانب الذاتي عامل حاسم ومصيري في تنزيل هذا التصور واستمراريته. جماعة العدل والإحسان تحدد هذا العامل في الباعث الإيماني الإحساني وترى فيه الشرط الأساسي في إقامة مشروعها ونجاحه.

التربية الإيمانية هي شرط الشروط وضرورة الضرورات في التصور والبرنامج السياسي لجماعة العدل والإحسان. فبدون الباعث الإيماني وفي غياب القصد الإحسان ينتقض البناء وتتبخر الأحلام وتخيب الآمال.

التربية الإيمانية من منظور الجماعة هي اللب هي الأصل والأساس الذي عليه ينبغي أن يبني أنصارها “ليعملوا في دنياهم ما يصلح حال أمتهم في الدنيا وحالتهم في دار الخلود”. (رجال القومة والإصلاح، ص3).

يقول ذ. عبد السلام ياسين في شأن هذا العامل الإيماني الذي يعبر عنه الآخر بمصطلحات مثل: محفز (catalyseur) ومحرك (moteur) ودينامكية (dynamique) ودافع (motivation) وهي مصطلحات نفسية باطنية: “إن القومة الإسلامية تطلب سلطانا قويا، لا شك في ذلك والسلطان غير السلطان العنيف. لكن أسبق شيء تحتاجه القومة، وأهم شيء وأجدى شيء، هم رجال قرآنيون نبويون. من الأمة وإليها ومعها. لا ليفعلوا بها، بل ليوقظوها، ويربوها حتى تصبح فاعلة”. (المصدر السابق، ص32).

وفي كتاب العدل يقول: “وعلى المرتبة الإيمانية الإحسانية الأخلاقية لجند الله، وعلى نموذجية سلوكهم وتفانيهم في نصرة دين الله يتوقف نجاح الخطة. فإنه لا يقيم دين الله في الأرض إلا مؤمنون جسمهم وجهدهم هنا وطموح روحهم في الآخرة”. (العدل، الإسلاميون والحكم، ص132).

وفي نفس المعنى يقول الأستاذ عبد الواحد المتوكل: “لا شك أن للعمل السياسي مز القه وأخطاره، وأكبر أخطاره فساد النية، أي عوض أن يكون العمل في سبيل الله والمستضعفين، يكون سعيا وراء مكاسب مادية أو معنوية. ولا مصيبة أعظم من المصيبة في الدين التي قد يترتب عليها ضياع الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين، والعياذ بالله. لذلك أكرر مرة أخرى بأن التربية عنصر مركزي في منهاجنا وتصورنا، ولا نعتبرها إطلاقا مسالة شخصية، كما يتصور البعض، أو ثانوية يسع المرء التفريط فيها. فالتربية في تقديرنا هي صمام الأمان” (أسبوعية المشعل، العدد 50، ص8).

ب- الرحمة والرفق

الرفق والرحمة ركيزة أساسية وعامل من أهم عوامل نجاح التغيير الإسلامي. يقول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم: “إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه”.

الرحمة إذن عامل أساسي في صلاح العمل ونجاحه، وغيابه يعني العنف، يعني الجهل على الإنسان، يعني الاستبداد، يعني فشل التصور والبرامج.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين مشددا على هذا الأمر: “أمرنا في الدين بالتيسير والتبشير، فهذا رفق يقابله عنف فقيه يكفر المسلمين، وداع لا يفتح أبواب التوبة، ومشتاق لحكم الإسلام يتصوره ويصوره وجها حانقا وسيفا مصلتا، وقلوبا لا ترحم. يكون من صلب التربية والتعليم النظر في أمثلة حلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأناته، وصبره وتحمله، وشفقته على الخلق، ليكون ذلك لنا نموذجا يحتذى. فإننا لن نسع الناس، ولن ينفتح لنا الناس، إن تقدمنا إليهم بالوجه العابس والتشديد والتعسير. وفي السيرة المطهرة أمثلة رفيعة لرفق الرسول صلى الله عليه وسلم في تعليم الناس دينهم، وتدرجه بهم، وحلمه على ذوي الطباع الخشنة وقليلي الفقه. إن حلمه صلى الله عليه وسلم ورفقه حتى بالمنافقين يعطينا نموذج السلوك في فترة الانتقال، حين يتعين علينا أن نحبب الإسلام لأقوام ألفوا التحرر من كل ضابط خلقي”. (نفس المصدر، ص313-314).

هذه الرحمة وهذا الرفق ليست ثقافة ولا كلاما يلاك، فإذا جاء الخطب، وتضاربت المصالح، وحصل الاستفزاز تبخرت وارتحلت وحل محلها الجهل والعنف. الرحمة التي تعنيها الجماعة وتنشدها حال وخلق راسخ. إنها ثمرة صحبة ربانية مباركة أساسها ذكر الله عزت قدرته وعمادها الصدق في طلب وجهه ونيل رضاه.

ج- المرونة والتدرج

المحجة اللاحبة هي صلب العمل. والمرونة والتدرج عاملان يضمنان استمرارية العمل ونجاحه. العمل الإسلامي ممارسة طويلة المدى ومعقدة الجوانب. فلابد إذن من صبر ومرونة وتدرج وليونة وإلا تكسر على أول صخرة تقف أمامه. “ومن أحنى رأسه أمام العاصفة بنية تغيير أسلوب الجهاد فإنما يعمل على المستوى الجماعي بهذا الحديث النبوي في حق المؤمن الفرد. ولا بأس. روى الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مثل المؤمن كمثل خامة الزرع من حيث أتتها الريح كفتها. فإذا سكنت اعتدلت. وكذلك المؤمن يكفأ بالبلاء. ومثل الفاجر كالأرزة صماء معتدلة حتى يقصمها الله إذا شاء)”. (نفس المصدر، ص 27-28).

على أن المرونة في تصريف الفعل السياسي وتحيينه لا في مبادئه وثوابته، وإلا أودت بنا هذه “المرونة” في براثين الطاعة البليدة والانبطاح الذليل.

الهوة ساحقة بين واقع الأمة وشرع الله تعالى. الأمة في واد والقرآن في واد و”التطبيق والأمة ترجع إن شاء الله للإسلام من مكان بعيد، لا يمكن أن يكون إلا تدرجا.

ما كلف الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يطبق كل الشريعة دفعة واحدة وهو المؤيد المعصوم، إنما نزلت الشريعة تباعا، فانتقل الناس من جاهلية لإسلام كذلك الرجعة من فتنة لإسلام. لابد فيها من تدرج. تدرج للضرورة لا إنكارا أن هذا حرام وهذا مكروه، وهذا مندوب”. (نفس المصدر، ص220).

ثم يورد الأستاذ عبد السلام ياسين مثالا معبرا على مستوى الاقتصاد يبين حساسية ضابط التدرج وخطورته. يقول: “سألت أخا ذات يوم: “ما تفعل بهذه الأبناك الربوية وهذا الفساد في الأمة لو أصبحت غدا صاحب الأمر؟” قال الأخ الصالح: “أقف كل شيء وأدعو الله أن يفتح~!” قلت: “إذن لا تدوم دولتك أكثر من ثلاثة أيام!، ثم إنك تكفر بالله عز وجل الذي جعل من نواميس الكون التدرج لا الطفرة، وأوجب عليك اتخاذ الأسباب الأرضية في جهادك لا طلب الكرامة والمعجزة فيما يخرق نواميسه”. (نفس المصدر، ص220-221).

“لا نستطيع من أول يوم وسنة ومدة أن نحذف المنكر حذفا بجرة قلم وغضبة مضرية، ولا أن نحل المعروف محله بحماس وقرار سريع” (نفس المصدر، ص299). سيادة السلوك الإيماني على المجتمع في كل مستوياته لن يتم ضربة لازب. ليس التحويل الإسلامي مسرحا يرفع معه ديكور ليوضع ديكور، ويخرج المجرمون ليدخل الأتقياء البررة”. (نفس المصدر، ص314).

ثم يبين حقيقة هذا التدرج فيقول: “لا نقصد بالتدرج التدرج الذي يهون في عينك المهمات، ويدحرجك شيئا فشيئا إلى النعاس والإهمال، وقبول الفشل، والاعتراف بالعجز. نقصد تدرج الجهاد اليقظ الدائم المهتم”. (نفس المصدر، ص304).

ونظرا لأهمية سنة التدرج في فكر الجماعة وتصورها، فقد خصص لـها الأستاذ عبد السلام ياسين في كتاب “العدل، الإسلاميون والحكم” فصلا وسماه “قانون التدرج، بل شريعته”. يقول في هذا الباب: “من الناس من يرى واجبا على الإسلاميين أن يبدأوا بالعقوبة أول ما يصلون إلى الحكم مقدمين أن التنزيل اكتمل، وأنه لا يسعنا إلا التطبيق الكامل منذ أول يوم يحوز فيه السلطان أهل القرآن. مثل هؤلاء الصادقين الغائبين عن حقائق النفوس وعن أسرار الشريعة يستنبطون استنباطا تعسفا يلغي سنن الله ويلغي العلة القياسية. وفي قول أمنا عائشة رضي الله عنها: “لو قال كذا لقالوا كذا” فقه للأسباب والعلل لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا.

ولو بدأت أيها الحاكم الإسلامي بالعقوبة وأنت ومن معك قلة تفيض من حواليها الجماهير لقالوا لك. ولو فعلت لنفرت والإسلام يبشر ويؤلف”. (ص157  158).

وفي حوار لها مع جريدة الأسبوعية الجديدة تؤكد الأستاذة ندية ياسين هذا الأمر بوضوح كبير عندما تقول: “لا بد للقومة من ليونة وليس الثورة التي تقوم على العنف وسفك الدماء، نحن ضد هذه الفكرة تماما)…( لقد قضينا فترة ثلاثين سنة ونحن نتعهد الناس بالتربية ليقتنعوا بمبادئنا) … (إننا نقول بأن نصل يوما إلي أن تظل أماكن اللهو والفساد مفتوحة دون أن يدخلها أحد، إنه التحدي الذي نرفعه…” (جريدة الأسبوعية الجديدة، العدد33، يونيو 2005).

الأمر ضخم وخطير ومصيري وحساس. لابد من التدرج، لابد من الوقت الكافي حتى يتأهل التنظيم ومعه الشعب لذلك. فمن آفات الشرذمات الانقلابية والتنظيمات الثورية عدم مراعاة هذه السنة الكونية. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “لا ننتظر من التنظيم أن يحمل عبء الدولة قبل أن تشتد أركانه، ويحصل على التجربة الكافية، ويعد الأطر اللازمة، والبرامج المدروسة. فمما يستخف التنظيمات الثورية شعورها بحجم عددي، يخيل إليها معه أنها قادرة على خرق السدود وتشييد الأحلام. فتدخل في مغامرة تغرقها وتغرق الشعب معها”. (المنهاج النبوي، ص292).

د- التؤدة والصبر

التدرج يحتاج من بين ما يحتاج إليه إلى الصبر والتحمل وطول النفس “ولئن كان التدرج لازما، فالصبر على تيار الردة ألزم منه”. (المنهاج النبوي، ص299).

“وما ينبغي لحزب الله أن يجاري الأحزاب السياسية في عادتها التهريجية، عادة نبذ الوعود، الخلابة(…) ورفع الشعارات المدوية. إنما نصدق الأمة ونخبرها بصدق أن ثمن إقامة الإسلام صبر وضم الصفوف، وربط البطون، والانفطام المرير عن الأنانيات والذهنيان والعادات. لن نخدر الأمة إن شاء الله بالخطب الغوغائية، بل نوجه إليها نداء الجهاد ونندبها إلى ساحة البذل والصبر”. (المصدر السابق، ص304).

“ونكون نحن في أنفسنا عبر كل المراحل أهل العزائم وإن اضطررنا للترخيص للناس. أم الصبيان آخر من يأكل، ورب البيت أول من يهب ويتحدى المكاره”. (نفس المصدر، ص299-300).

“لأمر وفاء بعهد ثقيل مع الله عز وجل أن تموت لتحيى الأمة، أن تسهر وتتعب لتستريح الأمة، أن تظمأ وتضحي وتجوع لتروي أمة محمد صلى الله عليه وسلم وتسكن وتشبع”. (نفس المصدر، ص294-295).

الأمر جد ويحتاج إلى صبر كبير وتحمل وطول نفس “فمن يحاول تغيير المجتمعات المفتونة لابد له أن يتقدم إلى الميدان وله من القدرة على مواجهة الواقع المكروه، ومن قوة ضبط النفس، وقوة الصبر والتحمل، وقوة الصمود والثبات على خط الجهاد مهما كانت القوى المعادية متألبة. إنما يستطيع أن يربي جيل الإنقاذ رجال لا تستخفهم نداءات الباطل، ولا يلعب بهم الهوى، ولا يتحركون على الظن والهواجس”. (نفس المصدر، ص288).

ه- التجديد والاجتهاد

قبل الحديث في التجديد والاجتهاد كضابط أساسي من ضوابط التصور السياسي لابد أولا من معرفة معنى هذا التجديد وحدوده. يقول ذ. عبد السلام ياسين: “ليس التجديد تغييرا للثابت من شرع الله، فإن أحكام الكتاب والسنة ماضية إلى يوم القيامة، دعاة العصرنة يودون لو نقصنا من الإسلام هذه الصلاة المستغرقة للوقت، وهذا الصيام المرهق للعمال، وصيرناه إيديولوجية بلباس عصري، لا نرتاب أن الاجتهاد ضروري لتكييف حياة العصر مع شرع الله، فهو تسليم العصر لا عصرنة الإسلام”. (المنهاج النبوي، ص31).

“نجتهد” يقول الأستاذ عبد السلام ياسين “لإحلال شرع الله محل الشرائع الوضعية لأن الله أمر. فتلك عبادة. ونقيس فيما ليس فيه نص ولا إجماع لضرورة إدخال ما جد من تصرفات الناس ومعاملاتهم، وعلاقاتهم، تحت حكم الله فتلك علية المصالح المرسلة”. (المصدر السابق، ص 220).

الاجتهاد في تصور الجماعة ليس يافطة ترفع للاستهلاك السياسي ولإرضاء للآخر. الاجتهاد في فكر الجماعة ليست فقط ضرورة، إنه مسألة حياة أو موت. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “نموت إن بتنا ننظر إلى الدين بأعين الموتى. ونفكر بعقولهم، وهم رحمهم الله لفتوا نظرنا إلى أن الفتوى تتغير باعتبار الزمان والمكان والأحوال. وليس المسار التاريخي قطعة خبز نقطعها بالسكين الحادة، هذا مضى وهذا مستأنف”. (تنوير المومنات، الجزء الأول، ص199).

ثم يحدد طبيعة هذا الاجتهاد ويؤكد على ضرورة اجتهاد جماعي في إطار “مجلس للاجتهاد” تحصل به وحدة التصور ويعم به النفع ويكون أقرب إلى الصواب. يقول: “يكون لجند الله تصورا واحدا للخط العام، واجتهادا واحدا لما يطرأ، وشورى لها حد تنتهي إليه قبل أن تصبح جدلا، لابد أن ينبري للاجتهاد جماعة من المؤمنين. إن مشاكل العصر، وتشعب مهماتنا، ومخلفات النقل، واختلاف الإرادة والعقل، لا ينهض لها مجتهد واحد ولا أفراد مجتهدون. لابد من اجتهاد جماعي. لابد من مجلس للاجتهاد. ويبقى للأمير الكلمة الأخيرة فيما شجر من خلاف بين المجتهدين ليرجح حيث عجزوا عن توحيد النظرة”. (المنهاج النبوي، ص 219-220).

الاجتهاد الجماعي ضرورة. وعند الاختلاف وعدم الوصول إلى حل، يتدخل الأمير ليرجح ويحسم.

من يجتهد؟ المسألة بناء دولة. لا يكفي الفقيه الضابط لأحكام الشريعة وحده. لابد من متخصصين في شتى الميادين. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “ولا يكفي ولا يفيد أن يجتهد الفقيه المطلع على الأحكام، العارف بأصول الشريعة، بل لابد أن يشرك في اجتهاده رجل الاقتصاد الذي يحدد الأهداف، ويعرف بضرورات العصر، وصرامة المنافسة الاقتصادية في العالم، والأحجام والآليات الأساسية المطلوبة للإنتاج، وحاجة الأمة للمال. ومصادر التمويل المتاحة، واضطرار الأمة للاقتراض من الخارج، وشروط توفير الأموال واستثمارها. ولابد أن يشرك معه رجل الدعوة. إن لم تجتمع في الدعاة أنفسهم كفاءات الفقه وشروط الاجتهاد، ليذكره بأهداف العدل وقسمة المال، ومحاربة الطبقية. ولابد أن يشرك معه رجل الإدارة والحكم ليطلعه على الواقع، وعلى إمكانيات التطبيق، وفراغات التشريع التي يدخل منها التزوير، والخيانة، والسرقة، وعلى دروس التجربة، وتقنيات الصياغة والتخطيط والضبط«. (نفس المصدر، ص303).

خـاتمةأصبح “التصور السياسي” و”البرنامج السياسي” و”البرنامج الانتخابي” رهانا في سوق السياسة حيثما برزت الحركة الإسلامية ولمع بريقها والتف الشعب حولها. الإسلاميون متهمون في هذه السوق بالتطفل على السياسة وافتقاد رؤية سياسية وبرنامج سياسي واضح. بل إن أول ما يذكر في وسائل الإعلام المحلية والغربية المعادية: “التطرف الديني” هو أخطر تهديد على مستقبل الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وقد كانت هذه محاولة متواضعة للرد على هذه الشبهات وعرض بعض ملامح التصور السياسي لجماعة العدل والإحسان. وقد تركنا فيها لأدبيات الجماعة الحديث عن نفسها حرصا على التوثيق والموضوعية.

ولعل القارئ يلاحظ استفاضة كبيرة في الاستشهاد بنصوص طويلة من كتب الأستاذ عبد السلام ياسين. وفي هذا خروج عن المنهجية الأكاديمية التي ترفض سرد النصوص بهذا الشكل. كان حرصنا قويا على أن نضع بين يدي العقلاء نصوصا واضحة بليغة من كتابات هذا العالم الفذ طلبا للتوثيق والبيان.

أفق تصورنا الأرضي إقامة خلافة إسلامية ثانية على منهاج النبوة يرضى عنها أهل السماء والأرض، خلافة العدل والكرامة والحرية. بشرى تكشف وتزيل ثقافة اليأس والتيئيس من كل خير وتغيير، ثقافة غشت قلب الأمة لطول ما كابدته من ظلم وقهر وهوان وجهل وفقر تحت حكم العض والجبر.

حديث الخلافة على منهاج النبوة بلاغ صحيح صريح لا نمل التذكير به ولن نكف. وزرع الله تعالى، أمل الأمة ورجاء المستضعفين وعدو الطواغيت وكابوس المستكبرين، مشرف على النصر والتمكين في كافة الأقطار الإسلامية. وما إقصاء الحركات الإسلامية من المساهمة في تدبير الشأن العام والتلاعب بنتائج الانتخابات وتعديل القوانين الدستورية إلا محاولات يائسة لحجب أشعة الشمس وتمديد أعمار أنظمة أصبحت في عداد الموتى.

وأفقه الأخروي دعوة سامية لمأدبة الله تعالى، مأدبة الروح، مأدبة الإيمان والإحسان.

الأول مزرعة للثاني وقنطرة. والثاني خير وأبقى.

على قدر اليقين في النصر والتمكين يكون العمل والاستعداد له. وعلى قدر قوة الاستعداد تكون قوة التنظير والتخطيط والتصور والبرمجة. وإذا أضفنا إلى هذا عنصر الإيمان ونورانية الإحسان وهو لب الجماعة وعمادها، وهو عامل لا يعرفه قاموس الماديين ولا تتسع له حويصلة الغافلين، إذا أضفنا هذا العنصر انجلت الصورة أكثر وكان التصور والبرنامج أقرب إلى الجدوى والصواب.

ولمن أراد الاستفاضة والتفصيل الرجوع إلى أدبيات الجماعة وكتاباتها ففيها الجواب الكافي عن تصورنا لشتى قضايا السياسة والاقتصاد والاجتماع والنفس… وقضايا المرأة والشباب والشغل والتعليم والأمية… وقضايا الدولة والدستور والسلطة والقضاء والديمقراطية… وقضايا الانتخابات والتعددية والمجتمع المدني والحريات العامة… وقبل كل ذلك وبعده قضية الإنسان، محور الكون وسيده وعامره.

قضيتك العظمى أيها الإنسان تكمن خلف هذه الأسئلة المصيرية: من أين؟ ولماذا؟ وإلى أين؟

ما علاقة هذه الأسئلة الشخصية الوجودية بالسياسة والتصور السياسي والبرنامج السياسي؟! السياسة شيء ومعتقداتي وديني وعملي شيء آخر. فكيف تقحم هذا في ذاك؟!

عافاك الله! هذا الفصام النكد هو مصدر شتاتك وشتات الأمة. هو سبب جهلها وهزيمتها وتخلفها.

من لا يبني على التقوى والإيمان وطاعة الله عز وجل وحبه والتقرب إليه كمن يبني على الرمال. يقول الصحابي الجليل معاذ بن جبل رضي الله عنه: “يا ابن آدم! أنت محتاج إلى نصيبك من الدنيا، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج. فإن بدأت بنصيبك من الآخرة مر بنصيبك من الدنيا فانتظمها انتظاما. وإن بدأت بنصيبك من الدنيا فاتك نصيبك من الآخرة وأنت من الدنيا في خطر”. هذا “الانتظام الإيماني” سر عظيم من أسرار سطوع شمس الحركات الإسلامية وانتشارها وفوزها لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

سياسة السياسات بل أمها يا إنسان، يا أخي في الدين، ويا نظيري في الخلق هي سياسة النفس وتزكيتها.

بناء الإنسان على هدى من الله تعالى هو أولى لبنات التغيير في صناعة الذات وصناعة المجتمع وصناعة التاريخ.

كيف يصلح العباد والبلاد من هو فساد في فساد أو غفلة وخواء؟! فاقد الشيء لا يعطيه وكل إناء ينضح بما فيه.

انتهى المقصود من هذا البحث. فاللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم. وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.