يمكن تشبيه ما حصل في المؤتمر الأخير لحزب عبد الرحيم بوعبيد بحالة المخاض الذي لم ينتهي بالولادة. ومعلوم أن المخاض الذي يعجز عن وضع حد لعملية الحمل يؤدي إلى عواقب وخيمة، لأن حتميته هي موت الجنين الذي اكتمل أجله.

   أما ما يمكن التفاؤل بشأنه في أحسن الأحوال، هو بقاء الأم على قيد “الحياة”، وحتى إن قدر لهذه الأم أن تبقى حية، فبالكاد سيعاني جسمها من الترهل المستدام لصعوبة المخاض، كما أنها لم تعد نفسيا تتقبل فكرة الإقدام على حمل جديد.

   بالضبط، هذا حاصل حالة الاتحاد الذي لم يتحد هذه المرة وأصبح بعد تعليق المؤتمر أمام هدف واحد لا أكثر، وهو أن يبقى له اسم ووجود كما عبرت المناضلة رشيدة بنمسعود في جوابها المتأخر عن أسئلة المؤتمرين في يوم الافتتاح: “نطمح إلى إعادة بناء الاتحاد الاشتراكي”.

   نتلقف منها هذا التصريح الكافي لتشخيص حالة الاتحاد والمفضي إلى فهم رهان واستراتيجية الحزب خلال السنين القادمة، حيث سيصبح الحزب أمام تجربة 50 سنة من النضال والحراك والمناورة غير قادر حتى على الإجابات التنظيمية، فأين هو من دخول الرهانات السياسية والقدرة على المشاركة في السياسة كما يدعي بعض المناضلين.

   مثلنا مثل كل غيور على الحالة التي وصلها العمل الحزبي ببلادنا نتساءل حول الأسباب التي أوصلت إلى حالة الموت المحقق هذه، والتي أصابت العديد من الأحزاب السياسية المغربية وتختلف مظاهرها باختلاف هذه التكتلات وتاريخها وبنائها وطبيعة قادتها ورصيدها ورهاناتها..

   من الجامعة كانت الإرهاصات الأولى والمؤشرات الواضحة لإعلان الاستقالة من رهان الجماهير، فكلنا نذكر الجامعة الربيعية التي استولى فيها الاتحاد بكوادره وهياكله ساحة الجامعة ليحولها من فضاء حوار إلى خندق تعبئة. في ذلك الحين لم يستوعب قادة الاتحاد رفض الجماهير واعتبروا الأمر مغالاة في طلب الاستقلالية، لكن الجماهير كانت واعية تمام الوعي على أن محطة كهذه في ضوء ما يحاك ضد الحركة الطلابية وبدعم كامل ومطلق من الدولة، وإن كان الأمر لا يتعلق بصفقة سر، فقد كان واضحا أن الحدث لما بعده (ارجع إن شئت إلى ملابسات إصدار الدورية الثلاثية وما تلاها من ويلات على الحركة الطلابية). غير أن رفاقنا في الاتحاد أغفلوا هذا التقدير -وهكذا نحسب- أو هم لم ينتبهوا أو لم يدركوا أنهم بلا شك سيكونون رقما في معادلة اسمها تيسير انتقال الحكم.

   ضحى الاتحاديون برصيد فصيلهم الذي لم يعد له خبر بالجامعة، وبين عشية وضحاها انقرض الحزب من العديد من الجامعات لأن السبب واضح، لقد أصبحنا دولة ولم نعد حزب القواعد الشعبية، وبالضمن فلا مكان للحركة الطلابية في استراتيجيتنا السياسية.

   عندما رجع آخر زعماء الحزب إلى المغرب ليقنع نفسه ورفاقه على درب بن بركة بضرورة المشاركة في الحكومة، وجد الرفيق عبد الرحمان اليوسفي نفسه مكبلا بأغلال من المعوقات عن وصول مضمون لاقتسام السلطة والرفع من مستوى صلاحيات الطرف الأول المتمثل في الأحزاب على حساب الطرف المتنفذ والمتمثل في الدولة.

   التأسيس للانحراف بدأه الاتحاديون من هذه الموافقة، ليس لكونها توبة من المعارضة أو تراجعا عن تبني خط التحرير، ولكن بالنظر إلى الحدث باعتباره لحظة تاريخية هيأت لها الدولة على مهل، واختارت لها المناسبة، وضمنت بها انتقالا هادئا وتجديدا كاملا لشرعيتها المطلقة، باختصار حققت الدولة جل إن لم نقل كل رهاناتها.

   على النقيض من ذلك، أقدم عمالقة الاتحاد وشيوخه على هذه الخطوة دون تقدير لحقيقتها وما سيترتب عنها. فمن جهة، تمت طمأنة بعض القيادات الاتحادية  خصوصا ذات الرصيد النضالي والتنبؤ الاستراتيجي- بضمانات تفتقر إلى العلمية والموضوعية وذلك بإمطار المرحلة بوابل من المفاهيم السياسية المركزية دون بحث في التفاصيل (التناوب التوافقي في أفق التناوب الديمقراطي، ملكية دستورية، دولة الحق والقانون والمؤسسات….). ومن جهة ثانية، أغرقت القيادة في التوافق والمناورة دون تهيئ القاعدة التي ستحول المشروع إلى واقع، وهو الأمر الذي حول الحزب من تكتل جماهيري إلى نخبة مناورة تحول العديد منها إلى انتهازيين وحقائبيين ومخزنيين بعيدين كل البعد عن القاعدة محط أطماع أمثال حركة الهمة والوفاء للديمقراطية.

   إن الذي يغفل نقطة بداية العهد الجديد لحزب الاتحاد هذه، سيكون في نظرنا أمام تحليل قضايا ثانوية. فراهن الحزب بعد إعلان المصالحة الطوعية هو راهن نكبات بامتياز، فمن نكبة الوزير الأول إلى نكبة المؤتمر السادس مرورا بويلات الانقسامات وصولا إلى نكتة وزير بدون حقيبة وما تلاها من إقالات، ولا يبدو في الأفق نهاية بعد ما تتبعنا من عجز كامل عن تبني آلية لحوار الرفاق الأعداء.

   ما كنا لنعير اهتماما لما حصل في المؤتمر الثامن، لولا أننا نحسب الأمر أكثر تعقيدا من فشل التوافق حول كاتب عام ومكتب سياسي، بل:

   أزمة سياسة: يتحمل مسؤوليتها بالدرجة الأولى المخزن المغربي الذي يستفرغ وسعه في إضعاف الأحزاب وغير الأحزاب بعدما يحقق بها تجديد كيانه في مرحلة معينة.

   أزمة مبادئ: حيث تحولت الأحزاب من تكلات بمنطق الكل، إلى لوائح وتدخلات بل وإلى عصابات وبربريات وعنف وشعارات.

   أزمة مواطنة: حيث يتحول المرء بين جلسة الافتتاح وحصة المصادقة على التقارير من ولاء إلى ولاء، ومن رأي إلى نقيضه ومن مصلحة إلى ضدها وهي الحالة الوحيدة التي حصل من أجلها الإجماع وتبناها جل قادة الاتحاد في قاعة المؤتمر.

   أزمة قيادة: لم ينعم هذا الحزب بقيادة رشيدة قادرة على سياقة سفينة الحزب منذ مغادرة اليوسفي، فكل اللقاءات والتجمعات العامة والمركزية لا تعد أن تكون فضاءات استعراض العضلات وفضح المستور، وفي غياب القيادة التي تحولت هي الأخرى إلى متنافس شرس على الكراسي بمبررات واهية، أصبح الحزب محط أطماع المجربين (شي تراكتور داز من هنا) كما عبر أحدهم مشيرا إلى ما فعله أصحاب الهمة بمؤتمري حزب عبد الرحيم بوعبيد التقدمي.