أجرت جريدة المساء المغربية عدد رقم 542 الصادر يوم الاثنين 16 يونيو 2008 ضمن ملفها “كرسي الاعتراف” حوارا مقتضبا مع السيد نور الدين عيوش حول حصيلة عمل جمعية “2007 دابا” التي كانت قد راهنت بقوة على المساهمة في تحقيق نسبة مشاركة قياسية للشعب المغربي في انتخابات شتنبر 2007.

في هذا اللقاء تناول السيد عيوش مبضع “التحليل السياسي” وأدوات “التعليل الواقعي”، وانخرط بكل قواه الفكرية والذهنية في عملية تشريح مرتبكة للمشهد السياسي المغربي، رام من خلالها تحقيق أمور ثلاثة:

أولا: إثبات أسباب العزوف المهول للشعب المغربي عن المشاركة في الانتخابات.

ثانيا: تحديد الطرف المسؤول عن جريمة التدبير الكارثي للشأن السياسي بالمغرب.

ثالثا: إثبات المدخل لتجاوز ظاهرة العبث التي تطبع السلوك السياسي، وتعيين المقترحات العملية لإعادة الثقة للحياة السياسية.

وقد توصل السيد عيوش في محاولته “التحليلية” إلى أجوبة كان همها الأكبر، حسب مضمون الحوار، تغليف الحقائق الواضحة بستار من الاستنتاجات المتهافتة بقصد التستر عن المتسبب الوحيد في حالة الانهيار الكلي للوضع السياسي. ومن ثم تزييف الوقائع الفاضحة لبؤرة الفساد الحقيقي، والتي تقف خلف إفساد مختلف مناحي الحياة الإنسانية.

ولكن المحاولة ولله الحمد باءت بالفشل الذريع وسقطت في شرك الخذلان التام. فكرسي الاعتراف الذي كان يجلس عليه السيد عيوش لا يعرف التدليس إليه سبيلا، وبالتالي فهو لم يثبت سوى معطى وحيدا هو افتقاد التحليلات المعتمدة والخلاصات المتوصل إليها لأي منطق أو سند من النقل والعقل، أو التاريخ والواقع.

ومما لا شك فيه أن الحصيف حين يمر بمثل هذا “الحوار” يرثي لحال نخبتنا المعزولة عاطفيا ونفسيا وواقعيا عن نبض الأمة، ويستعيذ من حدة النقاش الدائر حول طبيعة العلاقة التي تربط النخبة بالسلطة السياسية، هل هي علاقة التحدي التي تنهجها النخبة المنتفضة ضد السلطة المستبدة حين تدخل معها في صراع قصد نصرة الحق والتصدي للفساد، أم علاقة الاستلاب التي تمثلها النخبة الانهزامية التي لا يهمها سوى خدمة مصالحها الشخصية والدفاع عن مصالح الطبقة الحاكمة، أم علاقة الحياد التي تمثلها النخبة السلبية التي تلامس المشاكل الإنسانية بتخييل ذاتي مجرد وتعبير رمزي غامض.

حراس إيديولوجيا المخزنتشير القراءة التفكيكية للتاريخ السياسي لمغرب ما بعد الاستقلال إلى أن النظام المخزني لم يأل جهدا في استنفار كل الوسائل الفكرية والمادية والبشرية والمؤسساتية من أجل تحصين مرتكزات مشروعه التسلطي في قلب الحياة السياسية، واحتواء كل من سولت له نفسه أن يشذ عن إجماعه أو يغرد خارج سربه، وذلك في انسجام تام مع طبيعته التي تحتكر كل مداخل الحياة السياسية وتسيطر على كافة مفاصل التنمية الحقيقية.

ففي جل مراحل الصراع السياسي بين النظام/الدولة وبين التنظيمات السياسية، لم تكن تخلو فترة من الفترات من عملية صناعة المدافعين عن “إيديولوجيا المخزن”. فالأساليب تنوعت حسب ما تقتضيه طبيعة الظرف السياسي ونوعية أطراف الصراع وحجم المتطلبات لتحقيق الاستفراد والاستبداد، ولكنها على العموم لم تكن تخرج عن أشكال ثلاثة:

الأول: “الإنتاج الطبيعي” للنخبة السياسية التي قررت منذ بداية مسارها الانخراط في “مدرسة المخزن” سواء باختيار منها هي أو من المخزن نفسه. وذلك على اعتبار أن “شرط الترشيح لبلاط النخبة المخزنية غير مرتبط بالكفاءة بتاتا بل هو مشروط بمعيار الرضا المخزني، أي أن الدولة هي التي تختار نخبها. والرضا هو فرز أولي ينطلق من تتبع دقيق لمسلكيات المرشح ومواقفه السياسية بالدرجة الأولى، ومساهمته في تكريس الوضع القائم أصلا والذي يستطيع به الحاكمون مواصلة حكمهم بكل سلاسة ودون مشاكل”. (1)

الثاني: “الاستنبات القسري” للإطارات التنظيمية أثنا فترات الصراع السياسي، والتي تحمل على عاتقها في بداية الأمر مهمة الدفاع عن تصورات النظام انطلاقا من مضمون القضية موضوع الصراع، لتتحول بعد ذلك ومع مرور الوقت إلى الدفاع عن المفاصل الكبرى والرئيسية في مشروع النظام بأكمله.

وبالتأكيد فهذه التنظيمات المصنوعة على مقاس معين لم تكن بالمطلق صادرة عن ضرورة الجواب عن أسئلة الواقع وتحديات المستقبل التي تفرضها الصيرورة التلقائية لدينامية المجتمع والحركية الطبيعية للحياة السياسية، بل كانت جوابا عن سؤال التوظيف من قبل السلطة السياسية ولصالحها من خلال الحاجة إلى تحقيق منطق التوازن داخل الحقل السياسي.

وهكذا سنجد أن مرحلة صراع القصر مع حزب الاستقلال حول فكرة “نظام الحزب الوحيد” سيكون وراء إقرار ظهير الحريات العامة في نونبر 1958، والذي سيعقبه بعد ثلاثة أشهر بالضبط، أي في فبراير 1959، تأسيس حزب الحركة الشعبية. أما مرحلة الصراع بداية الستينات حول إقرار “الدستور الممنوح” فقد كانت السبب المباشر في تأسيس “جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية” في مارس 1963 كي تمنح دعمها الكامل للمؤسسات التي تستحدث بمقتضى الدستور… ونفس التجربة تتكرر في وقتنا الحاضر مع تأسيس “حركة لكل الديمقراطيين” التي تعود أصول مؤسسيها إلى مشارب مختلفة ولكنهم يلتقون عند نقطة مشتركة كونهم يرتدون نفس المعطف المخزني.

الثالث: “الاستلاب التدريجي” للتنظيمات السياسية التي تأسست على غير قاعدة القناعات المخزنية وأطروحات السلطة السياسية عن طريق عملية احتواء الأفراد والمؤسسات. هذه الأخيرة “انطلقت فور الإعلان عن الاستقلال القانوني للمغرب. فتم احتواء المقاومة وجيش التحرير داخل الجيش الملكي وجهاز الأمن الوطني. ثم تمكن النظام من احتواء الاتحاد المغربي للشغل وأقنعه بفصل العمل النقابي عن العمل السياسي، حيث رفع المحجوب بن الصديق منذ 1963 شعار نعم للخبز لا للسياسة ووقع الطلاق مع أوقش. ومنذ انتخابات 1976/1977 النيابية تمكن النظام من احتواء شريحة هامة من حزب الاستقلال وإفسادها سياسياً وأخلاقياً برئاسة مجالس الجماعات البلدية والقروية وبالمشاركة في الحكومة.

ونفس النهج اتبعه النظام مع الاتحاد الاشتراكي بمشاركته في الحياة النيابية المغربية وإن ظل رافضا للمشاركة في الحكومة إلى حدود 1996/1997. إذ تمكن العقل السياسي الرسمي من إفساد شريحة معتبرة من مناضليه في كل المدن التي تحملت فيها العناصر الاتحادية مسؤولية رئاسة المجالس البلدية أو القروية. وأكيد أن نفس النهج سيتبعه النظام مع مشاركة الحركة الإسلامية في الانتخابات وسيفسدها لا محالة إذا لم تستوعب الدرس الاتحادي والاستقلالي” (2).

تحليل… أم تحايلسنبدأ بحول الله في مساءلة مضامين الحوار من حيث الخلاصة العامة التي توصل إليها السيد نور الدين عيوش. فهو بعد تجربة الاحتكاك بالواقع السياسي قبل انتخابات 7 شتنبر قد “اكتشف ما يشبه الفوضى التي مست بشكل عميق المشهد السياسي”، حتى وصف الأمر بأنه الكارثة الحقيقية.

وهذا ما سيجعله يقتنع بأن التحول المطلوب لن يحدث إلا باللجوء إلى مقاربة نظرية تعتمد “التغيير الجذري في الساحة السياسية الوطنية”، جسدها تعبيريا من خلال ضرورة حدوث “زلزال سياسي”، وحصرها عمليا في مركزية إعادة تأهيل المشهد الحزبي ليكون في مستوى التحديات. لأنه يرى أن “من الضروري وضع حد لنظام البلقنة ونريد أحزابا قوية للوصول إلى الديمقراطية”.

بهذا يكون السيد عيوش قد أصدر حكمه القاطع بأن هذا التردي تقف وراءه جملة وتفصيلا الأحزاب السياسية ومن ورائها بالطبع جميع التنظيمات الحركية ومكونات المجتمع الأخرى. فبالنسبة إليه “لا يوجد للأسف أشخاص مبدعون قادرون على خلق آليات جديدة في الفكر السياسي أو صياغة مشاريع ومتابعتها”.

بهذه الأفكار يكون السيد عيوش قد رسم مسارا تحليليا انطلق من الوضعية العامة ليستنتج السبب الرئيسي ثم يقترح الحل المناسب. وإذا كنت أتفق معه في نعته الوضع بالوصف المذكور، فإني أختلف معه اختلافا جوهريا في الأسباب ومداخل الحل، خصوصا وأنه هو أيضا يختلف مع نفسه في ذات الحوار. ما يعني أن مجرد إثبات هذا التناقض الحاصل في مبرراته كاف جدا كي تفقد الآلة التحليلية المعتمدة المصداقية اللازمة والموضوعية المطلوبة، لنحكم بعد ذلك على الخلاصات التي توصل إليها بالتبسيطية المخلة والتجزيئية المسفة.

فحينما ألقى السيد عيوش المسؤولية المطلقة على الأحزاب السياسية في صناعة وضع الكارثة، وبالمناسبة فأنا هنا لست بصدد الدفاع عنها والتماس الأعذار لها فهي شريك أساسي في تكريس الوضع القائم لما وضعت يدها في يد النظام المستبد ولم تصطف في خندق المدافعين عن الحرية والكرامة، استطرد يبحث عن المخرج المناسب فقال: “من الضروري وضع حد لنظام البلقنة ونريد أحزابا قوية للوصول إلى الديمقراطية، وإلا فإن الملكية ستقرر دائما”.

فما دام السيد عيوش يقر بأن النظام السياسي الحاكم له نصيبه من التقرير في شؤون البلاد والعباد، فإذن هو طرف رئيسي في صناعة الواقع المعيش. وإذا أضفنا عبارة أخرى استنتجها السيد عيوش من خلال مخالطته الأحزاب السياسية حين قال: “لم نستطع، أي في جمعية 2007 دابا، تغيير الأحزاب ولم نتمكن من إقناع المغاربة بالذهاب من أجل التصويت”، نجد أن هذه الأحزاب التي سعى لتغييرها نحو الأحسن لا شك أنها بلغت مستوى كبيرا من الضعف والتشتت. وبالتالي فهي لا يمكن أن تكون بالمطلق رقما وازنا في صناعة المشهد السياسي الحالي على المستوى العملي على الأقل. فيتحصل من كل هذا أن النظام السياسي الحاكم ما دام هو الموجود في الطرف الآخر فهو من يتحمل الوزر الكبير في ما آل إليه الوضع وانقلب إليه الحال.

وتبعا لذلك فإنه من المؤسف الإقرار بأن ما سعى إليه السيد عيوش في هذا الحوار يصنف ضمن خانة التحايل على المنطق واستبلاد العقول.

اعتراف منطقييبدو أن السيد عيوش لم يدرك أن سقف التأمل الذي وضعه لمخيلته وسياج التفكير الذي أحاط به ملكاته العقلية لم يسمح له بالخروج من عباءة المخزن وتجاوز مسلماته الصنمية. مما وفر له مساحة اجتهاد ضيقة لا تسمح باستجلاب أدوات التحليل الكفيلة بمعالجة قضية “إفلاس الحقل السياسي” بشكل منطقي ومستساغ. وهو الأمر الذي جعله يتخبط في خضم أجوبة متناقضة أوصلته في الأخير إلى حالة من الانسداد الكلي حين قال: ” من الضروري وضع حد لنظام البلقنة ونريد أحزابا قوية للوصول إلى الديمقراطية، وإلا فإن الملكية ستقرر دائما، والمشكلة أنني لا أرى الحل”.

لقد غاب عنه الحل بين ثنايا الحل التبسيطي الذي اقترحه وعمق الأزمة المعيشة.

وغاب عنه لأن هذا الواقع المتنمر هو أكبر من أن يكون صناعة طرف هو أصلا يعاني من مرض مزمن اسمه “الشيخوخة”.

—————————

(1) عبد الرحيم العطري، كتاب “صناعة النخبة بالمغرب”.

(2) امحمد طلابي، كتاب “تقرير في نقد العقل السياسي المغربي الرسمي والمعارض”.