“يابني! عوض أن تقول: سخر لي خلقك، قل: يارب كن لي، أتُرى إذا كان لك أيفوتك شئ؟”بقلم: محمد ديرا / [email protected]

بين التلميذ وأستاذه

شعر بيقظة قلبية وانتباهة روحية ورغبة جامحة في التقرب إلى الله، فبدأ البحث عن الأستاذ والدليل والموجه والمرشد والمصحوب. لكن أين هو؟ فلنرحل إلى بغداد منارة العلم والعلماء ففيها الفقهاء والمحدثون و فطاحلة العلم.

وصلنا إلى بغداد وهاهو يلتقي العالم الكبير أبا الفتح الواسطي، لكن أبا الفتح يفاجئه فيخبره بأن مطلوبه لا يوجد بالعراق. إذن هو أين؟ يجيب: هو في بلدك (المغرب).

قفل راجعا يبحث عن مبتغاه؟ يسأل هنا وهناك، يبحث وينقب، وإذا بصبح الفرج يبزغ فجره ليجد ما يريد، نعم وجد الأستاذ والمربي الذي كان يبحث عنه، وجده في مغارة بأعلى الجبل كان يسكن ويعبد الله فيها.

استأذن التلميذ أستاذه فأجابه: “اذهب فاغتسل” فذهب بجوار المغارة وكان بها ماء فاغتسل ثم عاد إلى الشيخ فقال له: “اذهب فاغتسل”، فذهب ثم عاد فقال له ثالثة: “اذهب فاغتسل”.

ماذا هناك؟! لقد اغتسل وتوضأ، لكن الشيخ كان يريد اغتسالا معنويا وروحيا، كان يريد منه أن يغتسل من اعتداده بعلمه وعمله، ويتجرد من حوله وقوته، ويخرج من فخره وخيلائه وذنوبه. فانتبه التلميذ وفعل.(1)

قال التلميذ بعد ذلك بزمن متحدثا عن هذه اللحظات وقد صار حينها أستاذا ومربيا كبيرا: “خرجتُ من علمي وعملي وطلعت إليه فقيرا، وإذا به هابط علي (…) فقال لي: مرحبا (…) طلعت إلينا فقيرا من علمك وعملك فأخذت منا غنى الدنيا والآخرة (…) فأقمت عنده أياما إلى أن فتح الله على بصيرتي”. وهكذا التقى التلميذ بالأستاذ بعد رحلة بحث طويلة.

لكن مَن التلميذ؟ ومَن الأستاذ؟.

التلميذ هو العالم الشهير أبو الحسن الشاذلي، والأستاذ هو الشيخ والإمام والشهيد والمربي الكبير مولاي عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه وأرضاه.

ولادته وحياته

ولد رحمه الله حوالي سنة 559هـ/1198م (هناك خلاف بين المؤرخين فهناك من يزيد عن هذا التاريخ 4 سنوات)، حفظ القرآن الكريم وسنه لا يتجاوز الثانية عشرة من عمره ثم أخذ في طلب العلم فنال منه حظا وافرا، سلك طريق التصوف من طريق الشيخ عبد الرحمن المدني (الشهير بالزيات) حتى اعتبر من أكابر العارفين بالله، يتصل نسبه بالإمام الحسن بن علي رضي الله عنهما وفاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

كان الشيخ يعمل في الفلاحة والزراعة كباقي سكان المنطقة، تزوج من ابنة عمه وأنجب منها أربعة أولاد ذكور (محمد وأحمد وعلي وعبد الصمد) وبنتا واحدة (فاطمة).

تحدث الأستاذ عبد السلام اللهيوي صاحب كتاب حصن السلام عن مراحل حياة الشيخ فقال: “الظاهر من خلال أعماله أنه قسم حياته إلى ثلاثة مراحل: أعطى المرحلة الأولى للحياة العلمية، وأعطى المرحلة الثانية للاشتغال بالأولاد والجهاد، وأعطى المرحلة الثالثة للتفرغ للعبادة”.

لم يكن الإمام يتطلع إلى الشهرة والزعامة، فقد نفض قلبه من حب الرئاسة حتى أنه بالغ في إخفاء نفسه عن الناس، يقول أحد المؤرخين: “توارى عن الأعين، وتباعد عن الظهور، وتجرد للعبادة، وفر بنفسه عما الناس فيه من الفتن، وغاب عن الخلق في شهود جلال الحق”.

ومن الدعاء الذي أثر عنه في السَّحَر أن يصرف عنه الخلق، فقد ورد عن تلميذه أبو الحسن الشاذلي أنه قال: “كنت في سياحتي فأتيت إلى غار لأبيت فيه فسمعت فيه حس رجل فقلت: والله لا أشوش عليه في هذه الليلة فبت على فم الغار، فلما كان عند السَّحَر سمعته يقول: اللهم إن أقواما سألوك إقبال الخلق عليهم وتسخيرهم لهم، فسخرت لهم خلقك فرضوا منك بذلك، اللهم إني أسألك إعراضهم عني واعوجاجهم علي حتى لا يكون لي ملجأ إلا إليك.

قال: ثم خرج فإذا هو أستاذي (يقصد ابن مشيش) فقلت له: يا سيدي إني سمعتك البارحة تقول: (كذا وكذا) فقال لي:” أيما خير لك أن تقول: كن لي أو تقول: سخر لي قلوب خلقك فإذا كان لك كان لك كل شئ” وفي رواية: ” عوض ما تقول سخر لي خلقك، قل يارب كن لي، أترى إذا كان لك أيفوتك شئ؟”.

لذلك نجد أكثر كتب الطبقات أغفلت ذكر الإمام لأنه كان من الأولياء الأتقياء الأخفياء.

لكن ورغم رغبته في التخفي فقد أصبح تلميذه أبو الحسن الشاذلي أشهر من نار على علم حتى أصبحت تسير بذكره الركبان وكُتب لاسمه وآثاره الخلود، ومن ثم كان لابد لكل من أراد الحديث عن أبي الحسن أن يتحدث عن مرشده وأستاذه وشيخه أولا، ليكون أبو الحسن الشاذلي نفسه كرامة من الله للإمام.

الشهيد عبد السلام بن مشيش ومدعي النبوة ابن أبي الطواجين

نحن الآن في عهد الدولة الموحدية التي فقدت قوتها بعد موت يعقوب المنصور حيث قامت الفتن والنراعات على الحكم بين الأمراء. في هذه الأثناء ظهر رجل يدعى ابن أبي الطواجين برغبته الجامحة وطموحه في الحكم، فادعى النبوة وسلك طريق السحر والدجل بما تعلمه من أبيه، فسحر أعين الناس واسترهبهم، وأصبح يبدو وكأنه صاحب معجزات حتى تبعه بعض المخدوعين، فعات في الأرض فسادا وقتلا وسفكا للدماء، لكن الإمام الشيخ لم يسكت عن هذا المنكر الفظيع فقام ضده وشن عليه حملة شعواء، ولما علم بن أبي الطواجين أن الإمام أصبح عقبة في طريقه دبر لقتله والتخلص منه.

بعث ابن أبي الطواجين بعض أصحابه إلى الإمام ليغتالوه، ولما نزل من مكان عبادته للوضوء والاستعداد لصلاة الصبح نفذوا المؤامرة وتمكنوا من قتله سنة 622 هـ (أو 625هـ على اختلاف الروايات) وعوض أن يصعد الإمام إلى محل عبادته بعد الوضوء ارتقى إلى العلا شهيدا بعد أن أهداه هذا “الكذاب” الشهادة في سبيل الدفاع عن الإسلام.

من حكمه ووصاياه رضي الله عنه

– ” أفضل الأعمال أربعة بعد أربعة: المحبة لله، والرضا بقضاء الله، والزهد في الدنيا، والتوكل على الله، وأما الأربعة الأخرى: فالقيام بفرائض الله، والاجتناب لمحارم الله، والصبر عما لايغني، والورع من كل شئ يلهي”.

– قال رجل للإمام: “يا سيدي، وظف علي وظائف وأورادا أعمل بها، فقال: أرسول أنا؟ الفرائض مشهورة والمحرمات معلومة فكن للفرائض حافظا، وللمعاصي رافضا، واحفظ قلبك من إرادة الدنيا وحب النساء وحب الحياة، واقنع من ذلك بما قسمه الله لك، إذا خرج مخرج الرضا فكن لله فيه شاكرا، وإذا خرج مخرج السخط فكن عليه صابرا، وحب الله قطب تدور عليه الخيرات، وأصل جامع لأنواع الكرامات وحصون ذلك كله أربعة: الورع، وحسن النية وإخلاص العمل، ومحبة العلم، ولا تثمر هذه الجملة (يقصد بالجملة هذه المجموعة من النصائح والتوجيهات) إلا بصحبة أخ صالح أو شيخ ناصح”.

– قال الإمام الشاذلي: “أوصاني حبيبي (يقصد أستاذه وشيخه): لا تنقل قدميك إلا حيث ترجو ثواب الله، ولا تجلس إلا حيث تأمن غالبا من معصية الله، ولا تصحب إلا من تستعين به على طاعة الله، ولا تصطفي لنفسك إلا من تزداد به يقينا. وقليل ماهم”.

– وقال الإمام الشاذلي أيضا: أوصاني أستاذي فقال: “الله الله والناس والناس، نزه لسانك عن ذكرهم وقلبك عن التماثيل من قبلهم، وقل اللهم أرحني من ذكرهم ومن العوارض من قبلهم، ونجني من شرهم وأغنني بخيرك عن خيرهم وتولني بالخصوصية من بينهم إنك على كل شئ قدير”.

في الحلقة القادمة (إن شاء الله):

المهاتما.. غاندي

“المقاومة السلبية والعصيان المدني طريقة للحصول على الحقوق”

——————————————

1- نتذكر هنا قصة موسى مع الخضر عليهما السلام فقد قال له: “هل اتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا”. فموسى ابتدأ بكلمة “هل” فتجرد من كل شئ حتى من الإرادة نفسها، فهو لم يقل إني أريد أو إني عازم بل ولا: إني أرغب أو أحب، فكلمة “هل” نفت كل ذلك وجردت موسى من تصميم المعتزين. وتلت كلمة “هل” كلمة أخرى تثبت التواضع وتنفي الكبر وهي “أتبعك” فموسى لم يقل أرافقك أو أصاحبك وإنما أتبعك. (هذا الكلام للمرحوم عبد الحليم محمود شيخ الأزهر سابقا بتصرف يسير).