بسم الله الرحمان الرحيمالمؤتمر القومي  الإسلامي

البيان الختامي لاجتماع لجنة المتابعة الثالث والعشرينعقدت لجنة المتابعة للمؤتمر القومي  الإسلامي بتاريخ 28/6/2008 الموافق 25 جمادى الآخرة 1429 هـ في بيروت، اجتماعين خصص أحدهما لمتابعة قرار المؤتمر العام حول تعزيز العلاقات والتعاون بين أطراف التيارين القومي والإسلامي، وتنفيذ ما أمكن من التوصيات الأخرى، وقد اتخذت عدة قرارات تتضمن آليات للتفعيل والتعزيز والتطوير. وهو ما يؤمل أن تتأكد جدارتها في التطبيق العملي خلال الأشهر الستة القادمة.

أما الاجتماع الثاني فخصص لتدارس الوضع السياسي العام.

ثم صدر عن اللجنة البيان التالي:

1  في الوضع السياسي العام

لقد لاحظت لجنة المتابعة استمرار التراجع في المشروع الأمريكي  الصهيوني على مستوى المنطقة العربية والأمة، كما لاحظت عمق الأزمة التي تصيب الكيان الصهيوني، خصوصاً بعد حربه العدوانية على لبنان، واستعصاء اقتحام غزة عسكرياً. بالإضافة إلى ما أحدثته المقاومة العراقية من ارتباكات وتصدعات داخل الولايات المتحدة الأمريكية، ومن تصاعد الخسائر البشرية التي لا يكشف إلا الجزء المحدد منها، والخسائر الاقتصادية والمالية والاجتماعية التي بلغت آلاف المليارات من الدولارات، والخسائر الاستراتيجية التي أصابت الأحادية الإمبراطورية الأمريكية في العالم، والخسائر الأخلاقية الضخمة التي منيت بها السمعة الأمريكية داخل المجتمع الأمريكي نفسه وخارجه، مما أدى إلى الانقسام الحالي الحاد في انتخابات الرئاسة الأمريكية، وإلى اتساع المطالبة بالتغيير الشامل، وإلى انعكاس الارتباك الأمريكي في العراق على توجهات الناخب الأمريكي.

وعلى المستوى الاقتصادي فأمريكا تواجه اليوم أزمة لم تعهد لها مثيلاً منذ أزمة 1929  1932. فالركود الاقتصادي يتفشى، والبورصة في اضطراب، وانهيار الرهن العقاري مستفحل، وتدهور مكانة الدولار متفاقمة، والديون الداخلية والخارجية بالتريليونات من الدولارات.

إن إدارة بوش تتحمل أيضاً مسؤولية مباشرة لما يحدث في العالم من أزمات في الغذاء والنفط والتضخم والتصاعد الجنوني لغلاء الأسعار، وذلك مع تحميل مسؤولية موازية ومباشرة للعولمة المتوحشة، لاسيما المضاربات في البورصات في الأزمة العالمية الراهنة، والتي قد ينجم عنها موت عشرات الملايين جوعاً، مما يقتضي إعادة النظر في اتفاقات منظمة التجارة العالمية والمنظمة العالمية لحقوق الملكية الفكرية.

إن السياسات الخرقاء التي تبناها المحافظون الجدد في تسخير أولوية الاستراتيجية الأمريكية لمحاربة العرب والمسلمين وتجزئة أقطارهم، كما يحدث في العراق والصومال والسودان، وفّر الفرصة لروسيا لتوقف حالة الانحلال السياسي والاقتصادي، وتستعيد مكانة الدولة الكبرى، وللصين أن تتقدم اقتصادياً وعسكرياً وتقنياً بخطوات واسعة، وكذلك الهند والبرازيل، كما أتاح الفرصة لتنامي المعارضة الرسمية والشعبية للنفوذ الأمريكي في بلدان أمريكا اللاتينية. ويمكن أن يضاف، للأسباب نفسها، زيادة الدور العالمي للاتحاد الأوروبي بسبب التراجع الكبير في ما كان يسمى نظام القطب الواحد الذي أخلى مكانه لصراع دولي جديد باتجاه تعدد القطبية وتعاظم دور شعوب العالم الثالث.

ومن هنا يمكن القطع بأن القوة الأمريكية في حالة ضعف وتدهور ووقوف أمام مفترق طرق في مختلف الأصعدة الدولية والمجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية. ولكن بالرغم من كل ذلك فإنها أبعد ما تكون من إخلاء الساحة، أو من عدم القدرة على التخريب ونشر الفوضى بعد أن فشلت في إقامة نظام عالمي أحادي القطبية ونظام شرق أوسطي تحت الهيمنة الأمريكية والصهيونية. فالصراع سوف يحتدم في منطقتنا العربية  الإسلامية في العالم في المرحلة القادمة.

في مواجهة الفوضى الأمريكية

ولهذا فإن لجنة المتابعة تحذر مما خلفته أمريكا في السبع سنوات الماضية من دمار وانقسامات وشحن طائفي ومذهبي وقومي وعرقي داخل أقطارنا العربية والاسلامية، وفي ما بين دولنا كذلك، الأمر الذي يسمح لإدارة بوش وهي تتراجع بإبقاء النزاعات محتدمة والفوضى عارمة مما يوجب تطويق هذه المخلفات التي تستغلها السياسات الأمريكية الراهنة. وذلك من خلال تكريس منهجية الحوار والتوافق والتضامن على المستويين القطري والعربي  العربي.

اتفاق الدوحة في لبنان

إن تجربة اتفاق الدوحة اللبناني  اللبناني وما نجم عنه من إجماع على انتخاب العماد ميشيل سليمان رئيساً للجمهورية تتطلب من الجميع إنجاح تشكيل حكومة وحدة وطنية، إلى جانب ضرورة وقف الشحن الطائفي وإحباط محاولات المتضررين من اتفاق الدوحة بإعادة الأزمة الى نقطة الصفر.

فلسطين: كسر الحصار وبدء الحوار

إن لجنة المتابعة إذ تهيب بجميع الأطراف اللبنانية والعربية ضرورة إنجاح اتفاق الدوحة وتدعو بأن تمتد التجربة إلى الساحات الأخرة، كل وفق خصوصياتها ومعادلاتها الداخلية، ولاسيما ضرورة كسر الحصار على قطاع غزة، وإنجاح الحوار الفلسطيني  الفلسطيني بين حماس وفتح، ثم الانتقال منه الى الحوار الشامل بين كل الفصائل الفلسطينية لتكريس الوحدة الوطنية وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على قاعدة ميثاق عام 1964، ورفض ما جرى من تعديلات عليه، وتعزيز ذلك بانتخابات حرة لأعضاء المجلس الوطني.

وقد شددت اللجنة على أهمية تحديد المسؤوليات في حصار غزة خصوصاً، والأرض الفلسطينية عموماً مُدِينة كل المشاركين في تنفيذ الحصار، داعية إلى فتح فوري لقطاع غزة كخطوة أولية لرفع الحصار، وكتعبير عن قرار سيادي يخص مصر وفلسطين بالدرجة الأولى، خصوصاً أن عدد الشهداء من بين المرضى يتزايد كل يوم، للنقص الفادح في الدواء ووسائل المعالجة في المستشفيات، ناهيك عما يسقط من شهداء فلسطين على يد العدوان الصهيوني المتواصل والمتنقل بين الضفة وغزة.

الاتفاقية الأمنية الأمريكية – العراقية

تشدد اللجنة بالنسبة إلى العراق على توحيد أوسع جبهة تضم فصائل المقاومة وكل القوى السياسية المعارضة للاحتلال وذلك لإحباط مشروع ما يسمى الاتفاقية الأمنية الأمريكية  العراقية التي لا تكرس الاحتلال الأمريكي وتنقذه من الهزيمة المحققة فحسب، وإنما أيضاً تكرس كل مخلفاته من تجزئة وفيدراليات وعودة الهيمنة الأجنبية على النفط العراقي بعد 36 عاماً على تحريره، وتزيد أعداد الانقسامات الدموية الداخلية، فضلاً عن تهجير خمسة ملايين عراقي، وأكثر من ذلك من الجرحى والمنكوبين. ولهذا فإن النجاح في إحباط هذه الاتفاقية الخيانية يجب أن يتمثل في تشكيل أوسع جبهة لدحر الاحتلال بلا قيد أو شرط، واستعادة وحدة العراق وسيادته وتكريس قاعدة المساواة المواطنية الى جانب هويته العربية والإسلامية مع الحفاظ على حقوق وهويات كل مكوناته القومية والمذهبية والدينية.

استعادة التضامن العربي

إن لجنة المتابعة للمؤتمر القومي  الإسلامي تهيب بكل القوى الحيّة العربية والاسلامية بأن تتضامن مع الصومال والسودان وأفغانستان ضد الاحتلال، ولإحباط مخططات التقسيم وإثارة الحروب الأهلية.

من هنا فإن استعادة التضامن العربي، لاسيما بين مصر وسوريا والسعودية، وتعزيز التضامن العربي  التركي  الإيراني (والإسلامي والعالم الثالث عموماً) يشكلان أساساً لنجاح المقاومات في فلسطين ولبنان والعراق والصومال وأفغانستان والحفاظ على حدود التراب الوطني ووحدة الشعب، بالنسبة إلى كل الدول مما يتهددها من مساع أمريكية  صهيونية تستهدف تجزئتها وتحويلها جميعاً الى فسيفساء من دول ضعيفة متعادية تتحكم فيها الهيمنة الأمريكية والنفوذ الصهيوني. فالسير على طريق التضامن في كل هذه المستويات يؤمن المصالح العليا للجميع، ويدرأ أخطار العدوان والاحتلال وتحديات الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة.

المقاومة هي الطريق

كما أن التمسك بالمقاومة، بكل أشكالها ومستوياتها، كنهج وخيار وثقافة، قد أثبت فعاليته في تحرير الأرض في لبنان وغزة دون معاهدات ومفاوضات أو اتفاقيات، وهو قادر أيضاً على تحرير العراق دون مثل هذه المعاهدات والاتفاقيات، فالمقاومة المستندة إلى وحدة وطنية راسخة هي وحدها القادرة على استعادة الحقوق وصون السيادة الوطنية والقومية.

فالسياسات السابقة التي مارستها بعض التيارات العربية في إطار الصراع العربي  الصهيوني المديد، من مؤتمرات ومعاهدات ومفاوضات، قد أثبتت عقمها وفشلها إلا في تحقيق التصدع في العلاقات العربية  العربية، كما في العلاقات داخل البلدان العربية نفسها.

فلا موازين القوى القائمة حالياً تسمح لنا بانجاز حلول سياسية مشرفة، كما أنه ليس من حق أي جيل أو قطر أو فئة مصادرة حق الأمة بكل أقطارها وأجيالها وفئاتها في مواجهة أعدائها واستعادة كامل حقوقها.

الحريات وحقوق الإنسان

ولقد لاحظت لجنة المتابعة تراجعات خطيرة في مجالات الحريات العامة والخاصة وحقوق الإنسان على امتداد الوطن سواء على مستوى اتساع دائرة الاعتقال بين سياسيين وإعلاميين وأصحاب رأي أو على مستوى المنع من السفر للحيلولة دون المشاركة في منتديات ومؤتمرات عربية بينها المؤتمر القومي  الإسلامي.

وفي هذا الإطار جددت اللجنة مطالبتها بالإفراج عن معتقلي الرأي وسائر المعتقلين السياسيين وإغلاق جميع الملفات ذات الطابع السياسي ورفع القيود عن تحرك المواطن العربي بما فيها إلغاء قرارات منع السفر التي تطال عدداً متزايداً من الناشطين وأهل الرأي.

في رقابة الجامعة العربية على الإعلام

ولقد جرى تتويج هذا الاتجاه القديم  الجديد بالتضييق على الحريات بإقدام النظام الرسمي العربي، عبر أغلبية وزراء إعلامه، بوضع وثائق وآليات من أجل ما يسمى بتنظيم البث الفضائي والإذاعي ومراقبة المواقع الإلكترونية بما يعزز من مخاوف المواطن العربي على حقوقه الأساسية، ومما يضيق من الهوامش الإعلامية والديمقراطية المحددة التي كان يتنفس عبرها هذا المواطن، وقد قررت اللجنة توجيه مذكرة مشتركة مع المؤتمر القومي العربي والمؤتمر العام للأحزاب العربية إلى أمين عام جامعة الدول العربية ووزراء الإعلام العرب للعودة عن قراراتهم بهذا الخصوص وعن تخصيص طاقاتهم وجهودهم لتطوير الإعلام العربي داخل الوطن وخارجه لخدمة قضايا الأمة ومحاصرة الإعلام الصهيوني والاستعماري المسيطر في العديد من دول العالم.

الاتحاد من أجل المتوسط

توقفت لجنة المتابعة في المؤتمر القومي  الاسلامي بإمعان حول المشروع الفرنسي لما يسمى “بالاتحاد من أجل المتوسط” فرأت فيه نسخة جديدة من المشاريع الشرق أوسطية المتتالية التي حاولت الإدارة الأمريكية فرضها منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي والتي ظاهرها التنمية الاقتصادية وباطنها التطبيع مع الكيان الصهيوني.

ودعت اللجنة رؤساء كل الدول العربية المدعوة إلى هذا الاتحاد إلى مقاطعة الاجتماع المرتقب في 13 تموز/يوليو 2008 في باريس في حال المشاركة الإسرائيلية فيه، واعتبار مثل هذه المشاركة مكافأة جديدة للإرهاب الصهيوني وقادته فيما جرائمه بحق شعب فلسطين مستمرة، ومستعمراته في اتساع، وجدار الفصل العنصري المخالف لإستشارة محكمة العدل الدولية يتوغل في أعماق الأرض الفلسطينية، وفيما أراضٍ عربية في الجولان ومزارع شبعا وكفر شوبا ما زالت محتلة، وفيما أكثر من 12 ألف أسير ومعتقل فلسطيني وعربي ما زالوا قابعين في سجون الاحتلال الصهيوني.

كما استهجنت اللجنة أن يضم مشروع الاتحاد المتوسطي المزمع إنشاؤه كل دول الاتحاد الاوروبي، بما فيها غير المطلة على البحر المتوسط، فيما تمنع من المشاركة فيه دول عربية وإسلامية وإفريقية تربطها مع الدول العربية المتوسطية منظومات إقليمية كالجامعة العربية، ومنظمة المؤتمر الاسلامي، والاتحاد الافريقي، واعتبرت أن هذا التمييز الفاضح بين منظومة إقليمية وأخرى هو تأكيد على المضمون العنصري الذي ينطلق منه هذا المشروع.

وقررت اللجنة أن تعد وبالتعاون مع المؤتمر القومي العربي والمؤتمر العام للأحزاب العربية، مذكرة موجهة إلى رؤساء الدول العربية المتوسطية تتضمن رؤية شعبية لمخاطر هذا المشروع وتدعوهم إلى عدم الاستجابة له ما دام أصحابه مصرين على إشراك الكيان الصهيوني فيه، وتنبه في الوقت ذاته إلى المخاطر التي تحملها جملة منظمات وحوارات ومناورات عسكرية وقواعد أجنبية مماثلة، على الأمن القومي العربي عموماً وعلى التطبيع مع الكيان الصهيوني خصوصاً. كما دعت اللجنة كل القوى الحيّة في الأمة إلى السعي لكشف هذه المخاطر عبر شتى الوسائل الشعبية والإعلامية والسياسية.

إن مواجهة المخاطر التي تشكلها السياسات الأمريكية  الصهيونية، وهي في حال التراجع في هذه المرحلة، ليست ضرورة لتجني شعوبنا ثمار النجاحات والتضحيات خلال السبع سنوات الماضية فحسب، وإنما هي أيضاً ممكنة. فموازين القوى والظروف الراهنة تسمح بذلك، إذا ما تحررنا من إسار الانقسامات الداخلية، وما أورثته من أحقاد وشحن طائفي أو إثني أو عرقي أو جهوي أو سياسي، وغلّبنا روح الوحدة والتضامن والمصالح العليا المشتركة.بيروت في 30-6-2008