هل يحتاج المغاربة حقا لهذا الكم الهائل من المهرجانات؟

يتبادر هذا السؤال إلى ذهن المتتبع لما تشهده الساحة المغربية من كثرة المهرجانات في الغناء والرقص والتبوريدة وعروض الأزياء ومختلف الفنون، من غرب المغرب إلى شرقه ومن شماله إلى جنوبه، وكأن المواطن المغربي المحروم لم يبق له، بعد ما تيسر له بفضل “السياسة الرشيدة” من سبل العيش الكريم، سوى الفرجة والغناء والرقص و”المتعة الفنية”!

إن المهرجانات والتظاهرات في ثوبها الجديد/القديم التي يجهد النظام المغربي بدعم من جهات داخلية وخارجية في حمايتها والدعاية لها، والترويج لسوقها، تستهدف الإنسان المغربي الحر الأبي المشبع بالقيم الروحية العالية، والمتمتع بالفطرة السليمة، وتترصد الشباب المسلم المتشبث بدينه وعقيدته وقيمه النبيلة، لدفعه إلى الفاحشة، وسوقه إلى الرذيلة بما تتيحه له هذه المهرجانات من أسباب الانغماس “المجاني” في المغازلات الجماعية والثنائية والاحتكاكات الجسدية بين الشبان والشابات والصغار والصغيرات، وحتى المتزوجين والمتزوجات وسط فضاءات مفتوحة على العري والشذوذ والشهوة. مما يثير غرائزهم ويوقع المحرم والمحظور بينهم، فيبتسم ثغر الماكر إبليس وأعوانه من الجن والإنس…

تلك حالة المنساقين مع موازين بالرباط، ومهرجان كناوة بالصويرة، ومهرجان الهيب هوب للشباب، ومهرجان الجاز بشالة، ومهرجان فاس للموسيقى العريقة، ومسابقات ستوديو دو زيم، وما أدراك ما ستوديو دو زيم! وهم يتابعون عروضا في أغلبها خلاعة وعري، وفي أهدافها تضليل وتزييف، وفي مزاعمها انفتاح على الثقافات الأخرى. فكأن الأحوال بخير فلا ينقصنا سوى الغناء والرقص والخلاعة، والاستمتاع بما تقدمه فرق موسيقية نبتت في رحم العبثية والشذوذ والمسخ والفراغ….

تلك لعمري ممارسات متجددة لسياسات قديمة، عندما كان النظام المغربي ينظم بتخطيط وتدبير وإحكام السهرات الفنية الكبرى كل يوم سبت، تنفق فيها الملايين من أجل صرف نظر العامل الكادح والفلاح المسكين والموظف البسيط والأجير المقهور والطالب المسحوق.. عن همومه اليومية المتمثلة في معاناته الدائمة وراء تحصيل لقمة العيش، ولا يجد لذلك سبيلا ما دامت رحا الظلم تأكل كل شيء في طريقها، ولا تعطي للمحروم إلا غناء ماجنا وفنا عفنا، ورقصا ساقطا، أبطاله المغنون والمغنيات والراقصات والمجموعات المحلية التافهة المختلفة المشارب المتفقة الرغائب، المليئة الحقائب…

لم يتغير في مغرب اليوم شيء يذكر، فما أشبه سياسة مغرب اليوم بنظيرتها في الأمس، السياسات هي هي، والاستراتيجيات والمبادرات والمخططات والوجوه هي هي…

لم تتغير نظرة المخزن إلى الإنسان، ظلت هذه النظرة تحكمها الرغبة في السيطرة، والتدجين والترهيب والترغيب والاحتواء، وبكل الأشكال والوسائل والطرق الشرعية وغير الشرعية، القانوينة وغير القانونية، بالوعود الكاذبة، والتسويفات الخادعة، والمبادرات الفاشلة، والتخويفات الظاهرة والباطنة، والترغيبات والامتيازات المغرية، بالمهرجانات والتظاهرات الفنية، بشراء الذمم لمن سئم التغيير وأعجزته الحيلة، وبكسر جناح الرافضين للتدجين أصحاب الضمائر الحية وذوي الهمم العلية المصرين على التغيير مهما كان الثمن، يغطي عليها بدعم المجون والانحلال عبر بعض المهرجانات الخليعة…

أعطوهم غناء ورقصا ولهوا لينسوا فقرهم وتعاستهم وحرمانهم…

خلف كل ساحة أو منصة يقام فيها مهرجان آلاف الجياع والمحرومون وأطفال الشوارع المتشردون، وبطون اليتامى والمعوزين تتلظى شاكية لربها ظلم حاكم لم يزده ماله وولده إلا غرورا، ولم يزده حلم الله به إلا تكبرا ونفورا، ولم يزده جشعه إلا طغيانا وسعيرا…

خلف أسوار باب الماكينة بفاس وجامع الفنا بمراكش وشالة بالرباط و، و، و، الآلاف من المعطلين والبائسين، واليائسين والمتسولين، والمحرومين والشاكين والمتضوعين والمقهورين، كما أن هناك خلف ناطحات السحاب بأمريكا أحياء “الهرليم” الفقيرة تتستر خلفها مظاهر الفقر والحرمان والذل والهوان وتزكم الأنوف روائح الإثم والعار…

إن كان للفن معنى نبيل ومغزى عميق، يرتفع بالإنسان بما يحتويه من جمال الصورة وطهر الفكرة، إلى مراتب من الذوق عالية، ويقدم له ما يجعله إنسانا لا دابة، محمودا لا مذموما، محبوبا لا مكروها، فاعلا لا معطلا، فإنه عند هؤلاء القوم وسيلة للتخدير والتلويث وإحكام السيطرة على الشعوب، لتحقيق مصالح شخصية، ورغبات دنيئة ساقطة، لا مغزى لها ولا رجاء، والتسليم بالواقع كما هو. الفئة المتمكنة السائدة المستبدة تؤمن لأبنائها المجد والمال والحكم، وتدوس بأقدامها مصالح الشعب ومطالبهم الحقيقية المشروعة….

كان بنو أمية قديما قد فطنوا إلى ما قد يعترض حكمهم من معارضات سياسية مشروعة، أو ذات نزعات عصبية أو لأسباب أخرى، فطنوا لذلك فقرروا إنشاء وسيلة لها من القوة والمصداقية والجاذبية ما يجعلها قادرة على تأدية المقصود: صرف الناس عن التفكير في السياسة، وإبعادهم عن الخوض فيها، فكانت نقائض جرير والفرزدق والأخطل أمكن وسيلة لصرف الناس عن ذلك، وأثمرت هذه المحاولة الماكرة تعصبات وانجذابات وتكتلات ومناظرات ومحاكمات وانتصارات لهذا الشاعر أو ذاك، لم تتجاوز حدود الشعر ومعانيه الهجائية. وهكذا نجحت خطة بني أمية آنذاك… وها هي خطة المخزن تسير حذو بني أمية، فالعض والجبر سيان. فما أشبه اليوم بالأمس! والتاريخ يعيد نفسه…

بموازاة مع هذه الحملة المخزنية المنظمة لتفريغ الإنسان من جوهره كإنسان جبل على حب الخير وخصال الفطرة والطهر، وصرفه عن الهدف من وجوده في الحياة وهو عبادة الله تعالى حق العبادة، وعمارة الأرض بما يصلح أمر الناس والخلق أجمعين، تتعرض بيوت الصادقين الصالحين الذاكرين المتبتلين للغزو والاعتداء والترويع والتفتيش والترهيب، وتتأذى طلائع الحق في أرزاقها وأمنها ودينها وكرامتها، في انتهاك سافر غير مسبوق للحقوق الشخصية والمدنية والإنسانية بغير مبرر إلا الاستبداد والظلم… والرغبة في كم الأصوات الحرة الصادقة الجريئة التي لا تخاف في الله نعق ناعق، ولا تهاب في الحق سوط حانق، ولا يوقفها عن تأدية رسالتها حبل شانق…

وييسر حملة التدجين والتضليل هاته ويباركها حماة “الديمقراطية والحداثة” معارضو الأمس، الذين كانوا يرفضون بشدة و”بنظرة تقدمية” تسخير “الفن الخليع” والرياضة في تدجين الشعوب وتخدير العقول بدعوى أنها سياسة بليدة، وهي فعلا كذلك… لكن اليوم وبعد هذا الزواج غير الشرعي بين خصمين مفترقين إيديولوجيا وسياسيا وفكريا، صار لهؤلاء رأي آخر، كما أصبحت لهم رؤى جديدة في السياسة والاقتصاد والاجتماع والأدب والفن، تساند عدو الأمس حبيب اليوم في كل ما يقوم به من أعمال وأفعال واختيارات ومبادرات، وإن كانت على حساب مصالح الشعب المقهور المسحوق، بل وإن جانبت الأعراف الديمقراطية وخالفت مبادئ حقوق الإنسان، -والأمرّ من ذلك- وإن كانت تتعارض مع المنطلقات الفكرية والفلسفية “للديمقراطيين والحداثيين”. إنها والله لمهزلة! ألا يستحيي هؤلاء وأولائك من أنفسهم؟!

واهم من يعتقد أن هذه المهرجانات والتظاهرات تقدم مجانا للجماهير، بل على العكس من ذلك تماما، إنها تنظم من جيوب المواطنين الكادحين المفقرين المجهلين الذين لا يدركون أن نفقات هذه المهرجانات والتظاهرات تستخلص من أرصدة الجماعات المحلية، ومن ميزانية الدولة، أي من أموال الشعب، وليس شيء يستعصي على المخزن إن هو أراد أن ينفق مال الشعب ما دام هذا المخزن مالكا للشعب ولثروات الشعب ولأموال الشعب، ولحقوق الشعب، ولمصير الشعب، ولأنفاس الشعب، للتغطية على ما هو أشد وأنكى: واقع مرير مليء بالتناقضات وبالإخفاقات وبالتجاوزات في شتى المجالات الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية…

فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة يوم القيامة ثم يغلبون…

ومن رأى غير ما يرى المخزن فالعصا موعده، ومن قبل ذلك فالمتعة معبده، ومن اعتزل ذلك فالهلاك مورده، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين…