أبت تربة المدينة المنورة إلا أن تضم الجسد الشريف، وكأنها تعلن لأولي النهى أرباب القلوب غيرتها ووفاءها لمن حملت روحه كل عناوين ومعاني وأصول وفروع الحق والعدل والرحمة والإحسان. اختار الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم جوار ربه تاركا وراءه الدين على كماله، والنعمة على تمامها، والرضى بالإسلام يسكن القلوب. وخلفه الراشدون من أصحابه في أصحابه، وتولوا أمر المسلمين فتمثلوا صفات الرشد وآدابه وخلقه وعلمه وعمله وسمته. وبقيت للمدينة المنورة في عهدهم حرمتها لِمَا ارتشفت واستنارت به مساجدها وبيوتها وجوانبها من عبق طيب النبوة ونوره. وبقي إنسانها، فردا وجماعة، مستنيرا في عقله، عزيزا في دينه، آمنا في نفسه، كريما في نسله، محفوظا في عرضه؛ أحاطت به العافية في دينه ودنياه.

ما زاغت نفوس الأوائل ولا بغت، بل بقي نداء رسول الله صلى الله عليه وسلم حاضرا في البال مغروسا في الأفئدة، نداءه التربوي الذي اختار له أنفس الأوقات وأشرف الأمكنة وضاءة وإشراقا حجة الوداع: “أيها الناس اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا، أيها الناس إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا، وكحرمة شهركم هذا، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وقد بلغت، فمن كان عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، وإن كل ربا موضوع ولكن لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون. قضى الله أنه لا ربا، وإن ربا عباس بن عبد المطلب موضوع كله وأن كل دم كان في الجاهلية موضوع وإن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وكان مسترضعا في بني ليث فقتلته هذيل فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية. أما بعد أيها الناس فإن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدا، ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضي به بما تحقرون من أعمالكم فاحذروه على دينكم أيها الناس إن النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا، يحلونه عاما ويحرمونه عاما، ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله ويحرموا ما أحل الله. إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم ثلاثة متوالية ورجب مضر، الذي بين جمادى وشعبان. أما بعد أيها الناس، فإن لكم على نسائكم حقا، ولهن عليكم حقا، لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه وعليهن أن لا يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرح فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف واستوصوا بالنساء خيرا، فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمات الله فاعقلوا أيها الناس قولي، فإني قد بلغت، وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا، أمرا بينا، كتاب الله وسنة نبيه. أيها الناس اسمعوا قولي واعقلوه تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم وأن المسلمين إخوة فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه فلا تظلمن أنفسكم اللهم هل بلغت (…) قالوا: اللهم نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اشهد”.

واستمرت روح الاقتداء وعزيمة الاهتداء بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الأكابر رضي الله عنهم، رجال الدعوة والدولة الأمناء الأقوياء الرحماء الأتقياء سارية حتى عم فضل الإسلام حيثما وصل سنام أمره الجهاد، وانتشر سلمه، وقام عدله، قيمة مادية معنوية راسخة شامخة، محيطها العام: إِنَّ اللهَ بالنَّاسِِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ . ولبست المدينة المنورة كبرياء رجالها ونسائها وعزتهم وثباتهم ورباطهم وهمتهم.

وجاءَت جنود يزيد بن معاوية الملك السفيه والحاكم الرئيس البئيس الذي انطوت نفسه على أبشع ما يمكن أن تنطوي عليه نفس اصطبغت بالخفة والغفلة وامتلأت بالغدر والخيانة، جاءت جنود البغي والجور والقسوة، جاء المعدن السافل الساقط البخيس الرخيص ليطأ بأقدامه أرضا طاهرة ويغتال بالسيف آلاف الأرواح الزكية النقية التقية ويركز على إهانة أغلى ما تمتلكه الأمة، وأزكى ما تفتخر به، وأعلى ما تصونه: المرأة.

لم تهدأ نفس يزيد الماجن حتى انسلخ من آيات الله بالكامل واغتصب رمزية المدينة واستباحها ثلاثة أيام، نعم ثلاثة أيام ضرب خلالها بجنده الذين لم يكونوا إلا تجليا لسهام فسقه أطيب وأنقى نساء وبنات الدنيا. قتل الرجال فهدم في المدينة ركن القوامة: “الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا”، واستباح النساء فهدم ركن الحافظية: “فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله”. أراد بسيئته استئصال روح الأمة واجتثاث كرامتها والحكم بالإعدام على جيل أبي عزيز. أراد أن يصنع تاريخا جديدا يستند إلى أصول جديدة، أصول الملك العاض كما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومات يزيد، ومات جند يزيد وتركوا أعمالهم أصولا وثوابت لمن أراد أن يبني لآخرته بنيان الخسارة والندامة.

وجاءت سيدي إفني المدينة المغربية ذات التاريخ المجيد العريق في مقاومة الظالمين لتخبرنا أن حفدة يزيد بن معاوية أحياء يرزقون، استوعبوا دروس جدهم التاريخية على التمام، يسودون ويحكمون ويصولون ويبطشون ويحاصرون ولا يرحمون.

كتبت “حنان بكور” لجريدة المساء تصف الفاجعة، ونفوس المستبدين ألفت الفواجع: “بدت “ف” و”خ” الفتاتان اللتان كانتا من ضحايا التدخل الأمني العنيف بسيدي إفني أشبه بمخلفات حرب قاسية، حرب السبت الأسود التي حولت أحلامهما إلى سواد حالك، مثلما حولت جسديهما إلى حقول تجارب لبعض رجال الأمن المتعطشين لعنف قاتل مارسوه بوحشية على فتيات فقيرات، ولا تزال آثاره الجسدية والنفسية موشومة على جسديهما. “لقد حطمونا، لَيْتَهُمْ قتلونا ولم يفعلوا بنا ما فعلوا” تقول “خ” بحنق”.

نسأل: ترى ماذا فعل أبطال وحراس العهد الجديد، عهد الحداثة والديمقراطية والتنمية البشرية حتى تتمنى فتاة حرة القتل على العيش والموت على الحياة؟

تقول “ف”: “عائلتي إن علمت بالأمر ستنهار، ثم إن أشقائي لن يقبلوا سماع ما تعرضت له وستكون ردة فعلهم مزلزلة، وأنا أخشى عليهم من ذلك، لذا لن أذكر المزيد”.

وتزيد الأخرى: “هاجموا بيتنا في الساعة السابعة صباحا، سرقوا ساعة وهاتفا محمولا ومبلغا ماليا كان على الطاولة، ثم جروني من شعري وأخذوني إلى الكوميسارية، وفي الطريق ظلوا يضربونني في مختلف أنحاء جسمي إلى أن كاد يغمى علي”. وتضيف: “في الكوميسارية وجدت نساء أخريات… ضربونا… أجبرونا على خلع ملابسنا” (يا للشماتة !!!) “ضربونا في مختلف أنحاء أجسامنا… كان مشهدا مؤثرا، فعلى الرغم من أنني توسلت إليهم، إلا أن ذلك كان يزيدهم لذة في العبث بجسمي وفي مناطقه الحساسة” وأردفت: “توسلت إلى أحدهم وقلت له إنني لست عاهرة، فرد علي بأنه على استعداد ليعلمني”.

هذه همسات، إشارات، تلميحات، شذرات، عموميات. لولا معتقل تمارة والرصاص، سيف العصر، لَسَمِعْتَ من الأخبار والقصص والروايات والأحاديث ما قد يقنعك أنه فعلا ويقينا نظام شمولي موصول بنظام شمولي سابق. أولئك السابقون أبناء، وهؤلاء بين ظهرانينا حفدة؛ والحفيد قد يكون أبر من الإبن.

ماذا تقول الأحزاب السياسية وجمعيات المجتمع المدني خصوصا تلك التي سمع العالم صياحها وهي تشيد بـ “مدونة الأسرة” التي حققت انجازا تاريخيا لم يسبق له مثيل اعتمد استنباط أحكام فقهية ـ حسب زعمهم ـ تساير العصر ونوازله وتعطي للمرأة المغربية المسلمة مكانة الريادة قياسا مع نساء العالم الإسلامي؟ وماذا يقول أصحاب الفكر المقاصدي وقد تعتمت الرؤية ولم يعد هناك ضرران أو شران لنرجح أخفهما، بل هي أضرار وشرور تلح الأمانة والشهادة على فضح مصدرها وصاحبها وتعبئة الأمة وتربيتها على مقاومتهما مقاومة تغيير لا مقاومة إصلاح وترقيع؟

ألا تُذَكِّرُ سيدي إفني الساكتين عن تاريخ المغرب بهجوم الملك الراحل عن دار الدنيا إلى دار البقاء الحسن الثاني حين حاصر قبيلة بني ورياغل بالحسيمة بسبعة ألوية تحت كل لواء ما بين سبعمائة وألف جندي، دخلت المجموعة الأولى من جهة قبيلة بني عَمّارت ومرت ببني توزين إلى أن استقرت بتمسمان على واجهة البحر، وطلعت الثانية الباقية من بني عمارت إلى بقيوة. وحاصرت جنود الحسن القبيلة ومنعت كل الإمدادات الغذائية والدوائية على قلتها وبساطتها وفعلت في أهل الريف النبلاء الشرفاء ما تحرمه القوانين والأعراف والأخلاق والدين، حتى خرجت إحدى “الريفيات” تصرخ في وجه “الكابو” علال من أولاد تابية: “قولوا للملك الحسن هل تدري ماذا تفعل؟ إنك ترسل أبناءك ليفسدوا بناتك، يا للعار!”.

هذا هو التاريخ، تاريخ الاستبداد والبغي والدم والاغتصاب.

هذه هي الصبغة، صبغة الإذلال والتنكيل والإقصاء والحصار.

وهذه هي الهوية، هوية الأنانية والاستعلاء والقسوة والفردانية.

يقول الله تعالى الودود الحليم: وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ.