تتوخى هذه الدراسة، إن شاء الله، الوقوف على مميزات العمل السياسي عند الإسلاميين، وأوجه الشبه والاختلاف في التعاطي مع العمل السياسي بينهم وبين غيرهم من المدارس الفكرية.

وقبل هذا، ولكي نبني على أساس صلب لأن النتائج تكون محكومة بالمقدمات نرى لزاما علينا التطرق لمفهوم السياسة.

مفهوم السياسة

يعرف لفظ السياسة دلالات عدة، بحيث تكاد كل منظومة فكرية تستقل بتعريف خاص بها، ولعل هذا يرجع بالأساس إلى تطور المفهوم عبر التاريخ، وكذا لاشتقاقاته اللغوية الكثيرة.

ولهذا سنعرض أولا للتطور التاريخي للمفهوم، ثم نتطرق بعد ذلك للمفهوم اللغوي، على أن نختم بالمفهوم الاصطلاحي.

التطور التاريخي لمفهوم السياسة:

عرف مفهوم السياسة دلالات متعددةً اختلفت باختلاف الزمان والمكان، والنمط الحضاري السائد: فاليونانيون: “فهموا السياسة نظاما لسكان الدولة، والدولة هي الدولة/المدينة، فقدم كل منهم تصورا لنموذج التعامل داخلها وطبيعة القيمين على أمورها وعلاقتهم بمواطني الدولة، فكان هاجسهم المواطن وحريته والعدالة”(1). بينما اعتبرها الرومان: “نظاما لمواطني الإمبراطورية التي تجاوزت، بمداها، حدود المدينة اليونانية فانكبوا على تقديم تصور للعلاقة بين مواطني هذه الدولة المترامية الأطراف وتصور للعلاقة بين روما، المدينة والقيادة، وبقية الأصقاع فكانت المساواة والقانون”(2). وتطورت دلالتُها في العصر الوسيط نتيجة سيطرة الإكليروس لتصبح “نظاما للبشر عامة فاختلط الديني بالدنيوي، والسلطة الزمنية المحدودة بالسلطة الروحية غير المحدودة، وكان تصارعُهما محور السياسة”(3). وببروز الحركات المعارضة. “أدخلت العلاقة بين المجتمع والدولة وموقع القوى الفاعلة فيه، من الحزب إلى القوى الضاغطة الأخرى في صلب السياسة”(4). أما في العصر الحاضر؛ وبعد سقوط الإكليروس واندثار التيوقراطية، “انحصر مفهوم السياسة في إطارين: علم حكم الدولة أو فنها، أو الاثنان معا، أو علم السلطة، وإن تشعبت الآراء في حدود الدولة أو السلطة، موضوع السياسة، وفي نوعية العلاقة التي تربط رأس الدولة أو صاحب السلطة بالمواطنين أو المقودين في الجماعة وفي طبيعة المؤسسات التي تنظم العلاقات في الجماعة”(5). وهكذا نستنتج من خلال هذا التصور ما يلي:

1- القاسم المشترك لمختلف التعاريف، اعتبار السياسة مما يتعلق بالشأن العام (الجماعة، المجتمع، الأمة، & ).

2- الاختلاف يقع بالأساس حول ماهية هذه الجماعة وكيفية تنظيمها والعلاقة بين أفرادها ومؤسساتها.

أما عند العرب فالملاحظ أن السياسة لم تكن تستعمل في البداية للدلالة على ما يتعلق بالشأن العام، وهذا ما نستنتجه إذا رجعنا إلى القواميس التي وجدت آنذاك، مثل قاموس الجمهرة لمحمد بن الحسن بن دريد (223 هـ  321 هـ) “السياسة معنى للسوس، وهو معروف يقال فلان من سوْس صدق ومن توْس صدق إذا كان من أصل صدق”(6). وهكذا نجده لم يتطرق للدلالات الأخرى، كما سيفعل اللاحقون مثل ابن منظور، لكن مضمون تعريفها كان موجودا يعبر عنه باصطلاحات أخرى مثل الحكم أو الخلافة أو الإمامة، وبدأ استعمال اللفظة بمعناها الحالي – الدال على الحكم – منذ عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه تقريبا أو قبله بقليل كما روى الطبري رحمه الله في تاريخه، قول أعرابي لعمر:

“ما ساسنا مثلك يا ابن الخطاب *** أبر بالأقصى ولا بالأصحاب

بعد النبي صاحب الكتاب”(7)

على أن شيوع الاستعمال بدأ مع خطبة زياد بن أبيه عندما ولاه معاوية على البصرة حيث قال: “أيها الناس، إنا أصبحنا لكم ساسة وعنكم ذادة سنسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا & فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا، ولكم علينا العدل فيما ولينا & فادعوا الله بالصلاح لأئمتكم فإنهم ساستكم المؤيدون لكم”(8). ومع ذلك بقي استعماله إلى جانب الألفاظ الأخرى التي أوردناها سلفا، والملاحظ كذلك أن القواميس اللغوية بدأت تعطي للفظ دلالات الحكم والسلطة.

المفهوم اللغوي: جاء عند ابن منظور في مادة السوس أنها بمعنى: “الرياسة، يقال ساسوهم سوْسا، وإذا رأسوه قيل: سوسوه وأساسوه. وساس الأمر سياسة: قام به (& ). والسياسة: القيام على الشيء بما يصلحه. والسياسة فعل السائس. يقال هو يسوس الدواب إذا قام عليها وراضها، والوالي يسوس رعيته (& ) سوَّس له أمرا أي روضه وذلَّلَه (& ) والسوس: الأصل والطبع والخلق والسجية”(9). وجاء كذلك عند الزبيدي في تاج العروس: “السوس معناه الطبيعة والخلق والسجية، وسست الرعية سياسة: أمرتها ونهيتها، وساس الأمر سياسة قام به، والسياسة القيام على الشيء بما يصلحه، والسوس الرياسة، ويعتبر من المجاز سُوّس فلان أمر الناس إذا صُيِّر ملكا أو ملك أمرهم”.(10)

وفي القاموس المحيط يقول الفيروز آبادي: “وسست الرعية سياسة: أمرتها ونهيتها وفلان مجرب قد ساس وسيس عليه: أدَّب وأُدِّب”.(11)

وجاء كذلك عند صاحب الفروق اللغوية “جذر “السياسة” في فقه اللغة العربية يشير إلى النظر الدقيق من أمور السوس – تلك الحشرة الصغيرة المعروفة – أي أنها تعني التدبر في الأمور مهما كانت صغيرة أو دقيقة أو غير ظاهرة، والتدبر يعني النظر في عواقب الأمور وسوقها إلى ما تصلح به عواقبها، لهذا قيل للتدبر المستمر السياسة”.(12)

إن إيرادنا لكثرة الدلالات من مختلف معاجم اللغة ليس من باب الترف أو الحشو، ولكن لنقف مستنتجين كل ما يمكن أن تدل عليه هذه اللفظة، ولنستنتج، في الأخير، أن السياسة تعني:

1- الرئاسة والحكم، وهذا يكون إذا ملك شخص أو مؤسسة أمر آخرين.

2- السعي إلى الإصلاح عبر مهمتي الأمر والنهي لإرجاع الأمور إلى أصلها وطبعها.

3- التدبر في عاقبة الأمور صغيرها وكبيرها، دقها وجلها، ظاهرها وباطنها. وهذا يعني الحكمة.

المفهوم الاصطلاحي: هذا التطور التاريخي للمفهوم، وكذا دلالاته اللغوية، كان لهما تأثير كبير على المدلول الاصطلاحي، وهذا ما يتضح عند الرجوع للمعاجم السياسية، والكتب المعنية بعلم السياسة أو تاريخ الفكر السياسي، فقد عرفها معجم ليتر سنة 1870 بقوله: “السياسة علم حكم الدول”. وعرفها معجم روبير عام 1962 “السياسة فن حكم المجتمعات الإنسانية”(13). وهذا ما حدا بدوفرجيه إلى القول: “ولا يزال الأخصائيون يتجادلون في هذا فبعضهم ما يزال يرى أن السياسة هي علم الدولة من حيث إن الدولة هي السلطة المنظمة في الجماعة القومية”(14). تعريف آخر يختزل السياسة في “عملية ومنهج جمع وتدبير الدعم للأحداث العامة أو الشائعة: عملية صنع القرار للجماعات. والمختصون باتخاذ هذه القرارات يدعون السياسيين. أما العلوم السياسية فهي الحقل المخصص لدراسة السلوك السياسي وفحص متطلبات وطرق ممارسة النفوذ، أو القدرة على فرض رغبة شخص على آخر أو على الآخرين. المختصون بهذا الحقل يدعون علماء السياسة أو خبراء العلوم السياسية. يقوم علماء العلوم السياسية بتفحص العمليات الانتخابية، الرأي العام، الفعاليات والنشاطات الاجتماعية، فعاليات الجامعات (إضافة إلى الأهمية النسبية لمختلف موارد القوة والنفوذ.)، كما يدرسون الإيديولوجيات التي يعمل وفقها السياسيون والأحزاب والجماعات السياسية في المجتمع، ليحددوا كيف يصل السياسي ويحصل على النفوذ والسلطة”.

كيف نجمع، إذاً، كل هذه المادة؟ هل نستطيع التوصل إلى تعريف شامل؟

إن وقوفنا على هذه الدلالات يجعلنا نستنتج أن الاختلاف في التعريف ناتج عن اختلاف زاوية النظر، ولهذا نميز بين اتجاهين:

1- الاتجاه الأول ربط مفهوم السياسة والعمل السياسي بمفهوم الدولة.

2- الاتجاه الثاني ربط مفهوم السياسة والعمل السياسي بممارسة السلطة، ولو دون الوصول إلى تدبير شأن الدولة، ولكن من خلال الضغط والسعي إلى تحويل مجموعة من القِيَم إلى قيم أخرى. لكن القاسم المشترك بين الاتجاهين هو السعي إلى التأثير في الماسكين بمقاليد الأمور، كما عبر عن ذلك ملحم قربان: “إدراك الواقع السياسي بغية تعديله إلى الأفضل”.(15)

لهذا لا يمكن تصور عمل سياسي دون تصور سعي للوصول إلى السلطة، أو رغبة في الإبقاء عليها، أو التأثير فيها تعديلا، أو إغناءً، وهذا ما يقوله دوفرجيه: “وراء جميع المذاهب التقييمية وجميع الأحكام الخاصة، نجد موقفين أساسيين على وجه العموم، فالناس منذ أن فكروا في السياسة يتأرجحون بين تأويلين متعارضين، تعارضا تاما، فبعضهم يرى أن السياسة صراع وكفاح، فالسلطة تتيح للأفراد والفئات التي تملكها، أن تؤمن سيطرتها على المجتمع، وأن تستفيد من هذه السيطرة. وبعضهم يرى أن السياسة جهد يُبذَل في سبيل إقرار الأمن والعدالة، فالسلطة تؤمن المصلحة والخير المشترك، وتحميها من ضغط المطامع الخاصة. الأولون يرون أن وظيفة السياسة هي الإبقاء على امتيازات تتمتع بها أقلية، وتحرم منها الأكثرية، والآخرون يرون أن السياسة وسيلةٌ لتحقيق تكامل جميع الأفراد في الجماعة، و””خلق المدينة العادلة” التي سبق أن تحدث عنها أرسطو”.(16)

فهي تشمل إذاً مرحلتين: مرحلة ما قبل الحكم، ويكون موضوعها الصراع للوصول إلى السلطة، ومرحلة ما بعد الحكم، وتعنى بفن إدارة الحكم والإبقاء على السلطة، ولا تكاد كل المنظومات الفكرية والإيديولوجية تخرج عن هذه الدلالات وإن اختلفت في صيغ التعبير، ووسائل العمل، وطريق الوصول.

في حلقة قادمة نتناول مفهوم العمل السياسي عند الإسلاميين، أو مفهوم العمل السياسي الإسلامي.

———————————————-

هوامش:

(1)(2)(3)(4)(5): انظر “جورج سابين”، تطور الفكر السياسي، ترجمة حسن جلال العمروسي، دار المعارف – مصر – طبعة 1954 بتصرف، وكذلك فرانسوا شاتلييه، تاريخ الأفكار السياسية، ترجمة خليل أحمد خليل، معهد الإنماء العربي، ط 1، 1984 بتصرف.

(6) محمد بن الحسن بن دريد: الجمهرة، حيدر آباد، 1344 هـ، ج 3 ص 198.

(7) أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: تاريخ الرسل والملوك، دار المعارف بمصر، 4/220.

(8) ن. م: 5/220.

(9) ابن منظور: لسان العرب، طبعة دار صادر، 4/108.

(10) الزبيدي: تاج العروس، تحقيق محمود محمد الطفاحي، مطبعة حكومة الكويت 1976، باب السين، فصل السين.

(11) الفيروز آبادي: محمد بن يعقوب، القاموس المحيط، ط 2، بيروت 1987، ص 710.

(12) أبو هلال العسكري: الفروق اللغوية، تحقيق حسام الدين القدسي، دار الكتب العلمية، بيروت 1981، ص 15.

(13) موريس دوفرجيه: مدخل إلى علم السياسة، ترجمة سامي الدروني وجمال الأتاسي، ط دمشق ص 7.

(14) ن. م: ص 7.

(15) ملحم قربان: المذهبية السياسية ص 39، نقلا عن مجلة المنطلق عدد 64، شعبان 1410، ص 14.

(16) موريس دوفرجيه: مرجع سابق & ص 11.