3   +   9   =  

لم يكن يتصور الإفناويون أن تعامِلهم الدولة بهذا الوجه البشع، فقد صدقوا أن الوطن غفور رحيم وأن العهد الجديد لا يستعمل الحديد ، و لم نكن نعلم مدى قسوة وسواد قلوب العساكر الذين ندفع لهم ثمن الرصاصة والغطاء ولو على حساب خبزنا اليومي والدواء، ليروعونا بهذه الجعجعة الجوفاء ويرهبوا العجائز و الصغار والنساء..

الأطفال في مدينة سيدي افني أصبحوا يعرفون شكل الحقد و لونه وحجم منكبيه فقد حملقت أعينهم كثيرا في الخوذات والمدرعات والمُسَدسّ المدلّى من حزام الخصر حتى مدرستهم “الحلوة” أشاحت بوجهها بعد أن تحولت إلى ثكنات لهؤلاء الغرباء فعادوا بمحافظهم المثقلة بكراريسهم وخبزهم البارد الحافي.

الطيور لم تعد تحلق في المدينة فقد أطت السماء وحق لها أن تــئــط ..

يقول أحد الافناويين لقد رمونا في الجب، وعبر شاشات التلفاز جاءوا بقميصنا و عليه دم كذب ،يا أبتي أكل ذنبنا أننا رأينا احد عشر لصا و قرصانا وزنيما فاشتعل رأسنا شيبا وهما وحزنا وقلنا لا.

قالت سيدة عجوز سوف ينصرفون إذا البرد حل وربما قد تتعبهم مرارة النظرات فنظرة المظلوم ليس بينها و بين القلب حجاب أما دعواتنا فالله حسبنا ونعم الوكيل

قال لي رجل وهو يحافظ على ما تبقى من رباطة الجأش: لقد سرقوا ذهب زوجتي سرقوا ثمن الكراء كيف سأنظر في عيني امرأتي وهي تعرف أني لا أستطيع حمايتها؟

يقول أحد أصدقائي ساخرا: لقد اختبأت أسفل السرير فأطفأت جهاز المحمول فلعل رنة صديق يسأل عن حالي تنبههم لمكاني ولكنهم حين ساقوا أخي الصغير لم احتمل فصرخت في وجوههم علني انقد الطفولة لكنهم اقتادونا كالكلاب..

أغلب المنتفضين أمام وحشية الطوفان صعدوا إلى جبل بولاعلام ليعصمهم من النار ولا يزالون في كل واد يهيمون

يبحثون عن نصف حلم تقاسموه خلسة ذات ليلة والآن، ماذا ستفعل وأنت مطارد وحيد غريب ؟ من يمنح الغرباءَ دفئاً في الصقيع؟ يرد أصغرهم سنا إن هذه المدينة لم تكن لـ” تصعّر” خدها للناس فلا يغرنك تقلبهم في البلاد “إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب”.

تقول المدينة إني أراني أحمل فوق رأسي حــزناً تأكل الطير منه خبروني إن كنتم للرؤيا تعبرون.

يجيبها حكيمنا ابن خلدون “الفصل الثالث والأربعون في أن الظلم مؤذن بخراب العمران، ويثني الإمام الذهبي: “الظلم يكون بأكل أموال الناس وأخذها ظلمـًا، وظلم الناس بالضرب والشتم والتعدي والاستطالة على الضعفاء

“..

أيها الظالم أما سمعت قول الله عز وجل: “وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون”.