عديدة هي الشعارات والعبارات التي تتلى في المحافل والندوات والملتقيات والمؤتمرات الرسمية التي تنظمها السلطات المغربية لتزيين وجه المغرب في الداخل والخارج، وتلميعه وتجميله أمام أعين المراقبين والنقاد والمهتمين بشؤون هذا البلد العزيز.

فمن شعار ” العهد الجديد ” الذي أطرب الآذان حينا من الدهر بأسطواناته التي ملّ من سماعها الكبير والصغير على حد سواء، إلى شعار “المفهوم الجديد للسلطة” الذي خول كل السلطات القديمة والجديدة للعصي المنجورة وغير المنجورة، إلى شعار “المبادرة الوطنية للتنمية البشرية” التي تعرف معنا فيها العالم على سكان المراحيض، إلى شعار “مقومات المواطنة” الذي محا عن المواطن صبغة المواطنة ما لم يشارك في مسرحية هابطة اسمها الانتخابات التشريعية، إلى شعار “محاربة اقتصاد الريع” وتخليق الحياة السياسية والاجتماعية، وغير ذلك من الشعارات الغليظة العريضة الفضفاضة كثير لا يعد ولا يحصى…

ويبقى أعظم وأبرز وأثقل شعار يرفع في دولتنا منذ اعتلاء “ملك الفقراء” ــ وهو شعار آخر من شعارات السلطة ــ لعرش أسلافه هو شعار القطيعة مع الماضي وخلق حاضر لا يمت إليه بصلة ولا يرجع إليه في سياسة أو استنباط أو تشبيه أو محاكاة، وهو شعار ظل حماة العهد الجديد يرددونه على مسامعنا صباح مساء ويحاولون بما أوتوا من نوادر الكلم وحرف الإبداع وفنون التواصل إدخاله إلى أعماق أعماقنا بالرضى تارة وبالجبر والقوة تارة أخرى في محاولة منهم لإقناعنا بأن عهد العصا والزرواطة وتازمامارت ودرب مولاي الشريف& وليالي الاختطاف والكي بالنيران وهتك الأعراض، وهلم جرا، من أدوات التعذيب اللاإنسانية، قد ولى بدون رجعة وانصرف إلى خانات النسيان وحيز الأفول.

لكن نظرة واحدة إلى الواقع بعين المقارنة بين الحاضر والماضي توحي بأن دار لقمان لا تزال على حالها، فلا شيء يذكر غير القمع والردع والاختطاف والاغتصاب والسرقة والعبث بكل ما هو داخل ومصنف ضمن مصلحة الشعب، هذا الشعب الذي أعاد للحاضر ثورات الماضي في صور أشد وأبلغ مما كانت عليه، وفي تحركات وخرجات عفوية سلمية تؤطرها لقمة الخبز وتؤججها نيران الغلاء في كل شيء، وتحركها الحاجة لكل ما يلزم لمقومات حياة إنسانية تليق به كشعب ينتمي إلى طينة البشر.

ولعل الأحداث الأخيرة بـ ” سيدي إيفني ” وما رافقها من ديموقراطية مكشوفة للعيان وقانون مطبق على وجه التمام والكمال، تكشف لكل من ألقى السمع وهو شهيد مصداقية القطيعة مع سنوات الرصاص، هذه القطيعة ستستدعي حتما من رجال الحسن الثالث في المستقبل إنشاء هيأة جديدة تقوم مقام لجنة الإنصاف والمصالحة التي خلقت لإصلاح ما أفسده جلادو وعطارو الحسن الثاني وإنصاف ضحايا عهده البائد، الأمر الذي يعني أن ميزانية هذه الدولة ستظل حبيسة الإنفاق على ضحايا سياسة الكيل بمكيالين ورد الصاع صاعين.

إن ما وقع في سيدي إيفني بيّن بالواضح الملموس أن عهد “أوفقير” و”الدليمي” و”البصري” حيّ فينا وإن مات أصحابه وصانعوه، وأن جدران “دار سيدي التهامي” ما زالت تتربع على عروش من دم مسفوك وجماجم لمظلومين فقدت هويتهم مع فقدانهم للخوف من مغبة الخروج إلى الشوارع والتظاهر بطريقة سلمية حضارية على تهميش ما كان ليطالهم وسكان قريتهم أو مدينتهم لولا سوء التدبير الذي صار عندنا أصلا في كل المجالات.

إن شعار القطيعة مع العهد الماضي شعار جميل رنان كنا سنصدقه وندعمه وندافع عنه ونسير صفا واحدا خلفه ونغض الطرف عن بعض الصعوبات والعراقيل التي قد تحول دون تحقيقه على أرض الواقع لولا أن مبتكريه وحامليه والمصفقين له والمفتخرين به اعتمدوا في قطيعتهم التاريخيه على الأشكال والأشخاص فقط دون أن يقطعوا حبل المودة بينهم وبين العقلية المخزنية التي تحكمت في ظلال ومسيرة ذلك العهد. وبعبارة أخرى إنه إذا أردنا بناء مستقبل مشرق ينأى بنا عن منازل ومراتب الدرك الأسفل في كل القطاعات والمجالات فإنه يلزمنا طي صفحة الحاضر المكتوبة بمداد دموي يخط السطور بعقلية قديمة تنظر إلى الشعب نظرة دونية وترى في العنف والقمع وقاية من كل الأزمات وعلاجا لكل الآفات.

هذا الطي المطلوب اليوم قبل الغد يقتضي عزيمة قوية وإرادة صلبة وجرأة تغيرية تقوم على مبدإ التشاور بين الفضلاء والشرفاء حول مصلحة الوطن، وتحقن نفسها بحقن العدالة والمساواة والحرية والإنصاف ورد الحقوق لأهلها، ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وتسييس الناس بالحلم والرفق واللين والحوار الهادف والمجادلة الحسنة وغير ذلك مما هو متفق عليه في أسس الديموقراطية ومنظومة الحقوق الإنسانية.

أما اعتماد سياسة النسخ واللصق بين عهدين، وطي صفحة الماضي بفتح صفحات جديدة أنكى وأمر، ومعالجة مشكلة بخلق مشكلات، وحل أزمة بالبحث عن أزمات أخرى، فلن ينتج لنا إلا أحداثا ووقائع تكون فيها “سيدي إيفني” مجرد نقطة ماء في بحر هائج.

…. ولحماة العهدين واسع النظر…