المؤمنون المحسنون أهل بشرى دنيا وأخرى   المؤمنون أهل بشرى، يؤمنون بالبشائر، ويعتدُّون بها ويصدقونها، وهم لا يعرفون اليأس لأنهم يرونه كفرا، قال الله سبحانه: {إنه لا ييأس من رَوْح الله إلا القوم الكافرون}12، ولا يقنطون لأنهم يرون القنوط ضلالا، ويعدونه من مظاهر فقدان الثقة بالله، قال الله عز وجل: {ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون}13، ولا يتحفظون من الحديث عن الغيب، ولا يحجمون عن بث ونشر ما بُشِّروا به، ولا يشعرون بالحرج عند ذِكر أمور الغيب الشرعية أمام الماديين ودعاة العقلانية الجاحدة للغيب، وإنما يثقون بوعود ربهم، ويستبشرون بمستقبل دينهم، ويتوقون إلى فضل الله ورحمته ونصره وعطائه المعروض للمؤمنين، ويعملون من الصالحات ما يجعلهم أهلا لذلك، وينتظرون أمامَهم الوعود الصادقة ويفرحون بها، وفي ضمائرهم تتألق أنوار البشرى بالنصر هنا والفوز هناك، نصْره المرجوّ في الدنيا إحدى الحسنيين، والفوز في الدار الآخرة أملهم الكبير في الله الملك الوهاب، وهم يتفاءلون دائما وفي كل حال، مهما اشتدت الكروب، واشتعلت ضدهم نار الحروب، وضاقت الأحوال وكثرت الخطوب، وتعقدت الأمور، ففي الدنيا {يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان، وجنات لهم فيها نعيم مقيم، خالدين فيها أبدا}14 مقابل إيمانهم وجهادهم بأموالهم وأنفسهم، وعند الاحتضار تأتيهم ملائكة الرحمة تبشرهم بحسن الخاتمة وبالجنة، ويتولونهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، قال الله عز وجل عن المستحقين للتبشير بالخير: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا، وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون، نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم، ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم}15، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، قالت عائشة: إنا لنكره الموت، قال: ليس ذاك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته فليس شيء أحب إليه مما أمامه، فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حضر بشر بعذاب الله وعقوبته فليس شيء أكره إليه مما أمامه، فكره لقاء الله وكره الله لقاءه” رواه البخاري.

   ويوم القيامة تكون وجوههم {مسفرة ضاحكة مستبشرة} تعلوها فرحة غامرة، وحبور لا يزول، ويقال لهم {بشراكم اليوم جناتٌ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، ذلك هو الفوز العظيم}16، فيفوزون وينالون أعظم الدرجات عند الله.

   وأما أهل الكفر والجحود والتكذيب في الدنيا فلا بشرى لهم في الآخرة بل لهم الخزي والعذاب والنكال.

   والمؤمن مأمور أن يكون متفائلا لا متشائما، فرحا مستبشرا لا يائسا، قال الله تبارك وتعالى: {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا، هو خير مما يجمعون}17، لأن التشاؤم مرض قلبي نفسي، يؤثر على سير وسلوك العبد إلى ربه، والله عز وجل لا يرضى لعباده المؤمنين ما يشغلهم عنه ويبعدهم منه.

المبشرات بعد ذهاب النبوة   إذا كان النبي البشير النذير صلى الله عليه وسلم قد ذهب عنا، فلقد بقي شرعه الحنيف مبشرا ومُنْهضا ومحفزا، وإن من إكرام الله بمتأخري هذه الأمة المباركة أن أبقى لهم بقية من أنوار النبوة يستضيئون بها ويسلكون على ضوئها ويسيرون على نهجها، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الرسالة والنبوة قد انقطعت، فلا رسول بعدي ولا نبي”، قال: فشق ذلك على الناس، فقال: “لكن المبشرات” قالوا: يا رسول الله! وما المبشرات؟ قال: “رؤيا المسلم، وهي جزء من أجزاء النبوة”18، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لم يبق بعدي من النبوة إلا المبشرات” قالوا: “وما المبشرات؟” قال: “الرؤيا الصالحة” 19.

   وكان الصحابة رضي الله عنهم يتحاكَون الرؤى الصالحة ويحتفلون بها، ويتطلعون إلى ما تحمله من بشائر، كيف لا وقد رباهم الرسول على ذلك.

   فـ”لقد ذخر الله رب العزة للاحقين من هذه الأمة ذُخْرَ الرؤيا الصادقة لتكون لهم مذكرة حاضرة ليرجعوا عن إسلام الفكر والثقافة إلى الإسلام الكامل الشامل الذي يكون الإيمان بالغيب والتعامل مع الغيب بميزان الشرع ركنه الركين، روى الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب”. قال بعض الشراح: اقتراب الزمان هو استواء الليل والنهار في الربيع والخريف، وهذا ليس بشيء، وإنما المقصود تقوية المتأخرين من هذه الأمة بالتأييدات الغيبية مثل الرؤيا الصادقة”20.

   قال الله تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم}21، لقد أخبر تعالى في هذه الآيات بمن يستحق أن يكون من أولياء الله، فمن كان مؤمنا تقيا كان لله وليا، وبشرهم الله تعالى أنه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، أي فيما يستقبلونه من أهوال الآخرة، وأخبر تعالى أن لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

   وعن أبي الدرداء قال: سألت رسول الله عن هذه الآية {لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة} فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له”22.

   “الرؤيا الصالحة للرجل الصالح يراها أو يراها له صادق، حادثة في غاية الأهمية والدّلالة على واقع الإيمان في قلبه، وموهوب الهداية الربانية له، وعاجل البشرى بالفلاح والنجاح والزُّلْفى عند الله تعالى وتقدس”23.

   الرؤيا الصالحة إلهام من الله للعبد الصالح، تشجعه على سلوك الطريق إلى الله، وتبشره بالقرب من ربه عز وجل، وتريه وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتُسمعه منه ومن عباد الله الصالحين إشارات الفوز، وتمثل له النجاة من العذاب والانضواء تحت لواء الأخيار الأبرار.

   والرؤى الصالحة مبشرات تسر ولا تغر وتنفع ولا تضر، تبشر وتنشط ولا تثبط، وتشجع فينا خصال الإيمان، وتحفزنا للعمل والتشمير للجهاد وترفع هممنا لطلب المعالي، وتثبت قلوبنا على الإيمان وتقوي عزائمنا.

   والصادقون لا يؤخذون منها أحكاما فقهية ولا تشريعا جديدا، ولا يعطلون بها حكما معروفا من أحكام الشريعة.

   إن أمتنا تعيش حالة من اليأس والقنوط، لذلك كان من الضروري التذكير بهذه المبشرات لطرد اليأس وإعادة الأمل إلى قلوب أبناء هذه الأمة المباركة المنصورة إلى قيام الساعة، لأن في الأجواء القاتمة من تاريخ الأمة تحتاج إلى وميض من نور وبشارة أمل تبشر بمستقبل مشرق، وهذا هو منهج القرآن، فحين كان يعاني رسول الله قلةَ العدد وضعف الشأن وخذلان العشيرة، كان الله عز وجل يقص على رسوله قصص السابقين في جوِّ مكة الكئيب ليُبشَّر رسوله بمستقبله العظيم المشرق الزاهر، كل ذلك ليثبته ويبشره ويسليه. قال الله عز وجل لرسوله {وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك}.

   وإن من أسباب النصر زرع الأمل بالتبشير بالحق، والاستنادُ إلى الله في ارتقابِ مستقبَلٍ أفضل مهما أظلَمَت الآفاق في مرأَى العين، كي لا يتسرب اليأس إلى النفوس.

———————

12 – سورة يوسف الآية 87.

13 – سورة الحجر الآية 56.

14 – سورة التوبة الآية 21.

15 – سورة فصلت الآيات 30  32.

16 – سورة الحديد الآية 12.

17 – سورة يونس الآية 58.

18 – أخرجه الترمذي بإسناد صحيح.

19 – رواه البخاري وغيره.

20 – الإحسان، عبد السلام ياسين (2: 38).

21 – سورة يونس الآية 62.

22 – رواه أحمد والترمذي وصححه الحاكم وغيره.

23 – الإحسان، عبد السلام ياسين (2. 35).