المسألة الثانية: بناء القوة المجتمعية

1- معنى القوة المجتمعية

في الحلقة السابقة تمت الإشارة إلى أن استيعاب الاستراتيجية السياسية في مدرسة العدل والإحسان ينبني على استيعاب مسألتين أساسيتين:

الأولى: الموقع الموقف، أي الموقع الذي تخاطب وتعالج من خلاله الجماعة الواقع المغربي في كل أبعاده، إذ الموقف صادر من صلب الموقع التصوري والحركي الذي تشتغل عبره الجماعة في عملية تغيير الواقع في اتجاه كامل الحرية والقوة والاستقلال.

الثانية: بناء القوة المجتمعية، التي ينبغي أن تسهر وترعى وتحتضن عملية التغيير في كل تفاصيلها ومراحل إنجازها.

فالقوة المجتمعية المطلوب بناؤها أداة تنفيذ المشروع المجتمعي وإنجاز كل مراحله وتحقيق كل مقاصده وأهدافه.

فإذا كانت الاستراتيجية السياسية في مدرسة العدل والإحسان، كما سلفت الإشارة في الحلقة السابقة، تتأسس على معاني القومة بما هي نهضة عامة الشعب تجاه تقويض كل أركان الباطل في عملية تاريخية كبرى وبناء واقع الحرية والقوة والاستقلال، فإن الوعي والعلم بهذه العملية منجمع مضمونا وتدقيقا في كنف القوة المجتمعية الساهرة على خياراته وإنجازه والراعية له والمحتضنة لمضامينه.

والقوة المجتمعية بما هي الوسيلة البشرية المجتمعية والهيكلية والتنظيمية الكبرى في هذا الإنجاز فإنها لن تكون كذلك ما لم تكن متوفرة على كل عناصر هدم الباطل وبناء الحق وفق وعي استراتيجي وعلم مستقبلي متئد ومتدرج ومنضبط لكل معاني القيام والنهوض المنبه إليها سابقا؛ وأهمها الرصيد المعنوي الأخلاقي السامي والكفاءة العلمية والتصورية والمنهجية والعملية والنجاعة في البناء الجماعي الممتد في الزمان وفق سيادة المعاني السامية والوعي الأسمى.

ربما يعتقد البعض أن هذا الكلام النظري لا ينسجم وطبيعة الواقع المعيش الذي يعاني منه الشعب المغربي، خاصة وأنه قد سبقت حركات يسارية وغير يسارية في الإطناب في الجانب النظري وما نراه هو انحسارها الكلي اليوم، وربما تلاشى جلها إلى حد العجز الشامل في إعادة جمع الشمل.

والجواب يرجع إلى مسألة بالغة الأهمية حيث أغفلها جل المنظرين للحركات والأحزاب اليسارية، إذ يتعلق الأمر بالتعارض الحاد بين مرجعيتين؛ مرجعية الشعب المغربي ومرجعية اليسار بكل ألوانها.

إن التعامل الغامض والمقصود من جهة اليسار وما تفرع عنه من فعاليات وتصورات عبر أكثر من خمسة عقود تجاه مرجعية الشعب المغربي الإسلامية، والتي لا يمكن مقارنتها بمرجعيات ذات خصوصيات دينية أخرى كالنصرانية واليهودية والبوذية والزرادشتية والكنفوشيستية وغيرها من الديانات، جعلته يسقط في نفق مزدوج.

من جهة أولى احتلال المرجعية الإسلامية لكل تفاصيل الحياة والهموم التي يمكن أن تشغل الإنسان المغربي الذي اختار هذه المرجعية طوعا لا كرها، وهو ما لم يسمح بأي مستوى من الاختراق لها من طرف كل فئات اليسار، ومن جهة ثانية قوة ونموذجية استبداد النظام السياسي الذي نجح بشكل واع وسلس في المزاوجة بين إسلام تاريخي مزور ممتد في السياسة العامة من خلال معنى رمزي له دلالته العملية والسلوكية في الحياة السياسية والمجتمعية والنفسية والفكرية لدى المغاربة عبر قرون، وبين التجربة الغربية بحيث تبنى خيار الديموقراطية على طريقة مزورة تلاحمت مع دهاء سياسي، خاصة زمن الحسن الثاني، وإسلام موروث وكسول ومنحرف ومموه به ليدفع بالحياة السياسية والاجتماعية والمجتمعية إلى أبعد درجات التعقد والاستسلام، وهو ما لم يترك مجالا لأي اختراق للواقع السياسي والاجتماعي والمجتمعي والفكري وحتى التربوي لأية مرجعية تصورية معارضة بحيث مع مرور الزمن تتحول هذه المرجعيات التصورية إلى لون من ألوان بنية النظام السياسي في المغرب.

ومن ثمة فإن قيمة النهضة العامة والقيام الجماعي ضد الظلم وهدم أركانه وفق القواعد المشار إليها أعلاه لن تكون إلا كلاما نظريا ما لم تشكل صلب عملية تجديد كبرى تعيد العلاقة القوية والواعية بين الأمة ومرجعيتها التي صنعت بها التاريخ، لتصنع من خلالها تاريخا جديدا يشيع معاني الحرية والعدل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والمالي والعلائقي على كل الناس.

إن هناك مفارقة حقيقية بين قيام نهضة على قاعدة مرجعية اختارتها الأمة طوعا لا كرها وقدمت كل البراهين على هذا الاختيار وبين الاشتغال على مرجعية لم تكن في أية لحظة من التاريخ معيار وجودها، ولم تظهر أية مؤشرات على أية إمكانية تدل على أن الأمة غيرت اقتناعها، لأن الانتقال من مرجعية إلى مرجعية أخرى عملية تاريخية طويلة الأمد ولا تقبل أي ادعاء مزور أو مغالط.

2- أهم خصائص القوة المجتمعية

أ- وحدة المرجعية الجامعة ووضوحها

نخلص من كل هذا إلى أن أهم خاصية ترعى بناء القوة المجتمعية وهي وحدة المرجعية الكبرى الجامعة، ولن تكون إلا مرجعية اختارها الشعب طوعا لا كرها وتبناها ودافع عنها وصارت هي ماهية وجوده وحقيقة كينونته، وأن أي تغيير يمس هذه المرجعية لن يحدث إلا عبر تحول تاريخي كبير وجوهري وطويل الأمد بحيث تتحول ماهية حركة الأمة من مرجعية أولى إلى ثانية دون عنف أو إكراه أو تزوير أو مناورات، بل عبر اقتناع كامل وواع وإرادي، وهو ما لم يفلح فيه الاستعمار عبر كل الوسائل التي استعمل فكيف بغيره ممن يشتغلون على غموض كبير في الفكر والسياسة وارتباك شديد وحيرة حادة في الحركة.

إن العمل على عدم وضوح المرجعية الجامعة، والعمل على التشويش عليها والحرص على دوام غموضها وارتباكها، أو الحرص على فرض مرجعية بالعنف المادي أو الرمزي من أهم وسائل دمار المجتمعات وضعفها، إذ يكون كل ذلك مصدر القلق والاضطراب والصراع المقيت وتدخل الأجنبي من باب واسع للانقضاض على خيرات البلاد بشرا وأرضا؛ جوا وبرا وبحرا…

ومن تبعات الوضوح المرجعي والوعي بقيمته في الاستقرار المجتمعي والسياسي أن يكون الإطار العام ومصدر القيم الكبرى لرعاية العلاقات الفردية والجماعية داخل المجتمع في كل المجالات والأبعاد ومعيار تقييم وتقويم هذه العلاقات.

ب- وجود القوة المجتمعية التي تشكل صلب حركة المجتمع

حين تكون المرجعية واضحة من حيث المضمون والرعاية يساعد ذلك على بناء القوة المجتمعية البشرية والمادية التي تشكل قطب رحى الحركة وعليها تتفرع باقي أدوات الاشتغال ووسائله.

ومن المعلوم أنه حينما تتلاشى قوة المجتمع ويُضرب في مرجعيته قد يحتاج إلى عمل تاريخي كبير من خلال الوعي بمراحل إعادة البناء حتى ترجع الأمور إلى نصابها فيأخذ المجتمع بزمام المبادرة من جديد ويقطع الطريق على المفسدين والمتلاعبين به وبخيراته وثرواته، ومن ثمة بقيمه ومستقبله، بعد تقويض وجودهم إلى حد زوالهم من كل موقع يخولهم التحكم في السلطة والثروة وطردهم إلى الهوامش في حالة إصرارهم على الهيمنة على المواقع والوسائل، وهو طرد لا ينبغي على الإطلاق أن يحكم بعقلية العنف والحقد والانتقام، بل عمل تحرري ضروري قوي وحكيم وصارم.

إن القوة المجتمعية بهذا المعنى تطلب في البداية تضحيات ممن آمنوا بأن هذا البناء هو الخيار الوحيد، إذ في بداية مشوارهم قد لا يجدون آذانا صاغية بحيث يكون الواقع السياسي والاجتماعي والتعبوي والفكري والنفسي غير مؤهل لأن يستوعب الاقتراح والخيار، وإن أدرك قيمته فإنه يكون عاجزا تماما عن التجاوب معه.

ومن هنا تظهر قيمة ما تقترح جماعة العدل والإحسان حول فكرة الميثاق بما هو روح جماعية وعقد فكري اجتماعي سياسي أخلاقي ينظم كل تفاصيل الحياة.

– على المستوى المرجعي

– على المستوى السياسي

– على المستوى الاجتماعي

– على المستوى الاقتصادي والمالي

– على المستوى التعليمي والتربوي

وغير ذلك من المحاور والمفاصل الكبرى للمجتمع وحركته وتنظيمه.

إن الميثاق ليس موقفا سياسيا عابرا سجين اللحظة المعيشة، أي هو ليس وليد المعطيات الواقعية اللحظية فقط بحيث زوالها يعني زوال الموقف، بل هو وعي بها وبحقائق المستقبل، ومن ثمة فهو حركة في تاريخ المغرب السياسي الحديث ممتدة في مستقبله العريض.

فأولويات الحركة المجتمعية والسياسية لجماعة العدل والإحسان في الواقع المغربي تشتغل على هذا المطلب المصيري تهيئا لكل الظروف التي يصبح فيها واقعا معيشا، ودون ذلك تضحيات وعطاءات جسيمة لأن عليه يبنى مستقبل المغرب في الحرية والكرامة والاستقلال.

إن بناء القوة المجتمعية على وعي بكليات عملها ومراحله ووسائل كل مرحلة الكلية والفرعية بما يحقق قطبا مجتمعيا ليس زائدا على حركة المجتمع بقدر ما هو صلبها وروحها وعليه تلتف غالبية الأمة في إطار ولاية عامة صافية مبنية على الثقة.

ولذاك فالقوة المجتمعية تتكون من مستوين طليعيين ومن مستوى قاعدي:

الطليعة القيادية: وقد تبث عبر تجارب تاريخية أنها، في الغالب، تكون تنظيما، أو مجموعة من التنظيمات تدور حول تنظيم كبير متقاربة فيما بينها كثيرا ومتماسكة إلى حد كبير تشكل القوة الاقتراحية والجامعة بحكم خبرتها وحجمها وقوتها التصورية وحجم مشروعها المجتمعي الكلي وحجم التضحيات التي جمعتها وبوأتها مكان الطليعة وتحصيل الثقة الحاسمة. وهذه الطليعة تكون رمز العطاء والتضحيات وهي واعية ضرورة بهذا.

إنها مصدر القوة الرمزية القيادية الجامعة للمجتمع والتي تحتل سويداء القلوب محبة وتقديرا كبيرا بذلك.

القاعدة الطليعية: وهي جميع مجال التأثير والتأطير المجتمعي المجسد عبر شبكة الهياكل والتنظيمات المجتمعية التي يجمعها الوعي الميثاقي ووضوح القضية الجامعة ضمن العملية الزحفية للطليعة القيادية من خلال السهر على تنزيل مشروع التحرر وبناء القوة المجتمعية الضاربة.

فهي شبكة مجتمعية تغطي كل القطاعات والمجالات في إطار الوضوح الشامل والمسؤولية اللازمة وتتحرك وفق استراتيجية مجالية وقطاعية مندمجة في صيرورة وسيرورة الاستراتيجية العامة للقوة المجتمعية.

ومن المفروض أن يكون خطاب الطليعة القيادية واضحا ومسؤولا بحيث تكون بعض فئات المجتمع المالية والاقتصادية ليست معارضة لمشروعها كما يتوهم البعض، ولكن واقع الخوف يقتضي منها فقط أن تطمئن وتثق في حركة المشروع على أنه مشروع حرية وليس تسلط يحل محل التسلط القائم الذي خبرت قوى المجتمع كيف تتعامل معه في إطار تحقيق مصالحها المالية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها.

إن خطاب المسؤولية والطمأنة والوضوح ضروري في كل مرحلة من مراحل إنجاز المشروع، إذ ليس بالضرورة أن كل قوى المجتمع تتبنى تفاصيله لكنها فقط منخرطة في سياقه المرجعي العام الذي ينظم المجتمع على صورة تضمن العدل والحرية والكرامة وتكافؤ الفرص عوضا عن الاستغلال والاحتكار والاستبداد والتسلط والمحسوبية والزبونية.

قاعدة القوة المجتمعية: وهي غالبية الشعب التي تحتضن بوعي وثقة القوة المجتمعية بمستوييها أعلاه وتجعلها صلب وقطب رحاها؛ فهي تتابعها وتحاسبها وتراقبها مشاركة وإبداعا بوعي ومسؤولية وفاعلية عبر أشكال هيكلية وتنظيمية حرة وقوية وتلقائية وتشكل مجال القاعدة الطليعية المشار إليه أعلاه.

ت- الثقة الحاسمة

ما بين حصول الثقة الحاسمة بين القوة المجتمعية والقاعدة المجتمعية مسافة من الزمن لا يستهان بها وقد تطوى المراحل بحسب الظروف المتاحة والفرص السانحة ومدى استغلال قيادة القوة المجتمعية لها في اتجاه تسريع وثيرة الثقة.

وما يعقد مسار حصول الثقة الحاسمة عاملان يسيطران على الحياة السياسية والمجتمعية في المغرب.

الأول: حجم التضحيات التي ضحى بها الشعب المغربي مع كثير من التجارب السياسية والاجتماعية، لكنه يخذل بشكل من الأشكال. وهي معضلة كبيرة في الحياة السياسية المغربية إذ كانت من أهم عوامل فقدان الثقة لدى الشعب المغربي.

وهو ما يعني أن كثيرا من مواقفه اليوم السياسية والاجتماعية وغيرها ليس مردها إلى أنه غير واع كما يعتقد الكثير، ولكن لأنه قدم تضحيات جسام على طول نصف عقد من الزمن وخذل.

الثاني: درجة قمع النظام السياسي وشراستها ووقاحتها في كثير من الأحيان. فقد شردت عائلات ومناطق ولم يسأل عنها أحد أبدا.

وهذا الجرح السياسي والاجتماعي والمجتمعي والأخلاقي غائر ونازف، ولا يمكن معالجته بدعوى فارغة أو مبادرة سياسوية كما هو الشأن مع ما سمي بطي صفحة الماضي، بل يحتاج إلى علاج جذري يفضي إلى حصول ثقة الشعب الحاسمة في القوة المجتمعية الجديدة والناهضة.

والثقة المطلوبة تمر من مرحلتين:

المرحلة الأولى: الثقة المُقدّْمة: وهي ثقة قيمية وأخلاقية تتعلق بشهادة الأمة الأولى في طليعتها المجتمعية الصاعدة بالصلاح والأمانة والصدق. إنها صفات خلقية لا بد من البرهنة اليومية عليها، إذ الشعب أعطى ثقته من هذا المستوى للكثير وخذله وتاجر في همومه وقضاياه وحصل على الثروة والجاه والسلطة وتنكر له تنكرا مذلا ومقيتا.

لكن هذا المستوى من الثقة لا يؤهل، لأنه لا يدل على أن القوة المجتمعية صنعت الفضاء المجتمعي النفسي والعاطفي والتنظيمي والهيكلي العميق الذي يؤكد حصول الوعي العام بالقضية والمشروع وتبنيه والتضحية من أجله، ومن مقتضيات هذه المرحلة أن لا تغتر الطليعة القيادية بشهادة الصلاح العامة، وهو ما يعني ضرورة الانتباه إلى واجب إنجاز المرحة الثانية والوعي بمؤشراتها الحقيقية دون تفويت الفرص السانحة التي قد تكون عامل إكمال الثقة رغم كل المعاناة.

المرحلة الثانية: الثقة الحاسمة: وهو المستوى الذي يصل معه وفيه الشعب إلى اليقين القطعي بأن القيادة المتجسدة في طليعة القوة المجتمعية لن تخذله ولن تتقدم به إلى مهاوي تهورية لا قيمة تاريخية لها، بل وإن خاضت به ومعه وبوعي منه معارك ضارية فإنما لأنها ضرورية وحاسمة.

وساعتها لن يتراجع الشعب، على العموم، وسيصمد ويضحي ويبذل ويعطي ويحمي ويقاوم ويمانع مهما كان الثمن حيث اللحظة عنده مسألة حياة أو موت، وأن تلك الطليعة الصادقة المجاهدة المعطاءة تستحق كل هذا المستوى من الثقة والعطاء. فقد ضحت من أجله أولا وصمدت وربت بالعمل والقدوة وعبأت بالصدق الصادع. وربما شهد الشعب أن هذه القيادة جاعت ليشبع هو وفقدت كل راحة ليرتاح هو، وكانت في كل مواقفها السابقة حكيمة ورحيمة وجامعة فتدخل معه في عقد معنوي وعملي يعزل معه بتلقائية خصوم مصلحة الأمة والذين لا تعنيهم إلا مصالحهم الخاصة.

إن الثقة الحاسمة هي لحظة الوعي الجماعي باليقين أن تلاحم الطليعة مع القاعدة المجتمعية لا رجوع فيه ولا تراجع عنه، وساعتها تخوض الأمة قاطبة نهضتها العارمة لتحسم مع كل المفسدين والمعطلين لقدراتها المتسلطين على رقابها بعد أن تكون قد حاصرتهم وشلت إلى أبعد الحدود قدراتهم التسلطية معنويا وماديا. وكل ذلك وفق قواعد الرفق والرحمة والحكمة والقوة والصرامة والمرونة اللازمة وسعة الأفق وسلامة الصدور.

ومن هنا ندرك قيمة الاستراتيجية السياسية في مدرسة العدل والإحسان المؤطرة بمفهوم القومة بكل دلالاته، إذ لا تراهن على لحظة جزئية من الوعي والإدراك والغضب العابر، بقدر ما تراهن على تحرك جماعي وفق مشروع يمتد في كل تفاصيل المجتمع القطاعية والمجالية ويتجه إلى تقويض كل أركان الاستبداد والفساد والإفساد عبر قوة مجتمعية عالمة بقضيتها وموقع أمتها في حركتها التاريخية.

إننا بهذا إزاء تحول تاريخي عوض رهان على توافقات شكلية كوالسية أو قمعية مغرقة في القمع والتدجين ومسخ الإنسان والاستهتار بكرامته وقدراته.

وفي جملة: إن الاستراتيجية السياسية في مدرسة العدل والإحسان تجمع بين عمليتين كبيرتين:

الأولى: الدفع الواضح في اتجاه تجديد العلاقة مع روح ومعنى مرجعية الشعب المغربي ومعالجة كل التفاصيل المتعلقة بهذا المستوى على ضوء هذا الوضوح القاضي بضرورة الانتباه إلى قيمته وأهميته في الأمن والاستقرار والاطمئنان على المستوى النفسي والسياسي والاجتماعي والأمني وغيرها، وهو ما يعني أننا أمام عملية فكرية نقاشية كبرى لا تضيع وقت الأمة في متاهات الجدل العقيم والنقاش السياسي السطحي، بل تخوض غمار إنجاز لحظة وعي كبير بالقضية الوجودية للشعب المغربي التي ينبغي أن تمتد في مستقبله على قاعدة إعادة بناء المجتمع وفق عملية تغيير جذري وعميق، ومنها تميزت هذه الاستراتيجية بالجمع بين العمق الدعوي والمهمة السياسية بالمعنى الفردي والجماعي.

الثانية: بناء القوة المجتمعية على أرض الواقع في جميع أبعادها البشرية والتنظيمية والهيكلية والاجتماعية والاقتصادية والقطاعية والمجالية وغيرها بما يقوض كل أشكال الاستبداد والفساد والإفساد ويفتح آفاق الشعب المغربي على نظام حكم يحقق كل معاني الحرية والكرامة والعدل والقوة والاستقلال والأمن والاستقرار والاطمئنان للجميع.

في الحلقة القادمة، بحول الله تعالى، نقف على بعض معاني مفهوم القومة بما هو مفهوم مؤطر لكل هذه الدلالات في مدرسة العدل والإحسان التغييرية.