مازال النظام المخزني بالمغرب يضيف إلى رصيده المُخْزي علامات ونِقاطا سوداء، ويسجل بمداد الجبر والتسلط أحداثا تؤرخ لانغماسه الكلي في أوحال الظلم والاستبداد، وتشهد على ما يُذيقه للشعب المغربي من أصناف الإذلال والإكراه والقهر..

   ففي جرأة لم نعد نستغرب لها، وفي تطاول معهود مشهود، يواصل المخزن بالناظور، كما في باقي الوطن، سياسة التعالي والاستهتار بالقانون ويقحم القضاء مرة أخرى في متاهاته التي لا تنتهي.

   فعلى إثر الاعتداء الشنيع الذي شنته قوات المخزن على أعضاء جماعة العدل والإحسان وعموم المواطنين يوم 9 مارس الماضي أثناء مشاركتهم في مسيرة تضامنية مع الشعب الفلسطيني كانت قد دعت لها جمعية رابطة المعلمين للأعمال الاجتماعية والثقافية والتربوية بالناظور، وبعد اعتقال 18 عضوا من الجماعة، ضمنهم ثلاثة أعضاء في المكتب الإداري لرابطة المعلمين، واقتيادهم إلى مركز الشرطة القضائية حيث حررت لهم المحاضر.. ووجهت لهم استدعاءات للمثول أمام المحكمة الابتدائية يوم الخميس 10 أبريل المنصرم بتهمة “المساهمة في تظاهرة وقع منعها والمشاركة في تجمهر غير مسلح والانتماء إلى جمعية غير مرخص لها” ليتم تأجيلها إلى 29 من ماي ثم إلى 18 من شتنبر/رمضان القادم.

   الجديد في هذه السلسلة من التهم التي ما فتئت السلطات المخزنية تتابع أعضاء الجماعة على أساسها هو “المساهمة في مظاهرة وقع منعها” وهي تهمة وجهت بناء على ما نص عليه الفصل 14 و21 من قانون الحريات العامة المتعلق بالتجمعات العمومية.

   في هذا المقال سأحاول مناقشة هذه التهمة على ضوء ما جاء في قانون الحريات العامة، وخاصة الكتاب الثاني المتعلق بالمظاهرات في الطرق العمومية، مستحضرا حيثيات ما وقع يوم 9 مارس.

   ينص الفصل 14 من هذا القانون على ما يلي:

   “يعاقب بحبس لمدة تتراوح بين شهر واحد وستة أشهر وبغرامة تتراوح بين 1.200 و5.000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط:

   1- الأشخاص الذين يقدمون تصريحا غير صحيح بهدف التغليط بشأن البيانات المنصوص عليها في الفصل الثاني عشر من هذا القانون أو الذين يوجهون بطريقة ما استدعاء للمشاركة في مظاهرة بعد منعها.

   2- الأشخاص الذين يساهمون في تنظيم مظاهرة غير مصرح بها أو وقع منعها”.

والفصل 12 الذي يشير إليه الفصل 14 ينص على ما يلي:

   “يسلم التصريح إلى السلطة الإدارية المحلية في ظرف ثلاثة أيام كاملة على الأقل، وخمسة عشر يوما على الأكثر قبل تاريخ المظاهرة، وتسلم هذه السلطة في الحال وصلا بإيداع التصريح، وإذا لم يتمكن المصرحون من الحصول على الوصول، فإن التصريح يوجه إلى السلطة المختصة في رسالة مضمونة.

   ويتضمن التصريح الأسماء الشخصية والعائلية للمنظمين وجنسيتهم ومحل سكناهم وكذا أرقام بطاقاتهم الوطنية، ويوقع عليه ثلاثة أفراد منهم يكون محل سكناهم في العمالة أو الإقليم التي تجرى فيها المظاهرة، تبين في التصريح الغاية من هذه المظاهرة والمكان والتاريخ والساعة المقررة لتجمع الهيئات المدعوة للمشاركة فيها وكذا الطرق المنوي المرور منها”.

   التظاهرة موضوع التهمة، والتي كان من المزمع تنظيمها يوم 9 مارس المنصرم استوفت وبامتياز كل الشروط المعتبرة في الفصل 12 المبين نصه أعلاه. حيث تقدمت جمعية رابطة المعلمين بتصريح إلى السلطة المحلية وفق الإجراءات التالية:

    1 – بتاريخ 4 مارس 2008 تم إرسال التصريح عبر البريد المضمون لصيقة 510 تحت رقم 517 على الساعة الثالثة وخمسة عشر دقيقة زوالا مع إشعار باستلام إلى الخليفة الأول لعامل إقليم الناظور (باشا المدينة) رفض تسلمها ليتم إرجاعها إلى الجهة المصرحة يوم 8 أبريل 2008.

   2 – بتاريخ 5 مارس 2008 تم إرسال تصريح آخر في نفس الموضوع عبر خدمة “أمانة” مع إشعار باستلام تحت رقم ED058437404MA إلى الخليفة الأول لعامل إقليم الناظور وقد رفض تسلمه.

   3 – بتاريخ 6 مارس 2008 كلفت الجمعية مفوضا قضائيا لدى المحكمة الابتدائية بالناظور ليبلغ التصريح إلى الخليفة الأول لعامل إقليم الناظور حيث رفض المكلف بالشؤون العامة في مكتب الباشا تسلم التصريح.

وبما أن الجمعية لم تتلق أي اتصال من السلطة في موضوع التصريح، وحيث أنها لم تتوصل بأي قرار يقضي بمنع التظاهرة كما ينص على ذلك الفصل 13 من نفس القانون والذي جاء فيه: “إذا ارتأت السلطة الإدارية المحلية أن من شأن المظاهرة المزمع القيام بها تهديد الأمن العام فإنها تمنعها بقرار مكتوب يبلغ إلى الموقعين على التصريح بمحل سكناهم المختار”. وبعد نفاذ الآجال القانونية أصبحت المسيرة مستوفية كل الشروط المعمول بها في قانون المظاهرات في الطرق العمومية.

   لكن السلطة المحلية لم تمتثل لأي من فصول هذا القانون بل تجاهلته تماما، بدءا بالفصل 12 الذي يلزمها بتسليم وصل في الحال للجهة المصرحة.. مرورا بالفصل 13 الذي يخول لها إصدار قرار بمنع التظاهرة وتبليغه للجهة المصرحة وهو الإجراء الذي لم تعمل به.. لتنتهي بخرق سافر وفاضح للحريات العامة، فتتدخل بعنف غير مبرر لتفريق المتظاهرين الذين استجابوا لنداء المشاركة في المسيرة دون أن تلتزم بمقتضيات الفصل 21 في فض التجمعات الذي جاء فيه: “كل تجمهر غير مسلح يقع تفريقه وفق نفس الكيفية المنصوص عليها في الفصل 19 – وفيه: (إذا وقع تجمهر مسلح في الطريق العمومية خلافا لمقتضيات الفصل 17 أعلاه فإن عميد الشرطة أو كل عون آخر يمثل القوة العمومية والسلطة التنفيذية ويحمل شارات وظيفته يتوجه إلى مكان التجمهر ويعلن عن وصوله بواسطة مكبر للصوت. ثم يوجه الأمر للمتجمهرين بفض التجمهر والانصراف، ويتلو العقوبات المنصوص عليها في الفصل 20 من هذا القانون) – مع تلاوة العقوبات المنصوص عليها في الفقرة الثانية من هذا الفصل.

   ويعاقب بالحبس لمدة تتراوح بين شهر واحد وثلاثة أشهر وبغرامة تتراوح بين 1.200 و5000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط كل من شارك في تجمهر غير مسلح ولم ينسحب منه بعد توجيه الإنذار الأول والثاني والثالث. (وهو الإجراء الذي لم يمتثله عميد الشرطة).

   وإذا لم يتأت تفريق التجمهر إلا بالقوة تكون العقوبة بالحبس لمدة تتراوح بين شهر واحد وستة أشهر”.

   الظاهر بعد ما حدث أن السلطات بالناظور كانت قد عقدت النية على استعمال العنف ضد الجهة المصرحة بتنظيم المسيرة دون أن تستند إلى أي أساس من القانون، وإلا لاتبعت سبيلا آخر في تعاملها مع الحدث، لكنها تعالت على القانون واستباحت حرمة المواطنين وأعراضهم وروعتهم في أمنهم وسلامتهم.. وحينما تقرر المتابعة وجهت تهما بناء على الفصلين 14 و21 في قفز غريب على الفصول 12 و 13 و 19 والتي لا يمكن بحال تجاهلها، لأنها بالفعل تؤسس المدخل لأي متابعة من هذا النوع .

   فكيف تدعي السلطة أن تظاهرة 9 مارس قد تم منعها أو أنها غير مرخصة؟ أين حجة السلطة التي اعتمدت عليها النيابة العامة في توجيه هذه التهمة؟ في أي قانون يوجد مثل هذا الاتهام الذي لا أساس له سوى كون الجهة العارضة تمثل المخزن!؟

   ثم أين هو مبرر السلطات الأمنية للتدخل لتفريق المواطنين بالقوة؟ فالسلطة لم تصدر قرارا بمنع المظاهرة فكيف يحصل أن يتدخل الأمن ليضرب الناس أثناء ممارستهم لحق دستوري في التجمع السلمي؟

   وهب أن التظاهرة تم بالفعل منعها بموجب قرار صادر عن السلطة، أفلا يُلزم القانون عميد الشرطة  حينما يعهد إليه بالسهر على تنفيذ قرار المنع – بأن يستنفذ كل الإجراءات القانونية ويبذل الوسع في مطالبة الناس بفض التجمع. ويبادر بالاتصال بالأفراد الذين من المفترض أنهم توصلوا بقرار المنع ليطلب منهم توجيه الناس للانسحاب والتفرق؟

   أقول هب أن السلطة منعت فعلا التظاهرة وفق المسطرة القانونية وهو ما لم يحصل بالطبع!

   ثم هل كان ذلك التدخل العنيف مبررا حقا؟ ألم تكن خراطيم المياه كافية لفض التجمهر؟

   هل كان المتظاهرون يشكلون تهديدا للأمن العام حتى تستعمل ضدهم تلك القوة المفرطة؟

   ألم تكن هناك وسيلة أخرى للتعامل مع الوضع؟ أم أن توجه المخزن كان كعادته فاقدا لكل بصيرة أو حس ذكاء وفطنة؟ أين يتجلى المفهوم الجديد للسلطة في هذه النازلة؟ أين هي ملامح دولة الحق والقانون في هذه القضية؟

   فعلا المخزن يستهزئ بالشعب المغربي ويستفزه، يخرق القانون ويحدث الفوضى ويهين كرامة الناس ويمنعهم من حقهم في حرية الاجتماع والتظاهر السلمي والتعبير عن آراءهم.. ثم يأتي بكل صفاقة ليتابع المظلومين والمضطهدين بتهم لا أساس لها من القانون.. ويقول في استعلاءه وعنجهيته المعهودة: “باسم القانون الذي لا أحترمه ولا أقيم له وزنا ولا اعتبارا.. أتهمك بخرق القانون..”.

   فعلا هذا استهزاء واستخفاف بالمواطنين وبالقضاء!

   حينما أقول بأن المخزن يستهزئ بالمواطنين وبالقانون فأنا لا أقدم ادعاء باطلا، فغياب أساس المتابعة في هذه القضية يشهد على صحة ما أقول. وأستشهد هنا بعنصر آخر قد يدعم ما أذهب إليه، وإن كان واقع المغرب عموما، وما يشهده من خرق سافر للحريات العامة، تشهد به تقارير المنظمات الحقوقية المحلية والوطنية والدولية، لا يحتاج إلى حجج وشهادات إضافية.

   لقد اندهشت أثناء التحقيق الذي أجري معي إثر اعتقالي يوم 9 مارس لجهل بعض عناصر الشرطة القضائية بقانون الحريات العامة الذي من المفروض أن يكونوا عالمين به بحكم وظيفتهم وتعاطيهم مع قضايا لها ارتباط وثيق بالقانون وبحريات الناس.

   استغربت حقا أن يسهر على تحرير محاضر قضائية موظفون لا يعرفون القانون، لأن مصير المتهمين المفترضين قد يهدده ذلك الجهل، خاصة إذا كان المتهم بدوره يجهل القانون، وعلما أن تلك المحاضر صارت أقدس من المقدس لا يعلوها الشك!

    فأثناء تحرير المحاضر للمعتقلين يوم تاسع مارس، انكشفت حقيقة مؤهلات بعض أفراد الشرطة القضائية، ذلك أنه حينما أشكل الأمر على أحدهم وكان يجري التحقيق معي، تركني وغادر المكتب ليبحث ويسأل زملاءه في المكاتب الأخرى عن نسخة من كتاب الحريات العامة لعله يجد فيه جوابا يدحض ويخالف ما صرحت به أمامه. لم يجد الكتاب ولم يأت بجواب!

   كان يتحدث عن تظاهرة غير مرخص لها، وكنت أجيبه بأن ظهير الحريات العامة لا يوجد فيه ما يشير إلى ترخيص أو طلب ترخيص، بل ينص على توجيه تصريح إلى السلطة المحلية في شأن تنظيم مظاهرة.. فرد قائلا: “هذه أول مرة أسمع عن كلمة تصريح”. ثم حينما قال بأن الشرطة اعتقلتني “بسبب مشاركتي في تظاهرة تم منعها” أجبته بأن الأمن تعسف وتطاول وخرق القانون بينما كان المواطنون يمارسون حقهم الذي يكفله الدستور في التظاهر السلمي ولم أتلق – باعتباري عضوا في مكتب الجمعية وأحد الموقعين على التصريح أي قرار من السلطة بمنع المسيرة.

   ثم تابع كلامه ليقول بأنني أنتمي إلى جماعة محظورة وبأن وزارة الداخلية هي الجهة التي لها الحق في حظر الجمعيات والأحزاب.. وحينما أجبته بأن القضاء وحده هو الذي قد يقضي بناء على مبررات قانونية ببطلان أي جمعية أو حزب.. وهو ما لم يحدث بالنسبة للجماعة، بل على العكس أصدرت مختلف المحاكم على صعيد التراب الوطني أزيد من 40 حكما يقرر قانونية الجماعة.. اندهش وقال لي: “ما تقوله ليس صحيحا” وإنكاره هذا لم يكن إلا جهلا بالقانون وتعبيرا واضحا على ما رسخ في ذهن معظم عناصر الأمن بأن الحق والقانون هو ما يصدر عن جهاز الأمن والسلطة، وأن كل ماعدا ذلك فهو تابع وخادم لإرادة المخزن، حتى القانون.. حتى القضاء!

   ليت الأمر وقف عند هذا الحد، فقد جاءت المحاضر كلها بدون استثناء، وعددها 18 محضرا، مَزيدة ومنقحة.. فيها كذب على المصرحين وتحريف لكلامهم ..

   في التهمة التي يتابع فيها أعضاء الجماعة اعتراف ضمني بأن الأمر يتعلق بتظاهرة تم التصريح بها!

   ورغم الشطط الواضح في استعمال السلطة التي مارسها المخزن يوم 9 مارس 2008 وبدل أن يتوارى من فضيحته ويحجم عن متابعة المعتقلين بدون وجه حق، تمادى في استبداده وأصر على المتابعة في محاولة يائسة لتشديد الخناق على الجماعة وترهيب الناس منها وتصويرها كتنظيم خارج عن القانون وفاقد للشرعية.

   إن هذا الانخراط الجديد للمخزن في لعبة شد الحبل والمتابعات القضائية المخزية، والتسريبات الكاذبة للإشاعات التي تستهدف تشويه سمعتها لدى الناس، لن يزيد الجماعة بحول الله إلا ثباتا وتمسكا بالعهد الذي قطعته على نفسها لَتُبَيِنَنﱠ الأمرَ للناس جميعا، أنه ظلم واستبداد يتلون ويتجدد، ولَتَصْدَعَنﱠ فيهم أنه ليل طال مُكْثُهُ وآن جلاءه!

   إن المتابعات القضائية التي يمثل فيها أعضاء جماعة العدل والإحسان أمام مختلف المحاكم بالمغرب بتهم أغلبها تتمثل في الانتماء إلى جماعة محظورة وعقد تجمعات دون سابق تصريح، والتي قضت المحاكم المختلفة ببراءة المتابعين فيها لا تعطي المصداقية للقضاء بالمغرب بقدر ما تعطيها لجماعة العدل والإحسان ولمجالسها وأنشطتها.

   فلو كانت الجهات التي تقف وراء تحريك مثل هذه الملفات يتمتع أصحابها بقليل من النباهة لما واصلوا مثل هذه المتابعات الفارغة من كل معنى، لأنها في كل الأحوال لا تزيد الجماعة إلا اتساع وامتدادا في الشارع، ولا تزيد أعضاءها إلا رسوخا ويقينا في مشروع جماعتهم. وبالتالي لا تزيد القضاءَ في أعين المتتبع إلا ضآلة، وتفقده الهيبة والمصداقية وتسحب منه ثقة المواطن.. طالما أنه تابع ومنفذ لإملاءات وتعليمات المخزن.

   فما هو السر وراء هذا العمى الذي أصاب جهابذة المخزن الأوفياء لسلطان الجبر والاستبداد؟

   كيف يُقْحَمُ القضاء في كل مرة في ملفات لا يجني من وراءها سوى الخيبة؟

   متى يتخلص القضاء في بلدنا الحبيب من ضغط وتوظيف أجهزة النظام المخابراتية؟

   هل بالفعل هناك نية وإرادة حقيقيتين في إصلاح جهاز القضاء، تلك الترنيمة التي طلعت بها علينا حكومة الملك الحالية؟

   لا يبدو في الأفق ما يشير إلى دنو ذلك اليوم، وكل هذه التساؤلات ستظل شاهدة على واقع أليم بوطننا، وهي شهادة أخرى على أن دَيْدَنَ النظام المخزني ببلدنا لا يتغير، قد يتلون وقد يأتي في كل مرة بحلة جديدة.. لكنه يبقى وفيا للجوهر الذي يَنِمﱡعن حقد دفين لكل عناصر المُمانعة التي تمثلها مختلف القوى في المغرب وعلى رأسها جماعة العدل الإحسان التي أبت وتأبى أن تنحني أو تتوارى مهما كيد لها.

   المخزن مضطرب اضطرابا لم يسبق في التاريخ، فمن جهة الأوضاع الاجتماعية والمعيشية للشعب المغربي وصلت إلى حد خطير جدا، لم يعد الغلاء مظهرها الوحيد، فالأمراض التي صرنا نسمع عن انتشارها ببعض المناطق المهمشة، والتي لم يسبق أن عرفها المغرب، صارت تطرح أكثر من تساؤل حول حقيقة المبادرات التي تستهدف التنمية البشرية والقضاء على الأمراض الفتاكة كالسل الذي أطل على بلدنا من جديد والحد من ظاهرة الفقر والتسول والاتجار في العرض وتكوين العصابات..

   الانتكاسات المتتالية والمصائب التي تقض مضجع المخزن والتي سببها الفساد المستشري على كل المستويات: نهب المال العام، تفويت الملك العمومي للخواص، استغلال المتنفذين في مراكز القرار للمعلومة وتشييد صروح الثراء الفاحش على أنقاض المستضعفين من الشعب المغربي، الرشوة، المحسوبية، الارتجال في التخطيط والبرمجة.. كل هذه المظاهر سببت في وقوع أحداث أفرزت أوضاعا مؤلمة صارت تتفنن في صنع وإنتاج الموت بالمغرب بدل صنع الحياة.

   فبعد سنوات الرصاص التي أُصر على أنها لم تنته بعد بل أُضْحَت تتمظهر بشكل آخر، صرنا نشهد ونسمع عن قوارب الموت، وعن محاولات الانتحار الجماعي للمعطلين من المعوقين وغيرهم، وعن عمارات الموت التي دفنت أنقاضها أرواح البسطاء من هذا الشعب.. لتطلعنا الأخبار وتظهر لنا الصور آخر لوحات إنتاج وصناعة الموت بالمغرب لأسباب الفساد ذاتها .. معامل الموت!

   ومن جهة أخرى يحاول المخزن لملمة أطرافه ليظهر المغرب بمظهر البلد الآمن والمستقر الجالب للاستثمارات ولأفواج السياح، وتراه يتهافت خلف المنظمات الدولية ليعرض رغبته في احتضان الملتقيات الرياضية الدولية أو المتوسطية، يضخ في الترويج والإشهار لها من مال الشعب المسكين المغلوب على أمره ملايير السنتيمات.. في حين لا يتردد في كل مرة عن الإعلان عن تفكيك “شبكة إرهابية” كانت تنوي القيام بأعمال تخريبية في البلد أو الإعلان الموجه والمحسوب والمقدر بقَدْرِه عن اكتشاف مُدَبر لمقابر جماعية هنا وهناك.. لينتهي ربما من آخر المنغصات التي تَخِزُه فتراه يضرب ذات اليمين وذات الشمال ولا يحصد إلا الخيبة وصيحات الانتقاد والاحتجاج من طرف المنظمات الحقوقية وغيرها، الوطنية منها والدولية حول الأوضاع المتردية لحقوق الإنسان بالمغرب، وحول تراجع مؤشر التنمية الاجتماعية، والأوضاع الكارثية لقطاع الصحة، وفشل التعليم، وانتشار الجريمة …

   كل هذا الاضطراب والتخبط الذي يتقلب فيه المخزن ولا يكاد يتخلص منه لحظة، جعله يهرول جريا إلى الأمام، هروبا من واقع أليم مفزع حجب عنه صفاء النظر وجلاء البصر، فأعماه عن كل سبيل يؤدي إلى الخير، وهداه إلى كل سبيل مؤداه شر، وما يحاوله ضد جماعة العدل والإحسان هو مظهر من مظاهر هذا الاضطراب.. فتراه لا يحصد إلا مزيدا من الإخفاق.

   لن يرى منا المخزن إلا الصبر والجَلَدَ على كل بلاء، ولا يَظُنن يوما أنه سيفلح في جر الجماعة إلى مستنقع العنف الذي غرق فيه منذ عقود.

   فها نحن في جماعة العدل والإحسان نستقبل الذكرى الثانية للحملة المخزنية الظالمة في حلتها الجديدة التي دشنها النظام منذ 24 ماي 2006، والتي لم تتوقف على العموم منذ ما قبل هذا التاريخ، بل زادت عنفا وإصرارا على منع أي ظهور للجماعة في المشهد السياسي بالمغرب… وإني أعتبرها ذكرى الوفاء بالعهد، وذكرى لتثبيت الولاء لله وللمومنين. وأغتنمها لأقول لمن مازال في روعه بعض الخوف على أمر هذه الدعوة، أو يساوره بعض الشك في مستقبلها أن الله حافظها ومؤيدها، وأنه سبحانه ما كان ليدع مصير من يطلبه ويلجأ إليه ويجأر بدعائه، في السر والعلن، وفي المنشط والمكره، ما كان تعالى ليدعه ولا ينصره..

    فما عسانا في الجماعة فاعلون في هذه الذكرى؟ كيف سنحتج على الظلم الذي يطالنا في كل أمرنا؟ حتى لقاءاتنا الداخلية لم تسلم من استفزاز السلطة واقتحامها لحرماتنا رغم كل الأحكام الصادرة في مشروعيتها وقانونيتها.

   إن جماعة العدل والإحسان قد حسمت أمرها منذ أول يوم، أنها لا تبغي علوا في الأرض ولا فسادا، وأنها لا تبغي عن سبيل الرفق بدلا، وستظل تدعو إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، تتوب إلى الله وتدعو الناس للتوبة، وتسابق في الخيرات.. تنكر الظلم والاستبداد والقهر، تطلب العدل والنصَفَةَ في القسمة والأرزاق وفرص العيش الكريم للشعب، تدافع الباطل، تصدع بالحق ولا تقول باطلا..

   هذا دأبها ودربها ولن تحيد عنهما أبدا بحول الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد.

   “وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون”.

   والحمد لله رب العالمين.