“إنما أنا حبشي كنت بالأمس عبدا”بقلم: محمد ديرا / [email protected]

مَن ذاك الرجل الشديد السمرة، الناحل النحيف، المفرط الطول، الكث الشعر؟ من ذاك الرجل الذي كان يسمع كلمات المدح والثناء في حقه فينحني رأسه استحياء ويقول ودموعه تسيل على خذيه: “إنما أنا حبشي كنت بالأمس عبدا”؟ من ذاك الرجل الذي كان يقصده أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في قولته الشهيرة: “أبو بكر سيدنا وأعتق سيدَنا”؟.

إنه الصحابي الجليل والمجاهد العظيم والخالد أبدا بلال بن رباح رضي الله عنه، لا يمكنك أن تسأل عنه مسلما سواء كان رجلا أو امرأة أو طفلا أو شابا أو شيخا عجوزا في مشارق الأرض ومغاربها إلا وحدثك عن جهاده العظيم وبطولاته الخالدة.

إسلامه رضي الله عنه

كان بلال رضي الله عنه عبدا لأناس من بني جمح بمكة حيث كانت أمه إحدى إمائهم وجواريهم، وبدأت أنباء الرسول صلى الله عليه وسلم تصل إلى سمعه بعد أن أخذ الناس في مكة يتناقلوها، وذات يوم كان الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر معتزلين في غار، إذ مرّ بهما بلال وهو يرعى غنما، فأطْلع الرسول صلى الله عليه وسلم رأسه من الغار وقال: “يا راعي هل من لبن؟” فقال بلال: “ما لي إلا شاة منها قوتي فإن شئتما آثرتكما بلبنها اليوم” فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: “إيتِ بها”، فجاء بها بلال ودعا الرسول الله صلى الله عليه وسلم بإناء فحلب فيه حتى ملأه، فشرب حتى روي، ثم حلب حتى ملأه فسقى أبا بكر، ثم حلب حتى ملأه فسقى بلالاً، ثم أرسلها وهي أحفل مما كانت، ثم قال: “يا غلام هل لك في الإسلام؟ فإني رسول الله”، وقد كانت نفسه مهيأة للإسلام فأسلم رضي الله عنه مباشرة، وأمره النبي صلى الله عليه وسلم بأن يكتم إسلامه، ففعل وانصرف بغنمه.

انتشار خبر إسلامه

ذات صباح دخل بلال رضي الله عنه إلى الكعبة المشرفة فالتفت فلم ير أحدا فإذا به يبصق على الأصنام الموجودة بها ويقول: “خاب وخسر من عبدكن”، لكن قريشا كانت موجودة وراء الكعبة وسمعوا كل شئ، ووصل الخبر لأمية بن خلف فغضب غضبا شديدا وقال: “إن شمس هذا اليوم لن تغرب إلا ويغرب معها إسلام هذا العبد الآبق” لكن شمس ذلك اليوم غربت ولم يغرب معها إسلام بلال.

… ويبدأ التعذيب

اتخذ أمية قرار التعذيب وبدأ في التنفيذ فكانوا يخرجون ببلال عريانا في الظهيرة التي تتحول فيها الصحراء إلى جهنم قاتلة، فيلقونه على رمالها وحجرها ثم يأتون بالحجر الملتهب والمستعر نارا فيضعونه فوق بطنه وجسده، وفي الأصيل يربطون عنقه بحبل ثم يأمرون صبيانهم وغلمانهم بأن يجروه ويطوفون به ساحات مكة وجبالها، ليتكرر المشهد الدموي الأليم كل يوم.

ما الذي كانوا يريدونه من بلال؟لم يكونوا يريدون منه غير كلمة واحدة تحفظ لهم كبريائهم أمام قومهم، طلبوا منه أن يذكر آلهتم بخير. لكن ما جواب بلال؟ هل ذكر اللات والعزى؟ هل قال شيئا من هذا القبيل مع أن له كامل العذر في ذلك فهو مكره والله تعالى يقول: “إلا من اكره وقلبه مطمئن بالإيمان” والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ” رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه”.

ما جواب بلال إذن أمام كل هذا التعذيب الوحشي والجبان والممتد لأيام؟ فلا أحد يعلم متى سينتهي، وقريش لا يمكنها أن ترفع التعذيب عن بلال وشمس إسلامه لم تغرب كما أراد أمية ؟

لكن بلال الصامد رغم قسوة الجلاد وشدة العذاب كان يجيب بجوابه التاريخي الخالد ومقولته الشهيرة : ” أحد.. أحد ” ” أحد.. أحد “، ولم يكن يردد سواها في كل مراحل التعذيب “الممنهج” الذي قامت به قريش.

قال عمّار بن ياسر رضي الله عنه: “كلٌّ قد قال ما أرادوا (ويقصد الصحابة الذين عذبوا فقد قالوا ما أراد المشركون وذكروا آلهتم بخير.مكرهين طبعا) غير بلال”، ومرَّ به ورقة بن نوفل وبلال يعذب ويقول: “أحد.. أحد”، فقال: ” يا بلال أحد أحد، والله لئن متَّ على هذا لأتخذنّ قبرك حَنَاناً” يقصد بركة.

وبعد كل هذا الابتلاء، وبعد كل هذه المحن والمحن محك الرجال، يشاء الله تعالى أن يأتي الفرج لسيدنا بلال بعد هذا الصمود الهائل والثبات العجيب، فيذهب إليهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه ويصيح في وجوههم: “أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله” ويقول لأمية: “خذ أكثر من ثمنه واتركه حرا” فباعوه لأبي بكر الذي حرره من فوره، وأصبح بلال من الأحرار لينهزم الطاغية أمية، ولتنهزم قريش بأشرافها وأسيادها أمام الصمود الكبير لبلال بن رباح.

مؤذن الإسلام الكبير

بعد الهجرة النبوية وبعد بناء المسجد النبوي الشريف يُشَرع الرسول صلى الله عليه وسلم الأذان للصلاة، فمن يكلفه بشرف رفع هذا النداء العظيم، إنه صحابيُنا الجليل بلال بن رباح ليكون بذلك أول مؤذن في الإسلام.

بلال وجها لوجه مع جلاده

وينشب القتال بين المسلمين وقريش في غزوة بدر الخالدة وقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم شعارها: “أحد.. أحد” (وكأني بالرسول صلى الله عليه وسلم من خلال هذا الشعار يريد أن يُلحق الهزيمة النفسية بقريش، فحينما سيسمعون “أحد.. أحد” تتكرر في أرض المعركة فسيتذكرون صمود بلال وصلابته في الحق وثباته في وجه العذاب، وفي ذلك إدخال للرعب في قلوب المشركين وتحطيم لمعنوياتهم مما سينعكس سلبا على أدائهم العسكري/القتالي. وقد كان) وبلال هناك يصول ويجول في أرض المعركة، وبينما أوشكت الحرب على النهاية أراد الجلاد أمية بن خلف أن ينجو بنفسه من القتل، فقد أدرك أن نصر المسلمين أصبح وشيكا فاحتمى بالصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف، وطلب منه أن يكون أسيره لينقذه من القتل، لكن بلالا لمحه فصاح قائلا: “رأس الكفر أمية بن خلف..لا نجوت إن نجا” ورفع سيفه ليفصل الرأس عن الجسد لكن عبد الرحمن بن عوف صاح به “إنه أسيري”، لكن كيف يكون أسيرا والمعركة لما تنتهي وسيفه لما يجف من دماء المسلمين؟ فنادى بلال بأعلى صوته: “يا أنصار الله رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت إن نجا” لتهوي عليه السيوف من كل حدب وصوب، ولينتهي أمية الجلاد ويبقى بلال الصامد الثابت خالدا مخلدا بما قدم للإسلام والمسلمين.

صوت نعليه فى الجنة

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال عند صلاة الصبح: “حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني قد سمعت الليلة خشفة نعليك بين يدي في الجنة

قال: ما عملت عملا أرجى من أني لم أتطهر طهورا تاما في ساعة من ليل ولا نهار إلا صليت لربي ما كتب لي أَن أصلي”.

وفي رواية: أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بلالا، فقال: “بم سبقتني إلى الجنة؟ ما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي…” فقال بلال: ما أذنت قط إلا صليت ركعتين، وما أصابني حدث إلا توضأت، ورأيت أن لله علي ركعتين أركعهما. فقال: “بها”.

وعن أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “السُّبَّاقُ أربعة: أنا سابق العرب، وسلمان سابق الفرس، وبلال سابق الحبشة، وصهيب سابق الروم”.

بلال في يوم الفتح العظيم

ويأتي نصر الله والفتح، ويدخل المسلمون إلى مكة مهللين مكبرين، ويدخل الرسول صلى الله عليه وسلم الكعبة ومعه بلال فيأمره أن يصعد ويؤذن، فيرفع بلال أذانه التاريخي الذي وصل إلى كل آفاق مكة.

ويعيش بلال في أحضان النبي صلى الله عليه وسلم ويعلو شأنه يوما بعد يوم ويزداد قربه من قلب النبي صلى الله عليه وسلم بأعماله الجليلة وعطائه المتواصل حتى وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه: “رجل من أهل الجنة”، ورغم كل تلك المكانة ورغم كل ذلك القرب فقد ظل متواضعا حيِيا يرى نفسه ذلك الحبشي الذي كان بالأمس عبدا.

بلال بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم

وينتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى ويتولى أبو بكر الصديق أمر المسلمين فيتوجه إليه بلال ويطلب منه أن يأذن له بالخروج للمرابطة في سبيل الله، لكن أبا بكر يسأله من يؤذن لنا؟ فأخبره ودموعه تسيل على خذيه بأنه لن يؤذن لأحد بعد رسول الله، وبالفعل فقد خرج صحابيُنَا الجليل مجاهدا مرابطا في سبيل الله، واستقر بالشام وتوقف عن الأذان إلى أن زار عمر بن الخطاب أيام خلافته الشام وتوسل إليه المسلمون أن يحمل بلالا على أن يؤذن لهم صلاة واحدة، فدعا عمر بلالا ورجاه أن يؤذن للصلاة فاستجاب بلال ورفع النداء، فبكى الصحابة جميعا لأنه ذكرهم بتلك الأيام العطرة المباركة التي كانوا فيها في صحبة المعلم العظيم والمربي الكبير صلى الله عليه وسلم، وقد كان أشدهم بكاء سيدنا عمر بن الخطاب.

وفاة بلال رضي الله عنه

لما حضرت بلال الوفاة انزعجت زوجته وظلت تردد: “واويلاه” فقال لها رضي الله عنه: “وافرحاه”، غدا نلقى الأحبه *** محمدا وحزبه.

توفي بلال رضي الله عنه سنة عشرين للهجرة بدمشق وقد بلغ من العمر بضعا وستين سنة، لكن حياته المليئة بالدروس والعبر ظلت طويلة رغم وفاته وكذلك ستبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. رضي الله عنك يا سيدنا بلال وجعل مقامك في عليين.

في الحلقة القادمة (إن شاء الله):

سلطان العلماء وبائع الملوك .. العز بن عبد السلام

“ما أرضى أن يقبل السلطان يدي فضلا عن أن أقبل يده”.