مقدمةللمبشرات أهمية بالغة في الشريعة الإسلامية الغراء، فهي ترسم للمؤمن خط السلوك إلى ربه، وتجعله يمشي على نور من ربه، وتريه ما يستقبله من خير في الدنيا والآخرة إن هو سار على صراط ربه المستقيم، والتزم الهدي الإسلامي في التعامل مع الغيب.

فما هي المبشرات؟ وما أهميتها؟

هذا ما يعرض له هذا المقال.

المبشرات لغة:قال الإمام ابن منظور رحمه الله: بشَره بالأمر يبْشُره بَشْرا وبُشورا وبُِشْرا، وبشَره به بشْرا، وبشَّره وأبْشَره فبشِرَ به، يقال: بشَّرته فأبْشَر واستبشر وتبشَّر وبَشِرَ: فرِح وفي التنزيل العزيز: {فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به}، وفيه أيضا: {وأبشروا بالجنة}، والبشارة المطلقة لا تكون إلا بالخير، وإنما تكون بالشر إذا كانت مقيدة، كقوله تعالى: {فبشرهم بعذاب أليم}1، والاسم: البشرى والبِشارة والبُشارة، والبشارة اسم لكل ما يدخل الفرح والسرور في القلب، والجمع: مبشرات وبشارات وبشريات وبشائر وتباشير.

والبشائر التي ترد في ثنايا هذا الكتيب تتمثل في ما جاءنا من دلائل تُفرحنا وتُدخل السرور في قلوبنا بعودة عزة هذا الدين وانتشاره في أصقاع الأرض كلها، وانتصار المسلمين العاملين على أعدائهم في الدنيا، وتبوئهم أماكن العزة والمجد والسؤدد، وتنير لحاضر الأمة ومستقبلها طريق الظهور والنصر، وتسدد خطانا على المحجة البيضاء نعود إليها بعدما عماَّها عنا دَخَنُ الفتن، وتعيد للأمة فرحتها المفقودة.

لماذا جاءت المبشرات؟لقد جاءت في قرآننا الكريم وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم وسيرته نصوص أتحفتنا ببشريات مضيئة، تعالج فينا مرض القنوط واليأس والشك، وتبسط أمامنا فسيح الرجاء وتوسَّع علينا فسحة الأمل، وتستنهض همم الرجال وتحفزهم على العمل، وتزيل عنا آثار الخمول والكسل، وتنفض عنا غبار الذل والمهانة، وتنير لنا الطريق في ظلمات هذه الحياة المعقدة، وترسم للمؤمنين المنهج الصائب على درب الهدى والنور، ولتكون عامل ثقة لهم بموعود الله وبلاغ رسوله بما يسُرهم في الدنيا والآخرة من فضل عظيم وثواب جزيل وعطاء واسع، ولتثَبِّتهم على طريق الحق، وتُذهب عنهم الهموم والغموم، وتحرك الهمم الراكدة، وتُفيق النفوس الراقدة، وتُنهض العزائم الفاترة الجامدة الخامدة، وتشجع على المثابرة والاجتهاد، وتجدد ثقتنا بهذا الدين، وتزيل الظلام وتنير الطريق أمام العقول الحائرة، وهي روافد للإيمان، تقوي اليقين وتطمئن القلوب، وتدل على الله، وتُنهض لطلب المعالي، وتُبنى عليها عظائم العزائم والأعمال.

والمبشرات منارات للمؤمنين في جميع أمورهم صغيرها وكبيرها، يستضيئون بنورها في عتمة الجبر والجور، أكرمهم الله بها حتى لا يبقوا متخبطين بدون دليل في هامش الانتظار والانزواء والقعود والجمود، ولولاها لظل الناس تغشاهم سحائب الكآبة وتحيط بهم الأحزان والهموم من كل جانب، “وما تزال حافزا ومطمئنا لقلوب المؤمنين الواثقين بوعد ربهم، وستظل تبعث في الأجيال القادمة مثل هذه المشاعر حتى يتحقق وعد الله مرة أخرى في واقع الحياة بإذن الله”2.

إنها بُشريات تذيب كل يأس، وتدفع كل قنوط، وتثَبِّت كل صاحب محنة، وتريح قلب كل فاقد للأمل من أبناء هذا الدين.

القرآن الكريم كتاب بشرىيحفل القرآن الكريم بالحديث عن المبشرات التي تخرج من القلب اليأس، وتزرع فيه الأمل وتجعله ينتظر الرحمة والروْح وتفسح أمامه أبواب الأمل، والله عز وجل وصف القرآن الكريم بأنه بشرى للمؤمنين فقال جل شأنه: (قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ)، ولقد ورد لفظ البشرى وما في معناه في القرآن الكريم كثيرا، فالقرآن ما أنزله الله إلا {تبيانا لكل شيء هدى ورحمة وبشرى للمسلمين}3، وهو {يهدي للتي هي أقوم، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا، وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما}4.

يقول سيد قطب رحمه الله تعالى: “القرآن إنذار وتبشير وتوجيه لمصارع السابقين و… هذه البشرى للمؤمنين المتقين، وذلك الإنذار للجاحدين الخصِيمِين هما غاية هذا القرآن”5، وهو إنذار للناس بعاقبة المخالفة، وتبشير للمؤمنين بعقبى الطاعة، فالإنذار للناس جميعا، والبشرى للمؤمنين وحدهم، قال الله تعالى: {فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين، وتنذر به قوما لدا}6.

الرسول البشير النذيرواللهُ تعالى ما بعث سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم إلا ليبشر المؤمنين بما لهم عند الله من الكرامة والنعيم المقيم الخالد، والعطاء الذي لا ينفد ماكثين فيه أبدا، وليكون نذيرا للغافلين بما ينتظر المسيئين من عذاب ونكال، حتى لا يؤخذوا على غِرَّة، قال الله تعالى عن القصد من إرسال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: {وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا}7، وقال في سورة الأحزاب: {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، وبشِّر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا}8، فمن الوظائف المهمة لهذا النبي أن يكون شاهدا علينا، وأن يكون مبشرا لنا بما ينتظر العاملين منا من رحمة وغفران، ومن فضل وتكريم، ولقد دعا صلى الله عليه وسلم طيلة حياته إلى التبشير بدل التنفير، والتيسير بدل التعسير، وعمل بذلك، فمما روى عنه أصحابه الأجلاء رضي الله عنهم في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا) 9، وهو الذي أمر عددا من صحابته بالتيسير على الناس وتعليمهم وتبشيرهم، فكان مما قاله لأبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما لمّا بعثهما إلى اليمن: (ادعوا الناس، وبشرا ولا تنفرا ويسرا ولا تعسرا)10.

وكانَ من هدْيه صلى الله عليه وسلم في الشدائد التبشيرُ وضربُ المثلِ بالسابقين، إشارةً إلى سنّة الله تعالى في خلقه، يقول خبّاب بن الأرثّ رضي الله عنه: شكَونا إلى رسول الله وهو متوسِّدٌ بردَةً له في ظلِّ الكعبة، فقلنا له: ألا تستنصِر لنا؟! ألا تدعو لنا؟! فقال: (قد كان مَن قبلكم يُؤخذ الرجلُ فيحفَر له في الأرض، فيجعَل فيها، فيُجاء بالمِنشار، فيوضَع على رأسه، فيجعَل نصفين، ويمشَط بأمشاطِ الحديد ما دونَ لحمِه وعظمه، فما يصدّه ذلك عن دينه. واللهِ، ليتمَّنَّ الله هذا الأمرَ حتى يأتي الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئبَ على غنمِه، ولكنَّكم تستعجلون)11.

فقد كان النبي يبشّر العصبة المؤمنة بالنصر والتمكين وهم تحت وطأة التعذيب، ويزرع في نفوسهم الأمل ويبشرهم بأن المستقبل لهذا الدين، وأن هذا الإسلام ستفتح له البيوت كلها، وكان عليه الصلاة والسلام يعجبه الفأل الحسن، ويحتفي بالمبشرات ويُعظِّم شأنها.

ورسل الله جميعا عليهم السلام ما بُعثوا إلا {مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} ولكي لا يقول الناس يوم القيامة ما جاءنا من بشير ولا نذير.

——————————————–

1- لسان العرب لابن منظور (4 .61).

2- في ظلال القرءان سيد قطب ص 3559.

3- سورة النحل الآية: 89.

4- سورة الإسراء الآية: 9.

5- في ظلال القرءان سيد قطب ص 2321.

6- سورة مريم الآية: 97.

7- سورة الإسراء الآية: 105.

8- سورة الأحزاب الآية: 47.

9- رواه البخاري عن أنس بن مالك كتاب العلم باب ما كان النبي يتخولهم بالموعظة.

10- رواه مسلم كتاب الأشربة باب أن كل مسكر خمر.

11- رواه البخاري.