مرّت سنتان على اتخاذ أعلى سلطة في البلاد قرارها الغاشم تشديد حبل الخناق المضروب على جماعة العدل والإحسان منذ نشأتها، سعيا لوقف زحف الجماعة النورانية المباركة، والحد من تغلغلها الصاعد وسط الشعب، بعد أن فشِلت كل الخطط السابقة في القضاء عليها ووأدها. قرارٌ كان لزاما على وجوه السلطة المخزنية الجدد وواضعو فلسفتها الأمنية الجديدة القديمة إيجادَ دافع له، تثبيتا منطقيا لأسس “دولة الحق والقانون” فاتحة كتاب حياتهم، وانسجاما مع “مفهومهم الجديد للسلطة” الذي من مبادئه المعلنة مخاطبة الشعب، ومصارحة المواطنين بما يقع ويحدث. “مفهوم جديد” أرادوه بداية خيْـر وفيْض “عهدٍ جديد”، يقطعون فيه مع أساليب الماضي الدموي الكئيب الذي لم يكن فراعِنتهُ يعرفون شيئا اسمه الإخبار. إخبار شعب “جاهل” “خرافي” “جِلـْف” يُجَرِِّؤُه عليهم وعلى أصحاب السمو والمعالي الشرفاء التقدميين المثقفين، ويدفعه للسؤال عما لا يمكن كشفه من فضائحهم الأخلاقية وجرائمهم السياسية.

قال وزير داخلية “العهد الجديد” لوكالة الأنباء الفرنسية يوم 24 ماي 2006 شارحا قرارَ الخنق، ناسجا على منوال أستاذه في الكذب ونشر الأراجيف الذي مكث ربع قرن على رأس “أم الوزارات”، القائل يوما بصفاقته المعهودة أمام البرلمان: إن حصار الأستاذ عبد السلام ياسين هو “حماية”1 له، قال الوزير الجديد: “بتكثيفها للأنشطة تكون جماعة العدل والإحسان قد وضعت نفسها خارج دائرة القانون”. كلام أخرق لئيم مُستخِف بالعقول، يبعث على الشفقة مما آلت إليه أحوال السياسة في هذا البلد.

كان تصريح وزير الداخلية إشارة ضوئية لآلة “الأمن” التي لا تصدأ ولا تعطـَب لتتحرك وتشتغل. أضع كلمة الأمن بين مزدوجتين تقديرا للمهنة الشريفة التي أراد لها الماسكون برقبتها كبراء المخزن غير ما أُنشِأت من أجله، وتنزيها لجُلِّ رجالها المُضَعَّفين المُفـَقـَّرين، الذين يكابدون، غالبا في خرجات تافهة، تحت قهر قيادة مخزنية عاتية لا ترحم من طول سهر، ولا من كثرة وقوف، ولا من لفح شمس، ولا من لدغ برد، ولا من فرط جوع أو نوع. قيادة جبّارة مستعلية فاحشة الغنى تستعبد رجل الأمن الضعيف، تعُدّّه كلبَ حراسة، مهمته حماية الحاكم، السيد النبيل الشريف.

لِنـُسَمِّها إذا آلة الحصار. حصار جماعة يعكف أعضاؤها، في لقاءاتهم النورانية التي قل نظيرها في هذا الزمان، على ذكر الله، والإخبات إليه، ومدارسة كتابه وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.

آلة عجيبة هي من ابتكار المخزن مائة بالمائة. كل آلات النظام المخزني الاقتصادية والإدارية والصحية والتعليمية وهلمّ جرًّا توقفت منذ زمن إلا آلة الحصار. آلة عجيبة رائدة راقية تكشف عن عبقرية الصانع المخزني، يَخرَس إزاءَها أولائك الذين لا يَكُفون عن اتهام المغرب بأنه لا يصنع شيئا.

لِنحاولْ فكَّ بعض أجزاء هذا الجهاز العجيب، لِنرََ كيف يشتغل، وما هي صفات دواليبه، وكيف تدور وتمور في الميدان؛ أي لنقتصر على الحديث عن الحصار الميداني الآني المباشر وشبه المباشر ومراميه، دون الحديث عن الحصار العام2. وطبيعي أن هذه الصفات بعضها يرتبط ببعض، وبعضها ينتج عن بعض. فهي متداخلة متشابكة تشابك أسلاك الآلة:

– المباغتة:

تطويق مقر أو اقتحام دار أو توقيف حافلة وإفراغها من الإخوان أو خطف أخ… يتم بغتة، مثلما تفعل الضواري أو الطيور الكاسرة. والرسالة واضحة: نحن موجودون! ونتَـقـَفـّى جميع حركاتكم وسكناتكم. لا تخفى عنا خافية.

و من الغايات أيضا إرباك الإخوان4، فلا يدرون ما يقدمون وما يؤخرون، فـَيَهون تشتيتهم أو اعتقالهم.

– التضخيم والمبالغة:

وفود طوائف ضخمة من الجيوش الأمنية بعُددها وتهاويلها 5 لمحاصرة أو اعتقال عشرات. غايتُهم بث الرعب في نفوس الإخوان، وأن ينظر الناس إلى اجتماعات الإخوان المباركة نظرة ريبة وخوف، وأن يظنونها تهدِّد السلم والاستقرار، وخارجة عن القانون؛ وأن يشمئز جهلة الجيران سيّما ذوو الطبيعة المنغلقة والذهنية الرعوية من الجماعة كلها؛ وأن يكرهوا صاحب البيت وأسرته، وربما ضايقوه نيابة عنهم لأن إقامته بينهم مصدر إزعاج دائم.

– الكذب والتضليل:

يستغل قادة الأجهزة الأمنية الميدانيون وخلفاؤهم والمخبرون كلالة بصيرة جزء من المثقفين وانطوائهم على ذواتهم، وأمِّية العامة السياسية وبعدَها عن الشأن العام، وانشغالَها بما يملأ البطن، وجهلَها بالدين، للكذب على الجماعة. كقولهم إنها غير قانونية، لا ترخيص لاجتماعاتها وأنشطتها؛ أو انقلابية إقصائية لا تؤمن بالديمقراطية وحقوق الفرد والاختلاف؛ أو إرهابية تكفيرية تعِد العُدة للسيطرة على مقاليد الحكم بقوة الحديد والنار؛ أو صوفية مبتدعة يقدس المنتسبون إليها “الشيخ”، ويتوسلون إليه في صلواتهم، ويُقبـِّلون حيطان بيته، ويُحضِّرون الأرواحَ في سكون الليل، وينبُشون قبور الأولياء، إلى آخر ذلك من التهاتِه والأباطيل.

– الدعاية وتشويه السمعة:

إن كان الكذب والتضليل يَمُسّان مشروعَ الجماعة بشكل عام، فإن الدعاية المغرضة وتشويه السمعة يقعان على عضو بعينه ويخصّان حياته الشخصية. عملية يُسخـَّر لها المقدمون والشيوخ وأعوان السلطة وصغار المخبرين، الذين يتقنون تلطيخ الأعراض وتلفيق التهم، وقذف الرجال والنساء بأخس الأوصاف وأحط النعوت. يمكرون في ذلك بالناس بأسلوب “بيني وبينك” و”قيل، والله أعلم”، مستفيدين من ميل بني آدم المرضي إلى القيل والقال وشقشقة اللسان.

فإن كان عضو الجماعة طالبا عزَبا فهو يستصحب الفتيات. وإن كان فلاحا فهو يحشر أنفه فيما لا يعنيه. وإن كان من العمال عُـدّ من الجهّال، وقيل إن صنعته رديئة. وإن كان تاجرا أو صاحب دكان، فهو يَضربُ الأسنان، أو يُخسِر الميزان. وإن كان مُدرِّسا، فهو لا يشرح جيدا ويكثر الغياب. وإن كان طبيبا أو مهندسا أو محاميا، فهو لص. وإن كان عاطلا، فحاله ليس من الدين. أما إن كان مسؤولا عن تربية التلاميذ، تربيتهم على طاعة الله ورسوله والوالدين وعلى الإقبال على الدراسة والتحصيل، ويخصهم بجهد وعطف زائدين، فهو، أيّا كان عمله، “يستغلهم جنسيا”.

و إن كان عضو الجماعة امرأة، فالتهمة الجاهزة معروفة.

– التهديد:

و يكون إما مباشرا، حيث يعمد مسؤولو السلطة أو الاستخبارات قبيل الإنزال “الأمني”، أو أثناءه، أو داخل مقرات الشرطة، إلى تهديد الإخوة بكسر العظام وسلخ الجلود، أو قطع اللسان وقلع العيون، أو الطرد من العمل، أو الاغتصاب أو اغتصاب أمهاتهم وزوجاتهم، أو السَّجن، أو النفي إلى مُطبـِق6 في قفـْر رهيب. والمراد ليس دائما الإبعاد عن الجماعة، بل قد يكون فض الاجتماع بأقل جهد ممكن، أو اجتناب التطويق البوليسي المُحرج أو المواجهة المكلـِّفة، أو انتزاع اعترافات والحصول على أخبار ومعلومات…

و يكون غير مباشر، كأن ينشروا ذلك بين الناس، أو بين الآباء والأمهات بالتسريب الخفي البطيء.

– الاستعداء والتضييق:

و هو أسلوب يلجأ إليه لاسيّما القـُوّاد معتمدين على سلطاتهم الواسعة للحد من تحركات أحد الأعضاء. كتحريض صاحب المنزل على طرد الأخ المكتري، ورب العمل ضد الأخ العامل، والرئيس ضد المرؤوس، واللائحة طويلة. وينتج عن ذلك مضايقات في الإدارة أو في مقر الشغل تتعدد أشكالها وتختلف أساليبها، ولا تنتهي إلا لتبدأ من جديد. كالمنع من الحصول على وثائق إدارية أو التـلكّؤ عن تسليمها (جواز السفر، وثائق تعريف، إذن بالبناء، “رخصة” السياقة…).

– الرَشوُ والإِِغراء:

يُعرض على الأخ مال وفير، أو راتب شهري، أو منصب مُميَّز، أو إجازة استغلال قطاع مهني (نقل…)، أو نعمة سابغة، أو شغل كيفما كان إن كان مُعوزا، مقابل الانسحاب من الجماعة أو التجسس عليها. هذا بالنسبة لجميع الأعضاء. مال يكبرُ حجمُه، ومنصب يزيد بريقه، كلما علتْ رتبة الأخ في الجماعة وكبرت مسؤوليته فيها. ومقابل شقّ صف الجماعة، أو تليين مواقفها، أو تغيير مسارها، أو التنازل عن بعض مطالبها، بالنسبة لقادتها المؤسسين، والرجال ذوي السابقة والمهام العظيمة والتأثير الذين يتقدمون في التنظيم.

– التجسس:

التجسس على المكالمات الهاتفية والرسائل الإلكترونية، مراقبة البيوت ليل نهار، تعقب الحركة ورصد اللقاءات، زرع أجهزة التنصّت داخل المقرات، ووضع أخرى لاقطة بالقرب منها. كل ذلك بأحدث الوسائل وأرقاها. وهناك تجسس مباشر كأن يسعى مخبر إلى الإخوان طالبا الانضمام إلى الجماعة، مهمة لا يوكلونها إلا لمن أظهر جرمَه مخافة أن يصبح من المتعاطفين مع الجماعة.

والعملية ترمي إلى مراقبة توسع الجماعة، وإحصاء أعضائها، وضبط المساندين لها، ومعرفة مشاريعها التغييرية وبرامجها المستقبلية للتصدي لها، أو سرقتها ونسبها إلى عبقرية الدولة إن وافقت أهدافها. كما ترمي إلى إبعاد القائمين على مؤسسات الدولة الكبرى ومراكزها العليا عن صوت وتأثير الجماعة. ويجدر التنبيه إلى أن من بين أهداف المراقبة القريبة من البيوت زرع الرعب في نفوس الجيران.

– التنكر والتخفي:

الحصار “الأمني” المكشوف، والمراقبة “البوليسية” المفضوحة ليس يُعمل بهما دائما، في جميع الحالات. هناك الحصار “الأمني” السرِّي، والمراقبة “البوليسية” السرية.

أما المراقبة السرية فهو أن يأتي مخبر أو عون سلطة قرب المكان المقصود (منزل، مقر جمعية، مدخل جامعة…)، متقمصا ثياب بائع حلوى مثلا، إن كانت المراقبة ستطول، أو متنكرا في صفة غريب يبحث عن الكراء، أو مختبئا في سيارة حينما يكون الوقت ليلا…، إن كانت سويعات المراقبة معدودة. هذا بيِّن.

أما الحصار السرِّي، فهو لجوء أجهزة السلطة إلى وضع حواجز”أمنية” ضئيلة العَدد والعُدة بعيدا عن المكان المقصود، لمنع الناس من رؤية الفيالق العسكرية وهي تحاصر، أو تعتقل، أو تهوي ضربا ورفسا على الأبدان الطاهرة. فإذا عرَضَتْ لأحدهم حاجة لسلوك موقع الجريمة واستفسر عن سبب المنع، وارَبَه أحدُ أحناش السلطة قائلا: إن الأجهزة العتيدة تباشر إطفاء حريق، أو تسعى للقبض على مجرمين قتلة، أو تحمي موكب عامل الإقليم…أسلوب شيطاني يتم تطبيقه متى تطرَّفَ مكان الاجتماع، أو وُجد في شارع لا يجتاز به الناس، أو كان في حي حديث قليل السكان، أو كان في إحدى ضواحي المدينة إذ نظم المؤمنون خَرجَتهم. ومن الأمثلة أيضا، أنهم لا يوقفون الحافلة التي تقِل أعضاء من الجماعة إلى مدينة أخرى، قصد المشاركة في مسيرة أو حضور إحدى اللقاءات الكبرى، حتى تبتعد عن المدار الحضري لمدينة الإنطلاق ببضع كيلومترات. آنذاك يعمدون إلى إنزال الإخوان والأخوات منها، ثم يعتقلونهم أو يتركونهم يتدبرون شأنهم في الخلاء.

و من التخفي أن يمتنع المسؤولُ “الأمني” عن تسليم دعوى مكتوبة مُوقـَّعة إلى العضو المراد استنطاقه أو تهديده أو غير ذلك،أو عن تسليم قرار يمنع عقد محاضرة أو ندوة صحفية أو تأسيس جمعية…فالنظام المخزني حريص على ألاّ يترك بصمات لجرائمه.

– النهب والتخريب وإغلاق البيوت:

عند اقتحام منزل أو مقر جمعية، أو منع نشاط في الجامعة أو مخيم في الشاطئ، لا يكتفي الساهرون على “أمن” الناس وأملاكهم باعتقال هذا أو كسر ضلوع ذاك، بل يسرقون نفائس البيت، ومن بينها الحواسيب أو أقراصها الصلبة لأهميتها الإخبارية، أو يسرقون أمتعة الإخوان ولوازم خرجتهم أو اصطيافهم. كما يعمدون إلى تهشيم أو إتلاف ما لا يريدونه من أثاث وأجهزة، متظاهرين بالبحث عن وثائق، أو أسلحة، أو “عناصر إرهابية” هم أول من يعرف يقينا أنها لا وجود لها حتى في الخيال. إذ بعد انسحابهم، يصبح المنزلُ كأنه احتضن فيلا هائجاً.

و قد يلجؤون، بعد كل هذا، إلى إغلاق البيت بقرار من المحكمة “الموقرة” وطرد سكانه منه.

يسعون من وراء ذلك إلى إفقار الأخ صاحب البيت، وضرب أسرته مكمن قوته ضربة قاضية، وإثارة زوجته ضده، لطبيعة المرأة التي تأبى شظف العيش وقلة ذات اليد، ولما جُبلت عليه إجمالا من عدم القدرة على تحمل البلايا والخطوب لا سيّما إن كانت ضعيفة الإيمان.

و من أعجب عجائب هذه الآلة “الأمنية”، حجزها القرآن الكريم ضمن الأجهزة الأكثر تهديدا لاستقرار البلاد.

– الإهانة والضرب:

و ميادينهما بيوت أعضاء الجماعة ومقراتها، أو مراكز السلطة السياسية، وأهمها “الجماعات” و”القيادات” و”العمالات”، أو مخافر الشرطة والدرك والمعتقلات السرية، أو الساحات العامة.

أما البيوت والمقرات، فأثناء الحصار أو الاعتقال أو الاقتحام. وأما مراكز السلطة، فأثناء تلبية الدعوى والمثول أمام خليفة أو قائد أو باشا أو عامل. وأما مخافر الشرطة والدرك والمعتقلات السرية، فبعد الاعتقال أو حين الاستنطاق وتحرير المحاضر. وفيما يخص الساحات العامة، فعندما تكون مسرحا لتظاهرة سلمية، أو مسيرة، أو وقفة احتجاجية.

والإهانة أشكال، منها : السبّ، والتـفحـّش، والتـفـْل7، والهزْء، والازدراء، والقذف، ناهيك عن المُماطلة والتهديد.

أما الضرب، فأضعفُه اللطم، واللكم، والركل، والرفس. وهنالك، خاصة أثناء التظاهر، فلـْق الرؤوس بالهراوات والدبابيس، وكسر العظام.

و يهدف النظام من هذه الجرائم إلى الظهور بمظهر ذلك النظام القوي الذي ما زال ماسكا بزمام الأمور، قادرا، مثل سابقه إبان سنوات “الرصاص الحي”، على البطش بمعارضيه والقضاء عليهم.

– خبط العشواء والاستهتار:

أثناء الاعتقال أو الضرب، لا تفرق الأجهزة “الأمنية” بين رجل وامرأة، وبين كهل وطفل، وبين عجوز ورضيع، وبين سليم وزَمين8. بل قد يشمل الاعتقال أو الضرب أحيانا المرأة دون الرجل، والطفل دون الكهل، والزمين دون السليم. ثم من ابتلاه الله يوما بمعاملتهم لا يتلمّح ما سوف يقدمون عليه، فلا يدري تبعا لذلك كيف الفعل وكيف القول. وهذا يبلغ مداه داخل أقسام الشرطة، إذ لا يدري المعتقل متى سيُكَلمونه ومتى سيستنطِقونه، وكم سيمكث هناك، وهل سيطلقون سراحه أم لا ومتى، ولم هذا الاعتقال… إنها صفات الحكم المطلق الذي ساد في القرون الوسطى، الذي لم يكن يخضع لقانون أو منطق يراعيان كرامة البشر. وكأن المخزن يقول: إنني ما زلت كما كنت في السابق أتصرف وفق ما تـُلزمُنيه مصلحتي وبقائي أبد الدهر، لا أعترف بقوانينكم ولا يهمني بشر. فقد أشبعكم ضربا، وقد أزجُّ بكم في السجن، وقد أنكـّل بكم وأقتـِّلكم تقتيلا.

– التشكيك:

و هو أسلوب لا تملك شياطين الإنس والجن إلا أن تقف أمامه وقفة إكبار وانبهار. ذلك أن موظفي الاستخبارات أو مسؤولي السلطة كالقواد وخلفاؤهم يعمدون، أثناء استنطاق أحد الإخوة أو فقط حديثهم إليه، إلى تشكيكه في ماهية الجماعة، ومشروعها العدلي الإحساني، وغايتها الربانية، أو في رجالها العظام، سيّما القياديين الذين قل نظراؤهم في هذا الزمان علما وعملا. أسلوب ينهجونه خاصة مع الواردين الجدد والأعضاء الذين لا يحتلون مواقع متقدمة في التنظيم. وإليكم بعض خبائثهم، أما القائمة فطويلة طول ألسنتهم:

– إن الجماعة لا تملك مشروعا لتغيير حال البلاد. مشروعها الوحيد هو تحفيظ القرآن، وبناء المساجد، وحكاية الرؤى.

– لا رجل في الجماعة إلا الشيخ ياسين، فإذا رحل ضعفت الجماعة، وتفرق شملها، وتشتت أعضاؤها.

– الشيخ ياسين، نعم. فهو علاّمة ومثقف… أما أتباعه بمن فيهم أعضاء مجلس الإرشاد فمعظمهم رجال تعليم بسطاء أو حرفيون أمِّيون ( الحديث هنا موجه لأخ ذي شهادة عليا ).

– إن قياديي الجماعة يفاوضون النظام الآن سرّا. وقد باح لي بهذا عامل إقليم كذا أو رئيس كذا…

– إن الأخ الفلاني (أخ بارز) صديق لي.

– إن قياديي الجماعة يضربون في طول الأرض وعرضها ويجوبون القارات الخمس على ظهوركم9 للسياحة والترفيه. ألا ترى إلى سياراتهم البراقة ومنازلهم الفخمة.

– أين هم إخوانك؟ لم يسأل عنك أحد منذ أمس ( والكلام هنا موجه لمعتقل معزول أو مختطف ).

– نحن لا نعتقل قادتكم لأن لهم اتفاق مع الدولة ( أو لأن لهم حماية خارجية ).

– الخطف ثم التعذيب10:

و يُستنجَد بهما عندما تفشل كل أساليب الحصار والقمع السالفة الذكر ضد عضو من أعضاء الجماعة المباركة قويَ عودُ رجولته، ورسَخَ ولاؤه لله، وارتبَط بالجماعة ارتباط الرضيع بالمُرضع. أخ مبارك أغاظ النظام المخزني بحركته الطيبة وسط الناس إذ يستجيبون، ونورانيته داخل محيط أراد سَدَنة المخزن أن يبقى مظلما. جُرْم خاصيته أن أمر مقارفته لا يُوكَل إلاّ لمن سفكوا دماء، أو هتكوا أعراضا، أو سافدوا ذكرانا، أو لفسقة المخبرين ممن طلقوا الخير ثلاثاً. غايتهم أن يهرب الناس من الجماعة هروبهم من السباع.

و ما يميز التعذيب عن الضرب هو أن التعذيب يسبقه تخطيط ونية مُبيّتة وتـَقرار لا رجوع عنه، ويسبقه اختطاف مُرَوِّع يزلزل النفس.

– المحاكمة والحَبس:

المحاكمة على وجهين:

أولا، المحاكمة التي تنتهي بتبرئة الأخ مما نسِب إليه، وهو غالبا “الإنتماء إلى جماعة محظورة”، و”عقد اجتماعات غير مرخص لها”… وهدفها الرئيسي شغل القلب، وتشتيت الفكر، وإنهاك الأعصاب. وهناك هدف ثان هو استفزاز المشاعر. إذ لا يعدم الماثل أمام قضاء فاسد، والحديث هنا عام، أن يرتبك ويقع في “محذور” يعاقب عليه القانون.

ثانيا، المحاكمة التي تنتهي بالحبس بناءً على محاضر مزورة، وتهم ملفقة من لدن الأجهزة الإستخبارية السرية. وهي محاكمة مهزلة ومسرحية هجينة، يلعب فيها قضاة الإرتشاء والإنحناء “للأوامر العليا” أدوار البطولة.

وغاية “صقور” المخزن هؤلاء تركيع الأخ، وإضعاف الجماعة، ودفع الناس للانكماش في بيوتهم ضاربين بأذقانهم الأرض11.

تلك أبرز دواليب هذه الآلة العجيبة وأوضح أهدافها. أما الأمثلة التي وردت فهي غيْض من فيْض.

ويستنتج من هذا شيئان:

أولا، إن النظام المخزني يستغل لمحاصرة الجماعة ميدانيا عاملين أساسيين: الأمية الدينية والأمية السياسية.

ثانيا، إن أساليب المخزن المتبعة لمحاصرة الجماعة، التي تتغير وفق الظروف والمعطيات الميدانية والوطنية، تعكس توحله في ورطة: فإن حاصر أعضاء الجماعة وحظر أنشطتهم بشكل سافر، وقمع وسجن وعذب دونما سبب، زاد تعاطف الناس معهم، وانتشر خبرُهم، وظهرَ صدقهم، وزادت أعدادهم، وسطعَ طيبُهم ؛ ثم إن السجن مغامرة طائشة غير مأمونة العواقب، فكم سيَسجُن المخزن ومنْ؟ القادة فقط أم أعضاء الجماعة الذين يُعدون بمئات الآلاف؟ فإن حبس القياديين، فسيبقى الأعضاء يدْعون ويكتسحون الميادين مُعطـَّرين بصدق القيادة؛ وإن وقع في حماقة وصبيانية سَجن الجميع، فتلك ضربة قاتلة لمشروعية النظام السياسي. وإن رفعَ عنهم الحصار وفتحَ الأبواب، اكتسحوا الميدان، واكتسبوا الأنصار، وحشدوا التأييد، واجتمع حولهم الناس اجتماع النحل حول العسل. وعليه، فإنه لا يمكن، في زعمهم، لحصار أن ينجح ضد الجماعة سوى حصار بهذا الشكل. ولا توجد في ظنهم آلة يمكن أن تتصدى لزحف الجماعة إلا هذه الآلة العجيبة، في فرِّها وكرِّها، في قمعها وعفوها، في ظهورها واختفائها.

——————————————–

1. التصريح لوزير جرائم الداخلية إدريس البصري (رحمه الله) داخل البرلمان يوم 20 دجنبر 1996.

2. انظر لزيادة المعرفة بموضوع الحصار كتاب الأستاذ فتح الله أرسلان: عبد السلام ياسين. حصار رجل أم حصار دعوة؟، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، 1996؛ وكتابي الأستاذ عبد العلي مجدوب: التناوب على الحصار، مطبوعات الهلال، وجدة، 1999؛ ويستمر الحصار، منشورات صفا كرافيك (مطابع إفريقيا الشرق)، 2001.

3. لا تفـْهَمَن أخي القارئ أني أغفلت ذكرَ الأخوات، فحديثي يعم الرجال والنساء، الإخوان والأخوات. وتغليب الرجال من سنن العرب وهو ما أثبته الله عز وجل في كتابه العزيز.

4. التهاويل: الألوان المختلفة. (القاموس المحيط)

5. المُطبـِق: السِّجن تحت الأرض. (المنجد في اللغة والأعلام)

6. تفـَل: بصق وطرح التـُفل أو التـُفال.(المنجد في اللغة والأعلام)

7. زمِنَ: أصابته الزمانة، وهي العاهة أو عدم بعض الأعضاء، فهو زمن وزمين. (عن المنجد في اللغة والأعلام)

8. المقصود: على حساب جيوبكم. والإشارة إلى مساهمات أعضاء الجماعة المالية.

9. التعذيب أشكال. راجع منشورات جمعيات حقوق الإنسان.

10. ضرب بذقنه الأرض: جبُن وخاف.(المنجد في اللغة والأعلام)