من البديهي أن النظام السياسي الذي يفتقر إلى مشروعية حقيقية مبنية على قاعدتي الاختيار الحر في مقابل السمع والطاعة من جهة الشعب، وعلى القوة والأمانة مع الشورى ضمن سياق الإسلام من جهته، هو نظام فاقد لكل مقومات السيادة النفسية والفكرية والعاطفية على نفسه أو على غيره.

وهو لا شك نظام تصيبه مظاهر الأزمة البنيوية والوظيفية في تدبيره للشأن العام وتسييره لأمور الدولة، على اعتبار أن سلوكه يرتكز على معطيين رئيسيين. فهو من جهة يخطط لحاضر البلاد ومستقبل العباد عن طريق سياسات تحظى بشبه إجماع على أنها فاشلة ابتداء ووسطا وانتهاء، وعائدة لا محالة على مصالح الوطن والمواطنين بالويل والثبور لغياب باعث نشدان المصلحة العامة. وهو من جهة ثانية يدبر قضايا الناس ذات الأبعاد المصيرية وفق منهجية منفردة تكون محصلتها الإيجابية، إن وجدت، أسرع تحللا من بقايا أوراق في مستنقع راكد لضمور وازع المسؤولية والرقابة.

هذه الآثار السلبية التي يخلقها التحكم المطلق للنظام السياسي في الواقع تجعل الجواب الأوحد عن سؤال الوضع المختل ملخصا في العبارة الجامعة والحكمة البالغة “الاستبداد أصل لكل فساد”.

وتطالعنا الحكمة الإلهية التي لا تتأخر بمثال ساطع عن ذلك في مجال الحراك السياسي والتدافع المجتمعي من خلال موقف وزير الداخلية المغربي حين صرح لوكالة الأنباء الفرنسية بتاريخ 24 ماي 2006 بتصريح جـاء فيه أن جماعة العدل والإحسان المغربية “بتكثيفها للأنشطة تكون قد وضعت نفسها خارج دائرة القانون”.

هذا الجواب لا شك أنه ناتج خام لمنطق الاستبداد المتأصل في بنية النظام المغربي، والمتجذر نتيجة حتمية في كل امتداداته وفروعه. كما أنه يشكل إطارا عاما يرسم سمات الواقع الفكري والسياسي والحركي بالمغرب، ويحدد ضوابط التعامل مع القوى الحية والفاعلة فيه.

الاستبداد الفكري ومنطق “النص القطعي الدلالة”

استعمال عبارة “النص القطعي الدلالة” في بيان حقيقة الاستبداد الفكري الذي يمارسه النظام السياسي بالمغرب، إنما هو من باب الاستعارة لتوضيح صلب الصراع الفكري غير المتكافئ، والذي تميل كفته لصالح الفكر المخزني اضطرارا وليس اختيارا. ولا يجب أن يفهم منه أنه إشارة أو تلميح، ولو من طرف خفي، إلى أن كتاب الله تعالى الذي يحوي النصوص القاطعة والأوامر المطاعة والنواهي الزاجرة والتوجيهات السديدة، التي لا يملك معها الإنسان غير التسليم والتلقي بنية التعبد والتنفيذ، هو أيضا فيه بعض استبداد. تنزه كتاب ربنا عز وجل عن النقائص وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

يفترض في الوضع الطبيعي الذي يتفيأ المجتمع ظلاله على المستوى الفكري أن يتسم بتعدد المرجعيات الفكرية، وتنوع المشاريع المجتمعية بما يضمن تعدد وجهات النظر وحصول الزخم في الأفكار المتولدة. وهو أمر يسمح بتنشيط الذاكرة الجماعية للأفراد بحثا عن التوجهات الفكرية المناسبة لحياة الأمة والواعدة بغد أفضل، بعد إعمال دقيق للعقل في كليات وتفاصيل هذه المشاريع ومقترحاتها وتصوراتها تجاه مختلف القضايا.

هذا المناخ يتيح للإنسان أن يتحرر من سجن الأمية الفكرية والمعرفية، ليتأهل تدريجيا لاعتناق المشاريع الصادقة التي بزت أقرانها بتماسكها وفاعليتها وأصالتها. ومن ثم يكون الفرد عاملا مهما من عوامل البناء، لخضوعه لعملية اقتناع حقيقية بالمنظومة الفكرية التي ينتسب إليها بعد أن : “تتزاحم الأفكار والمبادئ أمامه، فيؤثر منها ما يراه أولى بالاعتناق، وأجدر بالإتباع، فإذا اختار فكرة ما خلطها بشعوره، ورأى على توالي الأيام أنها أصبحت شطر نفسه، ثم تمتزج بعقله وعاطفته، فيصدر عنها في تصرفاته”1. وهو ما يكسبه على الأقل دافعا إيديولوجيا للتفاني في خدمة مشروعه وتحقيق أهدافه على أرض الواقع.

على العكس من هذا يسعى النظام السياسي المستبد لصناعة واقع فكري تقصى فيه جميع الأطراف المعارضة له. فهو من ناحية يسيج ثقافة الشعب وفكره بسياج شائك من المسلمات المعرفية التي ترسم حدودا للعقل يمنع تجاوزها، ويسن من ناحية أخرى القوانين وينصب العراقيل ليمعن في محاصرة الفكر الحر ووأده في مهده، لأنه يعي أنه “ما انتشر نور العلم في أمة قط إلا وتكسرت فيها قيود الأسر وساء مصير المستبدين”2.

ومثل هذا يستعرضه التاريخ جليا. فالنظام السياسي المغربي تشهد له جميع الأحداث الداخلية على أن حويصلته المتشبعة بالمبادئ المخزنية تضيق ذرعا بكل توجه انعزل عن ضجيج فلكلوره الفكري المدجن واستلقى على غير بساطه المعرفي المخدر. أما مشروعه الذي ينعت بـ”الديمقراطي الحداثي” فهو يجلب بخيله ورجله على كل مشروع مجتمعي يبدد بالحجة القاطعة والفكرة المنيرة ظلام ترهاته وأوهامه.

ولعل ما يتعرض له كثير من الفضلاء عموما وجماعة العدل والإحسان على وجه الخصوص مما يعلمه الخاص والعام خير شاهد على ذلك. فكتب ومؤلفات الفكر المخالف تمنع من التداول وسط الناس كما هو الحال بالنسبة لكتب العالم الرباني الكبير الأستاذ عبد السلام ياسين حفظه الله، رغم شهادة الألمعيين لها من علماء هذا العصر والمرموقين من مفكري هذا الزمان بالعمق الكبير والموسوعية النادرة والقدرة التحليلية والاقتراحية المتبصرة والسديدة. ولكنها يا للغبن يحجر عليها بمصادرتها وكل ما له صلة بها من قريب أو بعيد.

أما الآراء الحرة فسيف القضاء مصلت عليها وأصحابها متهمون حتى تتثبت براءتهم. وقد حصل ذلك مع الأستاذ محمد عبادي حين تمت محاكمته بتهمة المس بالنظام الملكي في حوار له مع إحدى الجرائد المغربية أثناء تفسيره لحديث الخلافة على منهاج النبوة. وفي نفس السياق توبعت الأستاذة نادية ياسين لأنها عبرت عن رأيها صراحة في كون النظام الجمهوري هو أقرب من النظام الملكي بالمغرب إلى واقع الديمقراطية والحرية.

أما تأطير عموم الناس والمواطنين بالفكر المتحرر من قيود العبودية وأغلال الارتهان لنظريات الاستعباد المخزني فقد أصبح جريمة نكراء تستنفر لها الإمكانات لمنع حصولها. وما نموذج منع الأساتذة عبد الواحد المتوكل ومنير الركراكي وحسن بناجح من تأطير الطلاب داخل الحرم الجامعي، واعتقال الأستاذ مبارك الموساوي أثناء تأطيره لندوة فكرية بتنجداد عنا ببعيد.

وغير هذا من الأمثلة كثير في المنع الذي يتعرض له أطر العدل والإحسان. وليس ذلك مما يستغرب له لأن “الاستبداد والعلم ضدان متغالبان، فكل إدارة مستبدة تسعى جهدها في إطفاء نور العلم، وحصر الرعية في الجهل. والعلماء الحكماء الذين ينبتون أحيانا في مضايق صخور الاستبداد يسعون جهدهم في تنوير أفكار الناس. والغالب أن رجال الاستبداد يطاردون رجال العلم”3.

فسحقا لهذا الإرهاب الفكري الجبان وبعدا لهذا المنطق المتحجر الذي يورث “الفساد في التصور والسياسة والسلوك”4.

الاستبداد السياسي ومنطق “الحزب الوحيد”

لا شك أن معظم البحوث التي جعلت النظام السياسي المغربي محور دراسة لها وصلت إلى خلاصة جامعة مفادها أن العقل السياسي المخزني، الذي تشكل في ظروف سياسية وتحولات تاريخية معلومة لدى الجميع ومن منطلق خصوصيات ثقافية واجتماعية، أفرز لنا فكرا سياسيا قائما على قواعد راسخة تشرع لاحتكار السلطة والاستبداد بها دون الغير. وهذا يبدو جليا من خلال اعتماد مقولات “المشروعية التاريخية” و”الشرعية الدينية”…

هذا الاحتكار لا يتم في مجال دون آخر بل هو يشمل جميع جوانب الممارسة الإنسانية ومختلف مؤسساتها. ومن ثم فإن تغول الروح المخزنية المتسلطة يحول دون مشاركة التنظيمات في التدبير السياسي لحاضر البلاد ومستقبلها. وهي تتبع لذلك نهجين اثنين:

أولا: خيار احتواء الحركات السياسية التي تقبل المشاركة من داخل النسق السياسي القائم وفق شروط وقواعد متعارف عليها من قبيل “الدستور الممنوح” و”السلط الصورية”… ليتم فيما بعد تمييع بنياتها التنظيمية وإفراغها من وظائفها المنوطة بها في تأطير المواطنين وممارسة المعارضة الحقيقية. فتتجه مع مرور الوقت وبشكل تدريجي نحو الانسلاخ عن مرجعيتها الأصلية ليحدث نوع من التماهي بين المرجعيتين بل الذوبان الكلي في بعضهما البعض لصالح مرجعية النظام السياسي.

ثانيا: خيار إقصاء وإبعاد التنظيمات التي تؤمن بأسلوب المشاركة السياسية المتحرر من قيود الطقوس الرسمية لأن “حرص النظام السياسي في المغرب على التشبث بالقبضة الحديدية على مؤسسات الدولة والسلطة، هو المبرر الوحيد على شراسته في التعامل مع مكونات المجتمع، خاصة المعارضة منها”5.

وتبعا لذلك نجد أن جماعة العدل الإحسان التي يعتبر تغييبها عن معادلة الإصلاح ضربا من العبث وسبحا مع الخيال، وذلك لما تتوفر عليه من مقومات الحركة القوية تنظيميا والنشيطة ميدانيا والممتدة جماهيريا، هي من أكثر الحركات معاناة من آثار هذا الاستبداد السياسي. فمن جهة تجد النظام المخزني يفرض رقابته على مختلف الفرقاء والأطياف السياسية كي لا تتجاوب مع المبادرات الجريئة ذات الطابع البنائي التي ما فتئت الجماعة تدعوا إليها من قبيل “مذكرة إلى من يهمه الأمر” ووثيقة “جميعا من أجل الخلاص” ونداء “حلف الإخاء” والجبهات الموحدة على المستوى النقابي والطلابي والحقوقي… وذلك لأن صانع القرار السياسي يروم “مركزة التدبير السياسي والإبقاء على واقع الصمت وانتزاع حال الرضى عن واقع الأحادية المفرطة في الحكم واستبداد الدولة بالمجتمع” 6.

ومن جهة أخرى فهو يحرمها من منابرها الإعلامية التي تشكل منفذا مهما لكل التنظيمات لممارسة جانب رئيس من جوانب الحراك السياسي، وذلك بدافع التعتيم على وجودها وفرض نوع من العزلة السياسية عليها. وهي عزلة فعلا إن كانت تعني مزايلة الاستبداد وأعوانه، أما إن كانت تعني الانقطاع عن هموم المواطنين اليومية والتواجد في قلب الأحداث السياسية والتغلغل وسط الشعب فالواقع يكذب ما يقولون والشهادة الحية تدحض ما يفترون.

الاستبداد الحركي ومنطق “الحوار العضلي”

التدافع المبني على أساس الأريحية الكاملة في الحركية الميدانية هو الذي يجب أن يشكل إطارا موحدا لمختلف التنظيمات السياسية مهما تعددت مشاريعها في اتجاه الاختلاف الجزئي أو حتى الاختلاف الكلي.

وما دامت قواعد اللياقة وأصول الديمقراطية تفرض أن تتمتع كل الأطراف بقدر كبير من الحرية لتبرهن بالدليل القاطع عن استحقاقها موقع الصدارة في قيادة الشعب، عن طريق ممارسة الفعل المجتمعي تأطيرا وتأهيلا وتجذيرا للتصورات والاقتراحات في كيان الأمة حتى يحصل بها الاقتناع ويتم على أساسها الاختيار، فلا يستساغ أن تجد بيئة سليمة من الاستبداد الحركي تسلك غير هذا السبيل.

ولذلك فالنظام السياسي الذي يكرس مبدأ القطيعة مع الشعب من خلال الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المزرية المعيشة، يلجأ في كل الحالات إلى استعمال المقاربة الأمنية الخالصة ضد التنظيمات التي يلمس استجابة الشعب لدعوتها وفكرها واختياراتها، والتي تزحف على مواقع التأثير ومراكز التواصل وفضاءات التأطير.

وعلى هذا الأساس يبني النظام المخزني بالمغرب نموذج حواره الحركي مع جماعة العدل والإحسان. فكل مداخل الحركية ووسائل الفعل هي من حقه، وكل أشكال الحصار هي من نصيب الجماعة. ولعل مما يغني عن الإفصاح، الحديث عن العشرات من الجمعيات التي تمنع من ممارسة أنشطتها، والمئات من المتابعين في المحاكم بينهم نساء وأطفال قاصرون، وملايين الدراهم من الغرامات التي تهدف إلى الاستنزاف المادي، والمئات من الأنشطة التربوية والفكرية والتعليمية والتثقيفية والترفيهية التي تقبر، والعشرات من بيوت ومنازل الأعضاء التي تنظم فيها الأنشطة تحاصر بعد أن عزت الفضاءات الخارجية، والعشرات من الأطر الدعوية والكفاءات الفكرية والسياسية من خطباء ووعاظ وأساتذة محاضرين ومحللين وخبراء… تمنع من الاتصال بالمواطنين.

وهذا والله مما يندى له الجبين وتخجل منه الضمائر الحية وتستحي منه النفوس الكريمة.

استبداد النموذج ومنطق “نهاية التاريخ”t

بالنتيجة الحتمية فإن النظام المستبد لا يمكنه إلا أن يصنع على أرض الواقع نموذجا جوهره وشكله وبناؤه ومحيطه استبداد في استبداد. وكيف لا والجذور الفكرية قائمة على منطق الإقصاء والإبعاد، والأصول السياسية مبنية على منطق التعتيم والاحتكار، والأساليب الحركية تستلهم روحها من منطق التضييق والحصار. وقديما قيل “لا يستقيم الظل والعود أعوج”. وتبقى الأنظمة المستبدة تمني النفس، وما الأماني إلا أحلام وتضليل، بالحياة الأبدية والعمر المطلق متجاهلة بذلك سنة الله الذي جعل الحياة كالأيام يداولها بين الناس. ويوم تلتقي الحكمة الإلهية مع الإرادة الصادقة تشق الحركة المنصورة بإذن الله عز وجل طريق الخلاص لهذا الشعب المعذب فتزحف على هذا البناء المهترئ تقوض أركانه وتبني على أنقاضه نموذج العدل والأخوة والقوة والاستقلال.

فمهما طال الزمن أو قصر لا بد لمعركة “الحرية المطلب” و”الاستبداد الواقع” أن تنتهي بتحقيق النصر المرجو. فقد “يملك الاستبداد عناصر الغلبة، لكن الواقع أن غلبته لا تصمد أبدا أمام قوة وعمق حركة مطلب الحرية في الواقع العام. لأن مطلب الحرية يتأسس على معاني التعاون والمحبة والجمع، في حين تورث حركة الاستبداد والاستعباد الحقد المجتمعي والصراع والتنافس بالباطل على الباطل “.7

مراجع:

1- محمد الغزالي، كتاب “الإسلام والاستبداد السياسي”.

2- عبد الرحمن الكواكبي، كتاب “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”.

3- المصدر نفسه.

4- محمد قطب، كتاب “جاهلية القرن العشرين”.

5- مبارك الموساوي، مقال “بين يدي متابعة السيدة نادية ياسين..من يحاكم من”، تاريخ النشر 17/03/2006

6- عبد الرحمن خيزران، مقال “النظام السياسي المغربي وشرعنة احتكار السلطة”، تاريخ النشر 08/02/2005

7- مبارك الموساوي، مقال “بين يدي متابعة السيدة نادية ياسين.. من يحاكم من”، تاريخ النشر 17/03/2006.