دراسة وثائقية

بقلم: حسن أوهى / e-mail: [email protected] yahoo.fr

حول التصور السياسي لجماعة العدل والإحسان1- مركزية التصور السياسي في فكر الجماعة

ما هو التعريف الأكاديمي للتصور السياسي؟

التصور السياسي هو تلك الرؤية، هو تلك الصورة العامة بكل أبعادها الداخلية والخارجية للدولة التي يتصور تنظيم سياسي ما إقامتها بعد وصوله إلى الحكم. ولا بد لهذا التصور بهذا المعنى من خط فكري ومنهاج عمل واضح في أساليب التربية والتنظيم والحركية، “فبدون تصور واضح لمنطلق الحركة وسيرها وأهدافها ومراحلها لن نستطيع بناء” يقول ذ. عبد السلام ياسين في “المنهاج النبوي”، ص2.

وهنا نميز بين مفهومين مختلفين للتصور السياسي، لكن مرتبطين ومتكاملين: التصور كخط سياسي ومنهاج عمل ميداني نسير عل خطاه للوصول إلى مركز القرار؛ والتصور كمشروع سياسي نسعى إلى تحقيقه بعد الوصول إلى الحكم.

التصور السياسي بالمعنى الثاني هو الذي يعنينا بالدرجة الأولى في هذا البحث. وهو أمر لا يعوز الجماعات الإسلامية، أو لنقل الفاعلة منها على الأقل حتى لا نجانب الحقيقة والموضوعية. مع اختلاف كبير، من طبيعة الحال، في الدقة والعمق والجدوى. وهذا مرده إلى أسباب سنراها فيما سيأتي.

إن مطالبة الجماعات الإسلامية بتصورها السياسي من باب التعرف والتواصل أمر مشروع لا يختلف حوله عاقلان. ذلك أن الممارسة السياسية المسؤولة في واقع ما تقتضي أولا امتلاك منهاج عمل واضح للفعل في هذا الواقع، وتقتضي ثانيا امتلاك رؤية واضحة عن الصرح الذي نروم بنائه، وإلا كانت هذه الممارسة ضربا من التخبط والعشوائية.

إنما المغالطة الكبرى والأمية السياسية مطالبة الجماعات الإسلامية “ببرنامجها السياسي” بما تعنيه هاتين الكلمتين من دلالات عند العقلاء من أهل التخصص في الوقت الراهن قبل التمكين. ذلك أن البرنامج السياسي خطة تفصيلية للعمل كما سبق، والخطة التفصيلية لا يمكن تسطيرها إلا بتوفر معطيات دقيقة ومفصلة عن الواقع بكل ميادينه ومؤسساته. وهذا لن يتأتى إلا بامتلاك هذا الواقع، وهذا شرطه الوصول إلى الحكم.

يقـول ذ. عبد السلام ياسين في أهمية التصور السياسي وضرورة امتلاكه: “إن طليعة منظمة تريد أن تفوز بإمامة الأمة وأن تقودها إلى النصر لا بد أن يكون لها فكر متكامل وخطة واضحة وآفاق معروضة على الجماهير، مشروحة لما هو البديل الإسلامي، وما مواضعه ومرافقه، وما أهدافه وبداياته وطريقه” (حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص11).

ويقول: “لا بد أن نشرح للشعب وللشباب ماذا يعني التحول الإسلامي الذي نريده بالنسبة للظلم الطبقي، بالنسبة للتبعية، بالنسبة للمستقبل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي لبلادنا…” (المنهاج النبوي، ص219).

أما التنظيمات الإسلامية التي لا تصور سياسي لديها ولا أفق ولا مشروع فيقول عنها: “الذهنية التي تتصور الدعوة معارضة أبدية ونقدا اتهاما تقف عند حدودها ولا تستطيع أن تعيش إلا وسط الفتنة التي من كشف عيوبها وآثامها تتغذى” ( نفس المصدر، ص2).

وفي هذا الكلام دليل واضح مرة أخرى على أهمية التصور وخطورة افتقاده. فيه زيال واضح عن التنظيمات الإسلامية التبسيطية ضيقة الأفق. فيه تميز بين عن أولئك الذين يرون “أن الحركة الإسلامية ينبغي لها ألا تفكر لغد لا يزال في طي الغيب. ينبغي لها أن تركز الجهد على الحاضر، تاركة فضول الترقب لمراحل تأتي” (ذ.عبد السلام ياسين، مقدمات لمستقبل الإسلام، ص9).

وفي كتاب “رجال القومة والإصلاح”، ص 26-25يقول: “لا يكفي أن نطالب بدولة القرآن، وحكم القرآن، دون أن نفصل ما نعني بدولة القرآن. ما هو تصورنا لوحدة المسلمين، واقتصاد المسلمين، ونظام حكم المسلمين، وخصائص حكم المسلمين. من هم خصوم المسلمين وأعداؤهم. من هم أصدقاء المسلمين وحلفاؤهم. ثم كيف ينتقل هذا التصور إلى ميدان العمل. وقبل كل شيء هل الإسلام صالح ليقود ثورة؟ هل هو دين إصلاح؟ هل تكون دولة القرآن امتدادا للخلافات الإسلامية ونسخة منقحة منها؟ أم جمهورية عصرية تأخذ من هنا وهناك؟ أم هي عودة لحضارة الجمل؟”.

هذه السطور المقتطفة من كتب الحبيب المرشد تبين بوضوح وصراحة لا تدع مكانا لأي شك أهمية التصور السياسي بل مركزيته في فكرنا المنهاجي. فما هي محددات تصورنا السياسي وما هي مرتكزاته وما هي ضوابطه؟

2- مـحـددات التصور السياسي لجماعة العدل والإحسان

تلتقي كل الجماعات الإسلامية في أصول تصورها السياسي: القرآن والسنة. لكن كيف نفسر هذه الهوة السحيقة بين تصورات مختلفة، بل متناقضة أحيانا؟!

كيف نفسر هذه التناقضات بين تصورات غاية في القوة والرجولة وأخرى غاية في الركوع والانبطاح، وأخرى عنيفة تكفيرية، ورابعة وديعة منزوية، وخامسة سلبية متدروشة؟

كيف نفهم هذه التناقضات ونتقبلها والأصل واحد والمنبع صاف صفاء ماء المطر؟

يجيب ذ.عبد السلام ياسين عن هذه المعضلة بعمق ويرجعها إلى إشكاليتين أساسيتين. إشكالية العقل والإرادة: فأي عقل ذاك الذي نعمله لفهم الكتاب والسنة؟ وأية إرادة تلك التي نطبق بها تعاليم الكتاب والسنة؟ أهو فهم شمولي عميق أم فهم سطحي تجزيئي تبسيطي؟ أهي إرادة جهادية اقتحامية تقتفي أثر الرسول صلى الله عله وسلم في التربية والتنظيم والزحف أم هي إرادة قاعدة مشلولة تبرر الواقع وتكرسه بدل القيام لتغييره؟

يقول ذ. عبد السلام ياسين: “ما منا إلا من يقول في معرض التحدث والتساؤل عن العمل الإسلامي ومنهاجه ينطق بهذه العبارة الصارمة: “كتاب الله وسنة رسوله”.

لا مراء أن المحفوظ من حفظه الله من الشك في هذا، بيد أن الكتاب والسنة أصلان سماويان، فهما في منتهى الكمال إذا اعتبرناهما مجردين. فإذا نزلنا إلى الميدان، وشهدنا الناس في قابليات الفهم، وإرادة الجهاد، والإخلاص فيه، وجدنا أن تصور كل للكتاب والسنة يخالف تصور الآخرين. فكلما قيل جوابا عن تساؤلنا على عتبة العمل: “الكتاب والسنة”، قلنا: “الكتاب والسنة نقل” فبأي عقل وبأي إرادة نحن مقبلون على تطبيقهما؟” ( المنهاج النبوي، ص212).

هذه إشكالية عميقة لابد من مراعاتها وأخذها بالحسبان لفهم أي جماعة عامة وتصورها السياسي خاصة. لابد للدارس أن يتساءل أولا وقبل كل شيء وهو يرصد هذا التصور أو ذاك عن أسسه ومنطلقاته العقلية والنفسية. لابد أن يتساءل بأي عقل وبأي إرادة تعاملت هذه الجماعة أو تلك مع الكتاب والسنة، إذ على قدر فهم الداعية لهما وعلى قدر إرادته يكون تصوره السياسي. وإذا كان من خلل في هذا التصور وبالتالي في البرنامج فإنما أصله ومرجعه في خلل في الفهم أو الإرادة أو هما معا.

وإذا كان باب القراءة والاجتهاد مفتوحا لمن توفرت فيه شروط الاجتهاد المعروفة، فإنه من الخطأ ومما يشين أن نتعامل مع النص الإسلامي بأفهام تجزيئية بسيطة وبإرادة قاعدة مشلولة لا تمت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ولا إلى أصحابه بأي صلة.

وإنه ليس من الصدق ولا الأمانة في شيء التعامل مع النص الديني بانتقائية ودوافع نفسية تخفي جهلا وضيق نظر، تخفي جبنا وتقاعسا عن قول كلمة الحق.

الصدق والأمانة يقتضيان إعمال الفكر في النص الديني بفقه رباني جامع. والفقه الرباني الجامع “ليس(& ) ما تكدست فيه النقول، وقل الفهم، وارتكست الإرادة(& ).

العلم فهم العقل الخاضع لجلال الله، ونور في قلب من أيده بالإدارة الجهادية” (المصدر السابق، ص213).

ويقول: “جل ما عندنا من فقه سلفنا الصالح فقه فروع لا نستغني عنه(& ) لكن العلم الكلي النافع الذي نحتاج إليه هو ذاك الذي يخط لنا ويعلمنا كيف ننفذ حكم الله في إقامة الدولة وتسييرها، في تنظيم المجتمع وإقامة العدل فيه، في تربية وتنظيم جماعة المؤمنين، في إدارة شؤون المسلمين إنتاجا وتوزيعا ومعالجة للمعاش، في إدارة الاقتصاد ووظائفه، في جعل أمور الأمة شورى بين رجالها من أهل الحل والعقد، في تنظيم الاجتهاد لاستنباط أحكام الله من كتابه وسنة نبيه لهذا العصر ولهذه الشعوب الموزعة في الأرض، وبهذه الوسائل المتاحة، ولهذا الهدف الذي أصبح قبلة للإرادات الجهادية المتجددة” ( نفس المصدر، ص214).

3- مرتـــكـــزا تـــه

لماذا يؤسس الأستاذ عبد السلام ياسين تصوره السياسي على الفهم الكلي العميق لا على الذرية والسطحية؟ وعلى الإرادة الجهادية لا على القعود والانبطاح؟

أما المتركز الأول فجوابه في تعرض الكتاب والسنة لكل مناحي الحياة. يقول الله تعالى: ( ما فرطنا في الكتاب من شيء) (سورة الأنعام الآية 37). وهنا يطرح الأستاذ المرشد مفهوم الفقه الكلي النافع (سبق تعريفه) مقابل الذهنية الذرية العاجزة “عن تصور عمل إسلامي في نسق منتظم على منهاج يرتب الوسائل لتبلغ الأهداف، ويرتب المراحل والأولويات، ويترك في حسابه مكانا للمرونة عند الطارئ المفاجئ والضرورة الغالبة” (نفس المصدر، ص218).

وأما المرتكز الثاني فالجواب عليه بالرجوع مباشرة إلى المنبع الصافي: سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام وصحابته الكرام. فقد كانوا أحرارا مجاهدين للظلم والظلمة ولم يركنوا إليهم ولم يداهنوا. كانوا لا يخافون في الله لومة لائم. وقد سار على دربهم عدد كبير من السلف الصالح واختار آخرون الصبر وعدم الخروج على الظلمة من حكام العض آنذاك حفاظا على وحدة المسلمين وتماسكهم الداخلي مهما بلغ ظلم الحكام واستبدادهم وإفسادهم.

هذا الخيار لم يعد له مبرر اليوم، فالأمة غثاء، الأمة هزيلة مفتتة من الداخل، قصعة وفريسة سائغة للأعداء من الخارج. نحتاج إلى جهاد على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لإقامة دولة الإسلام ومجده وعزته. ودون هذا كله جهاد الظلم والظالمين من حكام الجبر. وهنا يطرح الأستاذ عبد السلام ياسين مفهوم “المحجة اللاحبة” و”الخط السياسي الواضح”. ونظرا لمركزيتهما في الفكر المنهاجي وتصور جماعة العدل والإحسان السياسي فسنتعرض لهما بشيء من التفصيل.

في “المحجة اللاحبة” يقول: “إن على المؤمنين أن يعمقوا ثقتهم بالله عز وجل، ويربوا جيلا وأجيالا، وينظموا صفا قطريا متينا منتشرا في الشعب، يعلمه، ويستنهضه ويحرضه على الإيمان استعدادا ليوم نبلغ فيه أشدنا ويبلغ فشلهم غايته، فيزلزل حزب الله، ومن ورائه الشعب المسلم، أنظمة الجبر. لا تعوقننا صعوبة عقبات هذه المحجة من ولوجها، ولا تستخفننا العجلة على الصبر على طولها، ولا يمنعننا هذا التهيؤ على المدى الطويل من التحرك الميداني النشيط (…) أما إيثار العافية والسكوت الأخرس عن الحق وهامشية السرية، فليست من سنة رسل الله عليهم الصلاة والسلام” ( نفس المصدر، ص21).

ثم يضيف آخذا بالحسبان خصوصيات كل بلد، رادا على الفقه التبريري القاعد: “قد يكون تحدي الطاغوت تهورا في ظروف لا يقدرها إلا من يعانيها لكن ليتق الله المؤمنون أن يمنعهم من الجهر بالحق فهم يبرر القعود، أو زعم أن هذا النبات الإسلامي الشاب من يربيه وينظمه إن ذهبت أنا و ذهبنا نحن. المهم أن نجنب الصف تبعات مواقفنا السلبية وأخطائنا. المهم جدا أن ألا نذهب هدرا، وأن يدفع الأعداء ثمنا باهضا لحياتنا، وأن يترك استشهادنا دويا ومثلا لمن بعدنا. المهم ألا يلعب الأعداء بحياتنا وموتنا. فإن الله هو الذي أنبت، وهو الذي يرعى، ويبعث من أوليائه من يشاء لخدمة الإسلام” ( نفس المصدر، ص22).

وفي “الخط السياسي الواضح” يقول: “السياسة الشرعية، في اصطلاح أئمتنا هي التصرف في الشؤون العامة، شؤون الحكم والإدارة والقضاء بما لا يصطدم مع الشريعة. فأول سؤال يطرح على المؤمن المتحري في تصرفاته هو: هل يجوز القيام على حكام الجور؟

قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) نقف عند قوله “منكم”. أمنا دمى الإلحاد في أفغانستان؟ أمنا من سفك دماء المؤمنين في مصر ومن يسفكها في كل بلاد المسلمين؟ أمنا أمثال من عذب المؤمنات الطاهرات القانتات مما لم يعذبه به أحد في تاريـخ البشر؟ أمنا من يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف؟ ويطول التساؤل.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد وابن ماجة والطبراني، وهو حديث صحيح، عن ابن مسعود: ( سيلي أموركم رجال يطفئون السنة ويعملون بالبدعة، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها”. قلت: “يا رسول الله: إن أدركتهم كيف أفعل؟. قال: “تسألني يا ابن أم عبد كيف تفعل؟ لا طاعة لمن عصى الله)” ( نفس المصدر، ص 23-24).

ثم يقف في ص 90-91 على كلمة “منكم” الواردة في الآية أعلاه ويقول: “منكم” هذه تبعيضية تدل على أن ولي الأمر لابد أن يكون جزءا بل عضوا من جسم الأمة يألم لما تألم. “منكم” تبعية، فليس منا من لم ينبع من بيننا، نكون نحن اخترناه وبايعناه واشترطنا عليه. “منكم” شورية، فليس منا من يستبد علينا ويتجر في مصيرنا”.

خط جماعة العدل والإحسان السياسي الواضح هو معارضة حكام الجبر معارضة عميقة تستمد جذورها من أصل متين من أصول الدين: معارضة من عصى الله ورسوله وجعل من الكفار أولياء له من دون المؤمنين فضيع البلاد والعباد يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “خطنا السياسي الواضح هو أننا لا نعارض حكام الجبر معارضة الأحزاب على مستوى تدبير المعاش والاقتصاد بل نعصيهم لأنهم خرجوا من دائرة الإسلام إلا أن يتوبوا توبة عمر بن عبد العزيز (…). نعصيهم ونعارضهم لأنهم خربوا الدين، واتخذوا من أمريكا وروسيا أولياء من دون المؤمنين. الأمر أعمق وأخطر وأشد صرامة من مجرد المعارضة السياسية” ( نفس المصدر، ص25).

معارضة جماعة العدل والإحسان للحكم ما هي إلا جزء من معارضتها الشاملة لنظام أساسه خرق أصول الدين وتعاليمه ومقدساته والاستخفاف بها والتلاعب بها وتوظيفها من أجل تدحين الشعب واستغلاله. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “لن نكون إلا معارضة من المعارضات تنتقد الحكم وتطعن في كفاءته إن لم نتعرض لأصول الحكم الجائر باعتباره خرقا في الدين وانتحالا تزويريا لقداسة الدين قبل كل شيء. ويأتي اعتراضنا على الحكم جزءا من معارضتنا الكلية”. (العدل، الإسلاميون والحكم، ص104).

وهذه المعارضة بهذا العمق وبهذا الشكل مدخل أساسي معتبر لفهم إشكالية الدعوي والسياسي وثنائية الدعوة والدولة في فكر الجماعة.