يعيش الشباب المغربي -التلاميذ، وطلاب الجامعات- هذه الأيام أجواء الامتحانات بحرارة لا تضاهيها إلا حرارة شهر يونيو الحارقة، حرارة نابعة من قلوب مفعمة بالأمل في النجاح رغم سوداوية الواقع وأزماته، وعقول تواقة إلى المستقبل رغم ضبابية المشهد العام الذي يلف أجواء المغرب… ويزداد الوضع سخونة عندما نعرف بأن أكثر من 300000 تلميذ يجتازون عتبة امتحان التأهيلي لنيل شهادة الباكالوريا وولوج التعليم العالي بكل أسلاكه وشعبه ومعاهده. وبموازاته يتخرج كل سنة آلاف من الطلبة بشهادات و”ديبلومات” عليا…

   إن السؤال الذي يطرح نفسه وسط هذه الأجواء هو: ماذا أعدت الحكومات الخادمة لسياسات المخزن من عدة وعتاد للاحتفاء بهذه الطاقات الهائلة، وتوظيف حكيم لهذه الأدمغة و… و…؟ وبشكل أدق: ما هو حجم الهامش الذي تركه الأخطبوط المخزني لمثل هذه الحكومات المصنوعة على المقاس لتدبير أكبر وأخطر ملف لدى كل مجتمع انتقل من الألفية الثانية ويبحث له عن مكان محترم بين الأمم في الألفية الثالثة؟

   لن يُعجز البحثُ المتتبّعَ البسيط لمسار السياسة في المغرب في العثور على الجواب الكافي، ولديه على مرمى حجر تقريرا البنك الدولي والمجلس الأعلى للتعليم يبسطان ما آلت إليه وضعية التعليم في المغرب على مستوى التراتبية العالمية وعلى مستوى الهدر المدرسي، والأكبر منه هدر طاقات وأموال وجهود شعب بكامله في تخطيطات لا تمس جوهر الأزمة، ولا تُحدث أي تغيير…

   سقطت الشعارات الواحد تلو الآخر من قبيل التعميم، والتعليم في خدمة التنمية، والتعليم وسوق الشغل و… وأعلن فشلها الحسن الثاني يوم صرّح بأن “التعليم قطاع غير منتج.. وأنه يحمّل الدولة عبئا كبيرا..” كان ذلك في العهد القديم…

   وتشاء الأقدار أن “ينبعث عهد جديد” مع مطلع الألفية الثالثة ومعه مخطط عشري لإنقاذ التعليم من أزمته وتأهيله لمسايرة متطلبات القرن الواحد والعشرين.. تصدى للمشروع -كما العادة- زبانية ومستشارون لا يربطهم بالتعليم والوزارة الوصية رابط، وراحوا يسيحون ويتجولون في العالم لاقتناء النموذج الأصلح والدواء الأنجع لمرض عضال أصاب المجتمع في المقتل: فشل التعليم… وما هي إلا ثمان سنوات عجاف حتى أعلن عن دخول القطاع بكامله إلى العناية المركزة محمولا على النعش يريدونه متحركا وهو قد مات منذ زمان.. وكان الارتفاع الحاد في عطالة الشباب إيذانا بوقف نبضه وتجمد الدم في عروقه والإعلان عن فشله بل شلله التام…

   إن التاريخ يعيد نفسه، بل إنهم يُصرّون على تكرار الفشل.. ففي مطلع التسعينات أعلن الحسن الثاني عن مبادرة سماها “مجلس الشباب والمستقبل”.. كان التعليم ساعتها قد أدخل مرة أخرى إلى قسم الإنعاش، والبطالة تهدد بانفجار اجتماعي.. ونصّب على رأس “المشروع” واحدا من “مهندسي” العهدين القديم والجديد.. كانت المبادرة تهدف إلى إدماج 120000 شاب حامل للشهادات على مدار السنة الموالية.. وعلى مقربة من انصرام الحول أعلن “المهندس” الذي سيصبح وزيرا للتعليم في العهد الجديد أن 25 في المائة من المبادرة قد تحقق، ولنسلم له بهذا الإنجاز من باب حسن الظن، ولننظر جميعا إلى ما آلت إليه “مبادرة الشباب والمستقبل”.. لا حس ولا خبر.. ومنذ ذلك العهد وعلى مدى عشرية كاملة كان القطاع يتآكل تدريجيا، ولا يعصمه من الانهيار التام إلا ما تحمله ضمائر من يعيشون همومه في الميدان… خلالها أحدثت لجن لإنقاذ التعليم من قبل المؤسسة الملكية أمام تهميش فظيع للوزارة الوصية.. ومرة تلو المرة يفشل المخزن في إنقاذ التعليم…

   مسلسل من الفشل المخزني في تدبير ملف التعليم، مصاحب بإصرار عنيد على تهميش الوزارة الوصية تارة، وعدم محاسبتها تارة أخرى، والقيام مقامها بدءا بإطلاق مبادرات، وإحداث لجن، فإعلان مخططات بديلة دون حسيب ولا رقيب… والنتيجة ماذا؟

   عشرات الآلاف من المعطلين حاملي الشهادات التأهيلية (الباكالوريا) وشهادات السلك الأول والإجازة الجامعية (سابقا)، والمئات من حاملي الشهادات العليا يكافؤون يوميا بالعصا الغليظة أمام البرلمان على مرأى ومسمع “نواب الشعب”.. وقبلهم وبجانبهم مئات الآلاف من الذين ضاعوا في موجات الهدر المدرسي العاتية في المراحل الابتدائية أو الإعدادية ليُرمى بهم على شاطئ ما في صحراء الأمية والعطالة الكبرى، أو قد يُصادفون أفواه الحوت المخزني يعصرهم في طاحونة استغلاله قبل أن يلفظهم هياكل عظمية… و”المحظوظ” منهم من كان نصيبه فُتات هزيل ضمن أسفل السلالم.. وللباقي كامل الاختيار في النزوح الجماعي أو ركوب قوارب الموت، أو التعرض للعصا وللرصاص المطاطي -ولما لا الرصاص الحي- إن هو عصى أو استعصى..

   وما حدث بسيدي إيفني مؤخرا أوضح مثال على ما آلت إليه نتائج التعليم و”مبادرات التنمية…” بالمغرب:

   ثمانية مناصب وظيفية بسيطة أمام أكثر من 1000 طلب مقدم.. والله إنها مباراة حقيقية في الضحك على الذقون، وعنوان على المهزلة… وما تبعها عبّر بالملموس عن سياسة “البلطجة والبهدلة” من قمع وسرقة وتطاول على الأعراض، وإعمال اليد الطولى في إسكات من يُندد بفشل السياسة المخزنية… وكان حريا بالمخزن وأعوانه أن يستقيلوا أمام توالي الفضائح والمهازل.. لكنه حب الرئاسة استبد بالنفوس والعقول، غافلين على أنها يوم القيامة خزي وندامة… وأنه لا يعرف قدرها إلا الرجال.. منها خاف وتزلزل عمر رضي الله عنه حين قال: “لو عثرت بغلة في العراق لخفتُ أن أسأل عنها يوم القيامة: لمَ لم تُعبّد لها الطريق يا عمر؟”.. ولله الأمر من قبل ومن بعد..