انتفاضة مدينة سيدي إفني مؤشر آخر على البركان الاجتماعي والشعبي الذي يعتمل في أحشاء هذه الأمة المستضعفة المغلوبة على أمرها بفساد حكامها وإفسادهم ورفضهم لكل دعوات الإصلاح من أبناء هذا البلد الصادقين. بركان لن تحتويه طويلا القشرة الهشة لسياسة الهاوية التي يلعبها صبيان المخزن الجدد مع “المافيا” الطفيلية الدائرة حولهم، الحزبية والجمعوية والاقتصادية… أحداث سيدي إفني أظهرت مرة أخرى لمن لا يزال يكابر بعناد وبلادة، أو بخبث وذكاء الذئاب والثعالب المستفيدة من الأوضاع المخزنية، أن مخزن “العهد السابق” غير واجهته وأسلوبه، لكنه لما ينته بعد ظلما وفسادا وإفسادا واستئثارا بالثروة والسلطة وتنكيلا بالمعارضين الصادقين ومن ورائهم الشعب حينما ينتفض، رغم الحديث عن القطيعة مع “سنوات الرصاص والجمر القاتمة” والاحتفالات الكرنفالية الموسمية بالديمقراطية وحقوق الإنسان. وإلا فليقل لنا المناضلون الفضلاء، خصوصا من اليسار “المتبرجز”، ماذا تغير في تعامل المخزن مع الشعب؟ الشعب حينما يكون خانعا خاضعا كالكلاب، كما قال الحسن الثاني مستشهدا ب”حكماء زمانه”: (جوع كلبك يتبعك)؛ أو الشعب حينما يثور وينتفض كالناس في دنيا الناس في بلاد الله الأخرى التي نراها في التلفاز بسبب الغلاء والظلم … فليذكر الفضلاء المناضلون أحداث الريف بعد الاستقلال والبيضاء في الستينات والثمانينات وغيرها في “العهد السابق”، وليقارنوها بما نرى ونسمع في “العهد الجديد”. هل تغير شيء في العمق، وفي الأسلوب أيضا أحيانا كثيرة، إذ ما أن يجد الجد حتى نرى جميعا المخزن بوجهه الحقيقي بدون قناع النفاق الاحترافي الذي لم يعد ينطلي على الناس؟ ولنبق مع مثال الكلاب الخانعة الخاضعة ليفهم المعنى جيدا: الكلاب الخانعة الخاضعة حينما يصيبها السعار وتهيج، تعض أول ما تعض أيدي أسيادها. هل شفع الوجه الملائكي والسذاجة الطيبة ل”ماري أنطوانيت” زوج لويس السادس عشر للملكية في فرنسا حينما ثار الشعب ضد الظلم؟ المخزن حينما يأبى إلا الاستكبار والطغيان والعلو على عباد الله في الأرض بالباطل سيصيبه ما أصاب المفسدين المذكورين في كتاب الله وفي صفحات التاريخ التي يقرؤها كل الناس. فهل من معتبر؟

شعب مستضعف مغلوب على أمره، شامت متربص بالمفسدين الطغاة المجرمين. فقر، جهل، تهميش، دعاية مضللة، تعليم فاشل، فساد وإفساد أخلاقي ممنهج، تأطير ضعيف لأن الأحزاب والنخب متـآمرة مع المفسدين أو عاجزة ومشلولة عن الفعل والمبادرة بعيدا عن إملاءات المخزن والمعارضة الإسلامية والوطنية محاصرة بكل الوسائل. والجيش والقوى الأمنية؟ ماذا عنهم؟ هل هم مؤهلون لمواجهة التحديات الحقيقية وتدبير الأزمات الكبيرة، خصوصا إن اجتمعت في وقت واحد (الصحراء، التوتر المنذر بالمواجهة مع الجزائر، نذر ثورة شعبية عارمة تعم جميع التراب الوطني..)؟ لا نملك إلا التساؤل والخوف يملأ قلوبنا على وطننا! لأن هذا شأن لا يهمنا في عرف المخزن! ألم يهدد الحسن الثاني خصومه بالمحاكمة إن خاضوا في أمر الجيش في حرب الخليج الثانية؟!… ولنضف إلى هذه الوصفة الكارثية: سياسة الهاوية التي يلعبها صبيان المخزن الجدد مع “المافيا” الطفيلية الدائرة حولهم، الحزبية والجمعوية والاقتصادية … الثورة الشعبية في ظل هذه الظروف ستكون كارثية على الوطن بكل مكوناته. في العدل والإحسان، يمنعنا الخوف من الله والشفقة على شعبنا من الخوض في الهرج أو التسبب فيه. لكن ماذا يملك المستضعف المشفق على قومه أمام فرعون وملإه حينما يأبون إلا الغرق مع قومهم، أو إغراقهم والفرار بجلدهم إلى كنوزهم المهربة. فاللهم لطفا ورحمة بنا ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.

إذن انتفاضة مدينة سيدي إفني مؤشر آخر على البركان الاجتماعي والشعبي الذي يعتمل في أحشاء هذه الأمة المستضعفة المغلوبة على أمرها بفساد حكامها وإفسادهم ورفضهم لكل دعوات الإصلاح من أبناء هذا البلد الصادقين. نرجو مع الصادقين أن يكون ما حدث المؤشر الأخير الذي يدفع جميع أبناء هذا البلد الطيب للتفاهم الصادق حول أرفق الطرق للوصول بوطننا إلى بر الأمان وبناء مجتمع العدل والكرامة.