الفصل الثالث: في بناء المستقبل

في البناء

بناء الإنسان- التجديد

كيف رسخت رابطة الإسلام ثم كيف وهت وأنى ترسخ من جديد؟

      * كيف رسخت؟

عوامل ثلاث، عملت في قوة الاستجابة هي: القدوة النبوية، والصحب المقتدون، ثم صفاء الوحي وقدسيته، وبيانه المنزه عن الهوى، ثم قرب النفس العربية من سماع الفطرة واستجابة الفطرة.

كملت القدوة، وكانت الصحبة النبوية في أوج كمالها، وسرت رحمة بين الصحابة الكرام. وكان الذكر غضا ينزل. معصوم بيانه النبوي المنزه عـن الهوى. وكانت النفوس أقرب إلى الاستجابة؛ مارانت عليها مكاسب الفلسفة وأوزارالحضارة. فكان على ذلك، الفعل الباهر في النفوس، والتأثير العظيم في الحياة.

      * هكذا رسخت فكيف وهت؟

وهت بوهن عوامل رسوخها، في العهد العاض. زحفت الأنا، عصبية، ومذهبية، وهوى متبعا، وإعجابا بالرأي. وأصبح الدين دين الانقياد لهوى الغالب، لا دين القرآن. أما النفوس فتراكمت عليها مكتسبات الخلاف والحضارة والـتـرف، وتمكنت منها العادات والشهوات وقرحت، فصارت بعيدة عن الاستجابة.

وفي عهد الجبر، بعد مجيء الاستعمار، صار الجامع مصلحة أكثر شيء. ضعف رابط الدين ورابط العصبية. هذه أنانية مصلحية. وغزتنا العقلانية الفلسفية المنكرة للدين، ولكل ما لا يدركه العقل، ومما لا يدركه الوحي الإلهي. وعلى هذا السبيل استفحلت فينا عادة الغرب وبزلت، في الترف وسوء الأخلاق. فصرنا أبعد من الدين، أبعد فأبعد. جاء الله بالفرج القريب، إنه سميع مجيب.

      * فكيف يكون التجديد؟

يكون التجديد على نموذج العهد النبوي. يكون على المنهاج النبوي.

نقطع روابطنا مع الفهم المنحرف، ونستقي من النبع الصافي؛ نعرض الاجتهاد الفقهي على نبع الوحي المعصوم والبيان المعصوم. نعرض الاجتهاد على المنهاج، فنستقي ما وافق وأكد ووضح، وننبذ ما انحرف عنه بانحراف الحكم.

من ذا يقطع، ويستبقي ويدع، ويقتدي ويمتثل؟ إنه القدوة. مـــن يبعثه الله مجددا، يجدد للأمة دينها. ولا تجديد كامل إلا بالشرب من حوض السنة النبوية والمنهاج النبوي. ثم الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة حتى التخلص إلى حبات القلوب، فهتك حجب العض والجبر عنها، حتى تسمع الوحي سمع الفطرة. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

أوضار حضارية وحجب أكثف من التي كانت قبل.

      * فأنى يكون التجديد؟

يكون لسعة المدخل إلى القلوب. يدرك المسلمون في تاريخهم أنه بانحراف الحكم أن انحرافا حصل وزيغا عن المحجة البيضاء كان. فهم يحقرون ما هم عليه، إلى ما كان عليه الأول زمن النبوة والخلافة الراشدة. وهم ينتظرون من يقيم فيهم الدين كما كان على العهد الأول.

شفت الحجب في عهد الجاهلية الأولى، وتكثفت في هذا العهد. لكن الدوافع إلى هتكها قويت. دافع الحنين إلى الماضي، ودافع الإيمان الحي في القلوب، ودافع الرغبة في التخلص من الظلم، لحياة العزة والكرامة، ودوافع من قوة الغير وضعفهم.

قامت اللاييكية في بلاد المسلمين، وسعت أن تردهم عن دينهم. وعلى هذا السبيل كانت سعت في بلاد الغرب، فتم لها فصل الدين عن الدولة. وظن الاستعمار وسدنته من بني جلدتنا، أنه سيتم الفصل في بلاد المسلمين. لكن هذا الأمر تصعدهم، وذهلوا للممانعة، واستفحال دفاع حركة التغيير الإسلامي. وكلما خطوا خطوة يصدون عن سبيل الله، كلما تقدمت الدعوة الإسلامية خطوات، فهوت إليها أفئدة المسلمين.

فاليوم، والبركة من الله، والتوفيق منه سبحانه، الحركة الإسلامية في البلاد الإسلامية القوة الأولى المعقود عليها أمل التغيير، بعد فشل السياسة اللاييكية فيها، وتذمر الشعوب من تدهور أحوالها بَيِّنٌ جلي.

سهل على الغرب التنصل من دين النصرانية، وآواه فيى ركن ضعيف، وشرده عن الحياة العامة. سهل فصل الدين عن الدولة وعن الناس. أما في بلاد الإسلام فتمنع فصل الناس عن دينهم، وإن فصل الدين عن الدولة.

كيف سهل هذاك وصعب هذا؟

صعب هذا لما ذكرناه، من موانع ودوافع في التجديد، وتاريخ التجديد الأول. وسهل ذاك، لأن النصرانية تحرفت فوردت ضعيفة، ولأن العقل الغربي تضلع بمكتسباته الفلسفية، فمن على النصرانية التي لم تنشأ في أرضه، وجاءته أجنبية عن دين آبائه وأجداده. جاءت من الشرق إلى الغرب، فآواها ونصرها على شرطه، فذلت في كنفه، وعزت بذلتها، وتحرفت إرضاء للسلطان، ورغبة الخروج من قرية الاضطهاد.

تحرف الدين، ودعم الظلم، وحارب العلم. فكان أن رد العقل المتأله بمكتسبات تاريخه، وإنجازات حاضره في ميدان العلم. رد عن الدين وصد عن السبيل.

سهل هذا على الغرب، واستعصى على العرب نبذ الدين. وسهل التجديد هنا في بلاد المسلمين، وفشل الإصلاح هناك في بلاد الغرب. سهل التجديد لوجود الدوافع إليه. أما في الغرب، فلا تكاد تجد دافعا إلا ضعيفا، ولا مانعا إلا قويا.

في بلاد العرب دوافع وإمكانات، وفي بلاد الغرب موانع واستحالات. دوافع العرب، هي عزهم بالإسلام بعد ذلة. هي الحنين إلى النموذج النبوي التاريخي. دوافع، هي صفاء القرآن وقدسيته. دوافع، هي وجود أصول صحيحة لاستنباط أحكام القرآن. دوافع وإمكانات للبناء على النموذج الأول.

أما في بلاد الغرب، إذ رفع عيسى عليه السلام ولم يقم دولة، كان للحكم مثل السوء كبرياء وفسادا، وكان للدعوة النصرانية تحريفا للكلم عن مواضعه. إن أمكن القضاء على فساد الحكم، فكيف القضاء على فساد العقيدة، بل أنى يصلح الحكم والعقيدة فاسدة.

مهما ران على القلوب ما ران، من مخلفات الإرث التاريخي الفتنوي، وإرث الاستعمار، فإنه إن وجد الصوت القوي، وهو الصحبة القيادية الربانية القوية، وحول هذه النواة تشكلت الجماعة المومنة، فإنها تفعل في الأمة بالتغيير. ذلك أن في قلب الأمة فطرة، إن كان ران عليها ران الفتنة، ففيها بقية من حياة، وفيها دفق حنين إلى الماضي، وفيها جراح الظلم الفقر والجهل، تضج منها آملة في عدل الإسلام، وفيها جفاء وشقاء تفر منه إلى رحمة الإسلام، ورحمة الصحبة في الله، والحب في الله.

الإنسان المسلم في ظمأ، فهو يطلب ماء الرحمة، وسقاء الذكر، وغيثا هو الصدق. الإنسان في فقر وظلم، يطلب العدل.

لنحن أحوج في زماننا إلى دعوة توحد الأمة من شتات، تطعمها من جوع، وتؤمنها من خوف، وتخرجها من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. وليس هذا إلا في الإسلام، إسلام الشورى والعدل والإحسان.

      * تجديد الإيمان وتجديد الدين

عن ‏ ‏أبي هريرة ‏عن رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال: ‏”‏إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها” ‏(رواه ‏أبو داود في السنن).

‏عن ‏أبي هريرة قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏‏ “جددوا إيمانكم قيل يا رسول الله وكيف نجدد إيماننا قال أكثروا من قول لا إله إلا الله”‏ (رواه‏ الإمام أحمد في المسند)

‏ قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏‏ “إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله تعالى أن يجدد الإيمان في قلوبكم”.‏ (رواه‏ الطبراني في الكبير والحاكم في المستدرك)

ثلاثة أحاديث نبوية في التجديد، تجمع شروط تجديد الدين والإيمان :

(الأول) هو رجل يبعثه الله، حوله جماعة تجاهد.

و(الثاني) الإكثار من قول لا إله إلا الله، وهي أعلى الذكر وأفضل الذكر.

و(الثالث) طلب التجديد من الله، وهو عنوان صدق الرغبة في تجديد الدين والإيمان.

فلا يتجدد دين ولا إيمان إلا بهذه الثلاثة: صحبة وجماعة وصدق وذكر. لا يكون إحسان إلا بهذه الثلاثة.

فقوام التجديد: جهاد وصدق وذكر. ولاشيء من كل ذلك، إلا بصحبة وجماعة. أو قل تربية وجهاد في كنف صحبة وجماعة.

والجهاد كلمة جامعة لكل الدين. فهو تجديد الدين، وتجديد الإيمان طلبا للإحسان، وتجديد دولة الإسلام، القائمة على أساس الشورى والعدل. وجماعه جهاد صحبة وجماعة، قوامها الذكر والصدق في طلب تجديد الإيمان، وسلاحها البذل والعلم والعمل، وأسلوبها التؤدة والرفق والتدرج والثقة في موعود الله، وعنوانها سمت العمران الأخوي ومالها الاقتصاد العدل.