“رحمك الله ياعمي فلقد كنت وصولا للرحم فعولا للخيرات”بقلم: محمد ديرا / [email protected]

حمزة بن عبد المطلب (أبو عمارة) رضي الله عنه هو أسد الله وأسد رسوله، وهو سيد الشهداء، وهو أول من قاد سرية في الإسلام، وهو أول من حمل لواءً للرسول صلى الله عليه وسلم، وهو عم النبي صلى الله عليه وسلم وأخوه من الرضاعة، وهو المعروف برجاحة العقل وقوة الجسم وقد كانت له بين زعامات قريش وساداتها المكانة الهامة، قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: ” سيد الشهداء عند الله يوم القيامة حمزة بن عبد المطلب”، وقال عنه أيضا بعد استشهاده: “رحمك الله يا عمي فلقد كنت وصولا للرحم فعولا للخيرات”.

إسلامه رضي الله عنهخرج الرسول صلى الله عليه وسلم يوما مع أصحابه يدعون إلى الله في ساحات مكة، فإذا بأبي جهل يتوجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيسبه ويغلظ له في القول، وما أن أُخبر حمزة رضي الله عنه بذلك وهو العائد من رحلة قنص حتى اتجه إلى الكعبة حيث أبو جهل جالس مع أصحابه، فضربه ضربة موجعة شجت وجهه، لكنهم لم ينتبهوا لما حصل لأبي جهل، بل المصيبة كل المصيبة والهول كل الهول -في نظرهم- في ماقاله حمزة بعد ذلك: ” كيف تسب محمدا وأنا على دينه وأقول ما يقول فرد ذلك علي إن استطعت”.

قاموا إليه فزعين ومعهم أبو جهل حاملا معه ألمه: “هل صبأت يا حمزة؟ فقال: نعم، أنا على دين محمد، أقول مايقول وأشهد أنه على حق، فإن كان أبو جهل يجرؤ أن يعيد علي ما قاله لمحمد فليفعل ولينظر ما أصنع فيه…”

كلمات حمزة الأسد جعلت القوم يصمتون، كيف لا وهو القوي، وهو الشجاع، وهو ذو المكانة العلية في قومه، كيف لا ينزعجون من إسلامه وهم يعلمون أن ذلك سيجعل الرسول صلى الله عليه وسلم في منعة هو وأصحابه، كيف لا ينزعجون وإسلام حمزة سيغري الصفوة من قريش للدخول في الإسلام. وبالفعل فبعد إسلام حمزة كفوا عن بعض ماكانوا يفعلون بالمسلمين. وقد كان إسلامه في السنة السادسة من النبوة ولقبه النبي صلى الله عليه وسلم لقوته وشجاعته وشدة بأسه بهذا اللقب العظيم: “أسد الله وأسد رسوله”.

أسد الله ورسوله في غزوة بدربعد الهجرة النبوية المباركة يأذن الله تعالى في قتال المشركين في غزوة بدر الخالدة بعد أن خرج كبار قريش وسادتها بكل قواهم لإنقاذ قافلتهم.

في بداية المعركة يخرج شيبة بن ربيعة وأخوه عتبة وابنه الوليد وينادون هل من مبارز؟ فيخرج إليهم ثلاثة من الأنصار، لكنهم أبوا وطالبوا بأن يخرج إليهم نظراؤهم من قومهم، فخرج أسد الله ورسوله حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب بن عبد المطلب وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب (جميعهم من أقارب النبي صلى الله عليه وسلم فالأول عمه وأخوه من الرضاعة والثاني ابن عمه وزوج ابنته والثالث ابن عمه أيضا، وهم في طليعة المجاهدين وليسوا وراء الزجاج يترقبون أو في القصور الفخمة ينتظرون) فيقْـتُل حمزة شيبة، ويقتل علي الوليد، أما عبيدة وعتبة فيتشابكان فيهوي حمزة على عتبة فيقتله، وتنطلق المعركة الخالدة ويكون بأس المسلمين فيها شديدا لتنتهي بانتصار تاريخي للمسلمين وليجر الكفار أذيال الخيبة والهزيمة النكراء فقد فقدوا في هذه المعركة أغلب أشرافهم وسادتهم ورجعوا وكلهم أمل في جمع الجموع وتجييش الجيوش وإعداد العدة للثأر، وقد كان حمزة بن عبد المطلب المطلوب الأول في هذا الثأر إذ فعل بهم الأفاعيل وهو الذي كان يقاتل بسيفين رضي الله عنه.

“إن قتلت حمزة فأنت عتيق”بعد الغزوة الخالدة والانتصار الكبير، وفي ذات مساء استدعى جبير بن مطعم عبده وحشي وقال له: أنت حر إن قتلت حمزة فقد قتل عمي طعيمة بن عدي، وتناديه هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان وتقول له: جميع ما أتحلى به من ذهب لك إن قتلت حمزة فقد قتل أبي وعمي وأخي (جميعهم من أشراف قريش).

وتستعد قريش لمواجهة المسلمين ويلتقون في غزوة أحد، الغزوة التي كانت مليئة بالدروس والعبر، وتبدأ المعركة وشعارها وبرنامجها “حمزة قتيلا”، ووحشي لا همّ له إلا مراقبة حمزة، وحمزة يصول ويجول في أرض المعركة حتى قَتل رضي الله عنه لوحده في هذه المعركة ما يزيد عن الثلاثين من المشركين، ولاحت بوادر النصر للمسلمين لولا مخالفة الرماة لأوامر الرسول صلى الله عليه وسلم لتبدأ المعركة من جديد وتدور الدائرة على المسلمين، لكن أين وحشي؟ لا يزال يتربص ويترقب ولنتركه هو نفسه يحكي عن قتله لسيد الشهداء.

وحشي يحكي كيف قتل حمزة”عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري قال:

خرجت أنا وعبيد الله بن عدي بن الخيار في زمن معاوية غازيين فمررنا بحمص وكان وحشي بها، فقال ابن عدي: هل لك أن نسأل وحشيا كيف قتل حمزة؟

فخرجنا نريده، فسألنا عنه فأتيناه.

قلنا: إنا أتينا لتحدثنا كيف قتلت حمزة؟

قال: سأحدثكما بما حدثت به رسول الله صلى الله عليه وسلم (وكان قد أسلم وقتئذ):

كنت عبد جبير بن مطعم، وكان عمه طعيمة بن عدي قتل يوم بدر.

فقال لي: إن قتلت حمزة فأنت حر.

وكنت صاحب حربة أرمي وقلما أخطئ بها، فخرجت مع الناس فلما التقوا أخذت حَربتي، وخرجت أنظر حمزة، حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الأوْرَق يهد الناس بسيفه هدّا ما يليق شيئا، فوالله إني لأتهيأ له إذ تقدمني إليه سباع بن عبد العزى الخزاعي.

فلما رآه حمزة قال: هلم إلي يا ابن مقطعة البظور.

ثم ضربه حمزة فوالله لكأن ما أخطأ رأسه، ما رأيت شيئا قط كان أسرع من سقوط رأسه.

فهززت حربتي حتى إذا رضيت عنها دفعتها عليه فوقعت في ثنته حتى خرجت بين رجليه فوقع، فذهب لينوء فغلب فتركته وإياها، حتى إذا مات قمت إليه فأخَذت حربتِي، ثُم رجعت إلى العسكر فقعدت فيه ولم يكن لي حاجة بغيره.

فلما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة هربت إلى الطائف، فلما خرج وفد الطائف ليسلموا ضاقت علي الأرض بما رحبت، وقلت ألحق بالشام أَو اليمن أو بعض البلاد، فواللهِ إني لفي ذلك من همي، إذ قال رجل:

والله لا يقتل محمد أحدا دخل في دينه.

فَخرجت حتى قدمت المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “وحشي؟”.

قلت: نعم.

قال: “اجلس، فحدثني كيف قتلت حمزة”.

فحدثته كما أحدثكما.

فقال: “ويحك! غيب عني وجهك فلا أرينك”.

فكنت أتنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان حتى قبض.

فلما خرج المسلمون إلى مسيلمة، خرجت معهم بحربتي التي قتلت بها حمزة، فلما التقى النَّاس نظرت إلى مسيلمة وفي يده السيف، فوالله ما أعرفه وإذا رجل من الأنصار يريده من ناحيَة أخرى فكلانا يتهيأ له.

حتى إذا أمكنني دفعت عليه حربتي فوقعت فيه وشد الأنصاري عليه فضربه بالسيف، فربك أعلم أينا قتله.

فإن أنا قتلته فقد قتلت خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم (يقصد حمزة) وقتلت شر الناس”.

ولشدة غضب قريش من حمزة ولشدة ما ألحقه بهم في غزوة بدرلم يكتفوا بقتله فحسب، بل مثلت به هند بنت عتبة وفتحت بطنه وأخرجت كبده ولاكتها بلسانها ولفظتها بعد ذلك.

حزن الرسول صلى الله عليه وسلم على عمه وأخيه من الرضاعةبعد المعركة خرج الرسول صلى الله عليه وسلم يتفقد الشهداء فوجد حمزة في الوادي وقد بقر بطنه، وأخرجت كبده، ومُثل به حيث جذع أنفه وأذناه، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم متأثرا لما رأى: “لولا أن تحزن صفية (أخت حمزة وعمة الرسول صلى الله عليه وسلم) ويكون سنة من بعدي لتركته حتى يكون في بطون السباع وحواصل الطير، ولئن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن لأمثلن بثلاثين رجلا منهم”.

فلما رأى المسلمون حزن الرسول صلى الله عليه وسلم وغضبه على من فعل بعمه ما فعل قالوا: “والله لئن أظفرنا الله بهم يوما من الدهر لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب” فنزل قول الله تعالى: “وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين، واصبر وما صبرك إلا بالله، ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون”. فعفى الرسول صلى الله عليه وسلم ونهى عن المُثلة.

وأُمر بسيد الشهداء فسجي ببردة، ثم أتوا بالشهداء ليصلى عليهم، وأبقى الرسول صلى الله عليه وسلم حمزة ليصلي عليه مع كل شهيد من شهداء المعركة حتى صلى عليه اثنتين وسبعين صلاة، ثم دفن الجسد الشريف مع شهداء أحد في البقيع لتبقى حياته أطول من حياة من دبر لقتله.

رضي الله عنك وأرضاك يا سيدي يا حمزة يا ابن عبد المطلب، وأجزل الله لك العطاء والأجر والمثوبة بما قدمت للإسلام والمسلمين، وجعلك مثالا ونموذجا خالدا نستقي منه الدروس و العبر.

في الحلقة القادمة (إن شاء الله):

الصامد في وجه العذاب: بلال بن رباح

“إنما أنا حبشي كنت بالأمس عبدا”.