عندما غادر فؤاد عالي الهمة وزارة الداخلية، تضاربت النبوءات حول المهمة التي سيوظف فيها هذا الرجل تجربة سنوات عدة. وبالمقابل، كان واضحا بأن سيبقى له شأن عظيم في تسيير دواليب السلطة وإن بدور آخر، وذلك لاعتبارات لا تخفى.

   كان من المتوقع جدا أن تلتف وسائل الإعلام حول الرجل بعد إعلان (المغادرة) لتستقي منه معلومتين:

   – سبب المغادرة والذي أجاب عنه في أكثر من منبر، بكونه طلب الإعفاء -على حد قوله- ليتفرغ إلى تنفيذ مشروع الدولة بين أبناء الشعب.

   – المهمة الجديدة، والتي عبر من خلالها أنه يرغب في لعب دور جديد في العملية السياسية، بإعطاء نموذج السياسي الذي يباشر المهام الحقيقية للبناء.

   دخل فؤاد التشريعيات الأخيرة مسلحا بتاريخه الحافل، ومدججا بقوافل أبناء المنطقة، تقودهم نخبة من الفنانين والرياضيين ورجال أعمال و…..، وقد اختار مسقط رأسه ساحة للتباري، لعدة اعتبارات سياسية وموضوعية سال في تحليلها مداد كثير إبان الحملات، حتى أصبح في حكم المؤكد أن الرجل سيسجل حضوره بقوة تحت قبة البرلمان، مما حدا ببعض الشركات الوطنية طلب عضويته الشرفية أو الفعلية في مجالس إدارتها.

   لن ينسى أحد، كم احتار المحللون في رسم سيناريو ما بعد إعلانه برلمانيا، حيث تعددت القراءات حول الكرسي الذي سيتشرف بحمل الوزير السابق، أهو عن يمين الرئيس أم عن شماله، ما هو التحالف الذي سيقدم عليه  إن كان يحتاج إلى تحالف- وأية وزارة يرغب استوزارها من حزمة وزارات أقل سيادة من تلك التي غادرها… وأسئلة عدة، المؤكد منها أن برلماننا ازدانت كراسيه بممثل للأمة خارق للعادة.

   لما كثرت التكهنات باحتمال تعيين الملك لهذا الرجل وزيرا أولا، نظرا لدعاوى الاستمرار في الاعتماد على التكنوقراط في تسيير شؤون الحكومة بعيدا عن التجاذبات السياسوية المبتذلة. لم يتردد صاحبنا في البروز على القناة الثانية لتكذيب هذه التكهنات بقوله، إن الذي يقول بجدية تعيينه وزيرا أولا، لا يفهم المسار الطبيعي للعملية السياسية. آنذاك، فهمنا أن طموح هذا العائد إلى السياسة من بابها الضيق، لا يتعدى لعب دور وسط ميدان متقدم في مباراة سياسية مهزومة بعد دقائقها التسعين، أو دور أرنب سباق بطيء برهانات وهمية.

   إلى حدود الآن، يمكن أن نسلم أن مشروع صاحبنا في بداياته، ومن غير المعقول الحكم عليه سواء بالسلب أو الإيجاب، ولكن كما تقول العرب: من صحت بدايته أشرقت نهايته. وبذلك يتضح أن المشروع الجديد لن يصمد طويلا، ليس لكونه يرتبط بقائد له تاريخ في وزارة سيادية، مثبت اسمها على قائمة وزارات تحت المساءلة من طرف العديد من المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية، بل لكون انطلاقة المشروع المزعوم تفتقد للمقومات العلمية والموضوعية للبناء.

   انطلق الرجل من نقطة الوصول، وهي تكوين الوعاء التنظيمي الذي سيحتضن مشروعا طموحا، مفقودة مقدماته. وهو الأمر الذي حوَّل صديق الملك إلى منافس سياسي بمشروع غامض، ويتضح ذلك من عدة مؤشرات:

   1. عدم القدرة على الإجابة الصريحة حول طبيعة الكيان الذي سمي “حركة لكل الديمقراطيين” بغض النظر عن نقاش جناية إسقاط الصفة (الديمقراطي) على باقي الفاعلين خارج هذا الإطار.

   2. عدم القدرة على التحديد الدقيق لمناطق البياض الموجودة بين هذا الكيان وفريق الأصالة والمعاصرة.

   3. تضارب التصريحات حول العلاقة التي تربط هذه الحركة والعديد من الأحزاب السياسية التي يشكل بعض رموزها العمود الفقري لهذه الحركة.

   4. إلى حدود الآن، غياب صياغة علمية وسياسية لمشروع هذه الحركة، مقابل التركيز على إلقاء اللوم على النخبة السياسية من جهة واجترار الخطاب الشعبوي من جهة ثانية.

   هذه معطيات، ومثلها كثير. جعلت بعض الأحزاب السياسية التي بدت متحمسة للفكرة في البداية، تخرج ببيانات البراءة -أو تكاد- من المشروع. كما أن اللقاء الأخير بمراكش الذي علقت عليه الآمال، تحول إلى قاعة سجال بامتياز، حول إشكالات لا شاطئ لنقاشها، وهو ما جعل الوزير السابق يعيد التركيز على أنه الرجل الذي يتمتع بصداقة للملك يفوق عمرها الثلاثين سنة…

   فهل هي خطوة أولى لإعلان الفشل… أم هو تشبث بحق العودة الذي “تضمنه كل المواثيق”…؟!