.. من يحيط بكل أدبيات الجماعة المتعلقة ببناء الاستراتيجية وتنفيذها يدرك مدى إحاطتها وواقعيتها وامتدادها واستيعابها، على قواعد رفض العنف والتطرف والغموض والخوف وأنصاف الحلول والحوار الغامض والكيل بمكيالين وإبعاد الأمة عن المشاركة الواعية.

1- تمهيد   لاشك أن كثيرا من الباحثين والمتابعين لقضايا الفكر السياسي في مدرسة الأستاذ عبد السلام ياسين، داخل المغرب وخارجه، يجدون صعوبة كبيرة في الإحاطة الشاملة بمحاوره الأساسية، خاصة المتعلقة بالاستراتيجية العامة في عملية الإصلاح والتغيير والبناء. وذلك راجع، في غالب الأمر، إلى أن المفاهيم والمناهج الأساسية المعتمدة في الرصد والتحليل لم تستطع اختراق السياق والمجالات والمواقع التي يخاطب من خلالها الرجل الواقع المغربي المعيش في كل أبعاده. وليست هذه ثغرة في عملية تفكير الرجل وفي فكره الموسوعي المتماسك من خلال إحكامه لغة “المنهاج النبوي”، وإنما هو راجع إلى العجز الذي يميز هذه المناهج حين التعاطي مع قضايا خارج سياقاتها التي أنتجتها من جهة، ومن جهة ثانية راجع إلى نمط التكوين والتفكير لدى كثير من الباحثين المغربين.

   وبداية، فإن مفهوم الإصلاح هنا يأخذ المعنى الذي يؤطره كتابه “رجال القومة والإصلاح” الذي يعرض فيه الأستاذ عبد السلام ياسين نماذج من رجال الأمة الذين نهضوا وقاموا ضد الظلم والتسلط وانحراف الحكم عن قيم الشورى والعدل. ثم إن مفهوم التغيير يحمل دلالة تجديدية إذ يعطي لعملية القائمين لأجل إصلاح وضع جزئي في مرحلة معينة المعنى الشمولي الذي يروم إعادة البناء الكلي لجسم الأمة حيث يشمل الإنسان الفرد والمجتمع وجميع مؤسساته بما يؤهله ليعيش قضيته الوجودية وفق الشروط الضرورية المادية والمعنوية المطلوبة لذلك؛ نظاما وتنظيما وحركة ومضمونا ومنهاجا؛ فهو إصلاح وفق تصور تجديدي وليس إصلاحا على النمط السائد في أدبيات الفكر السياسي الغربي وما يدور ضمن فلكه من مدارس، كما أن مفهوم التغيير لايحمل نفس المضمون السائد.

   لذلك فإن الباحث لا يستطيع النفاذ إلى عمق البحث السياسي ومضامينه وقضاياه العملية في الحياة السياسية المغربية في مدرسة الأستاذ عبد السلام ياسين إذا لم يدخل من باب العلم والإدراك والوعي بأهم المفاهيم المركزية المؤطرة لذلك. ولكون الرجل كان واعيا بهذا الإشكال وعيا تاما حرص على بيان أهم المفاهيم المركزية لديه كما هو الشأن في كتاب “مقدمات في المنهاج” وغيره؛ منها مفهوم القومة الذي كلف الأستاذ نفسه بكثير من الاهتمام لبيانه في صفحات عديدة تشمل، تقريبا، جميع مؤلفاته لما لذلك من أهمية للمفهوم ونظرا لجدته وموقعه الدلالي والحركي سياسيا ومجتمعيا.

   وما تجدر الإشارة إليه هنا أن الحديث في هذه الصفحات ليس عن المشروع السياسي، وإنما عن الاستراتيجية السياسية من خلال التصور السياسي الذي هو ناظم مقتضيات هذا المشروع ومضامينه وآفاق حركته.

   وما يمكن الخلوص إليه في شأن مفهومي الإصلاح والتغيير أنهما إذا اعتمدا على دلالتهما السائدة التي تروم تكريس الإصلاح كعملية تراهن على التغيير من داخل المؤسسات الرسمية القائمة والتغيير كعملية من خارج هذه المؤسسات لن يدل إطلاقا على بيان المدلول الحقيقي للاستراتيجية السياسية في تجربة العدل والإحسان بما هي تجربة دعوية منتبهة، بالاعتبار اللازم، إلى خصوصيات المغرب في كل مجالاته وحيثياته. ذلك أن أغلب الحركات التي اعتمدت هذا التقسيم المفاهيمي لم تستطع اختراق الواقع المغربي لحد الآن في الاتجاه الإيجابي، في حين نجد تجربة العدل والإحسان، في ظرف زمني قياسي، وجدت موقعها وأصبحت من صلب المعادلة السياسية والمجتمعية التي قد تتحول في لحظة معينة إلى قطبها في إطار نهضة شاملة للمجتمع المغربي من خلال تحقيق مقتضيات استراتيجيتها المجتمعية والسياسية.

2- معنى الاستراتيجية السياسية في مشروع جماعة العدل والإحسان   إن الاستراتيجية السياسية تتحدد من خلال الوعي بمسألتين حيث إن الغموض حولهما يؤدي إلى عدم فهم المدلول السياسي للعملية، كما يؤدي إلى عدم الانتباه إلى دقة الهدف السياسي المباشر في كل مرحلة من المراحل التي تغطيها حركة المشروع المجتمعي في مستوى أول وحركة المشروع السياسي في مستوى ثان.

   المسألة الأولى: قضية الموقع والموقف.

   المسألة الثانية: قضية بناء القوة المجتمعية.

   إن الموقف صادر عن الموقع حيث ينبغي أن يكون خادما له في جميع الأحوال والصور ما لم يكن التحول عن الموقع مرحلة طبيعية من مراحل المشروع، كالانتقال من المعارضة إلى الحكم أو المشاركة فيه أو عند تمريض مرحلة انتقالية مضبوطة المضمون والوسائل بناء على صيرورة المشروع وسيرورته. ومن ثمة فكثير من الحركات عندما لا تحافظ على الانسجام بين الموقع الذي تتحرك من خلاله في إطار عملية التدافع السياسي والمجتمعي والمواقف الصادرة عنها، لاشك أن ذلك يؤدي إلى ارتباك شديد وحاسم في أدائها الميداني قد لا يظهر في اللحظة نفسها، ولكن يكون له الأثر الكبير على مستوى تحوير أوتعطيل الاستراتيجية جملة في لحظات هامة، مما يفرغ الحركة من مضمونها المجتمعي والسياسي الأصلي.

   وهذه القاعدة انطبقت على كل التجارب اليسارية في المغرب وكثير من التجارب الإسلامية التي سلمت في آخر المطاف بقبضة القواعد النظامية المهيمنة على اللعبة السياسية والحركة المجتمعية في المغرب.

   نعم، ليس همنا في هذه المقالة البحث عن العوامل في ذلك التحول والخضوع بالإكراه أو الطوع لتلك القواعد النظامية ضمن التجربة المغربية، ولكن المهم هو بيان القيمة العلمية والاستراتيجية لمفهوم القومة كأساس علمي ووعي استراتيجي يشكل عمق التوازن الحركي في مشروع العدل والإحسان السياسي ومضمون الاستراتيجية السياسية.

   ومن ثمة، فإن عبارتي: “العمل من داخل المؤسسات الرسمية” و”العمل من خارج المؤسسات الرسمية” لن تكونا أداتين لكشف مضمون تلك الاستراتيجية، بل إن كشفها لن يتحصل إلا من خلال تحصيل مدلول المفاهيم المركزية التي يعرضها مشروع العدل والإحسان من حيث قدرتها على تشكيل نسق مفاهيمي ودلالي حركي يصنع واقعا من خلال القدرة على إنجاز عمليتين متكاملتين:

   الأولى: الكفاءة والنجاعة والمصداقية في عملية التحليل والتفكيك للواقع المعيش في كل أبعاده ومضامنيه من خلال مفاهيم ودلالات تتوفر على هذه الصفات.

   الثانية: الكفاءة والقدرة في عملية تركيب الواقع المنشود بناء على نتائج العملية الأولى ضمن التصور العام وحركة المشروع المجتمعي، بحيث يتم إنجاز عملية تاريخية متدرجة ومتئدة تنتقل بالأمة من واقع مجمع على سلبيته إلى واقع مجمع على مشاركة الجميع في صياغة مضامينه وآفاقه. فهي عملية تحول سياسي في إطار عملية تحول تاريخي إذ يتحصل على أرض الواقع معنى الحياة الجماعية التي تدار فيها الخلافات والتعارضات ضمن خيار مرجعي جامع وناظم بما يعطيها فعالية وجدوى، عوض الانقسامات والانشطارات العمودية والأفقية التي تهدد كيان المجتمع المغربي وتديم ضعفه سياسيا واجتماعيا ما لم يتم تدارك الأمر.

   نعم، إن المراقبين، وحتى أهل العدل والإحسان، يعتبرون أن تنظيم جماعة العدل والإحسان يحتل موقع المعارضة، وهي حقيقة موضوعية، لكن ما ينبغي الانتباه إليه أنها ليست معارضة على النمط السائد؛ سواء في أدبيات الحقل السياسي المغربي أو ضمن الفكر والتفكير السياسيين الغربيين.

   أي أنها ليست معارضة سياسية صرفة تبني مواقعها بناء على المعطى السياسي الواقعي، بحيث إن تغير هذا المعطى يقتضي تغيرا في الموقع تلقائيا، ولا هي معارضة أبدية لا تنتبه إلى حركة الواقع وكيفيات التعاطي معه. ومن مقتضيات هذا أن يزيل الباحثون من اهتماماتهم إمكانية تحول الجماعة إلى حزب سياسي لأن ذلك بكل بساطة يعني نهايتها كمشروع دعوي، ولكن إن اقتضت المعطيات الواقعية إنشاء حزب سياسي أو ما شاكل ذلك فإن الجماعة لن تتخلف عن إنجاز وسيلة ضرورية، أو من الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة كما اقتضت الضرورة والحاجة العملية إنجاز مؤسسة “الدائرة السياسية” في لحظة تاريخية معينة من حركة مشروع العدل والإحسان على أرض الواقع المغربي.

   وفي هذا الإطار يدخل مفهوم القومة الذي أساء كثير من الناس العلم به، حيث اعتبره الكثيرون لحظة زمنية معينة ربما عفوية تنفذ من خلالها الجماعة مشروعها السياسي في أي مناسبة ومن ثمة فهو مفهوم قابل للتجاوز. والحقيقة أن القومة عملية كبرى من خلال نهضة عامة للمجتمع وإعداد جيد في جميع المستويات والمجالات والقطاعات بما يحقق فعلا الانتقال من مرحلة إلى مرحلة انتقالا إيجابيا ومتكاملا وفق استراتيجية مستوعبة وجامعة، ضمن امتداد المضمون الإيجابي لحركة الأمة في الزمن المستقبلي.

   ومن هنا ينبغي الانتباه إلى الحقيقة التالية:

   إن الاستراتيجية السياسية التي تتحرك جماعة العدل والإحسان في الواقع المغربي لإنجازها تتميز بمزيتين أساسيتين من خلال إعمال مفهوم القومة:

   الأولى: أن مفهوم القومة حين يتجاوز مفهوم الثورة علميا وعمليا ليرفض العنف بكل ألوانه كأسلوب ومضمون في عملية الإصلاح والتغيير والبناء، فإنما يعطي للعملية عمقها التربوي والأخلاقي السامي مضمونا ووسائل. ومن ثمة فإن إشكال علاقة الدين بالسياسة في مجتمع مسلم لم تعد ذات أهمية تصورية وحركية. كما أن علاقة السياسة بالأخلاق ليست إشكالا بما أن مفهوم القومة هو الجسر الهام لإعطاء المضمون الأخلاقي السامي بشكل تلقائي لعملية الإنجاز برمتها.

   الثانية: إن مفهوم القومة يجعل الاستراتيجية منفتحة على المستقبل من خلال الوعي الاستراتيجي والعلم المستقبلي حيث وضوح الأهداف والمقاصد والغاية من العملية السياسية والمجتمعية للمشروع، وهو ما يوفر كفاءة عالية في تدقيق وتحديد نوع الوسائل في ذلك.

   والمقصود بالوعي الاستراتيجي العلم بكل مرحلة من مراحل حركة المشروع وبطريقة تمريضها وبمضمونها السياسي والمجتمعي والثقافي على خط الإصلاح والتغيير والبناء خدمة للأهداف السياسية والمقاصد الحركية والغاية الوجودية.

   أما المقصود بالعلم المستقبلي فهو العلم التام بكل سناريوهات إنجاز المشروع السياسي، بحيث إن خط القومة بما هي نهضة عامة وموجة وعي وقيم عارمة تكون فيها الأمة المحضن الواعي للعملية مع قيادة مجتمعية وسياسية  هي موضوع المسألة الثانية- تتميز بقيم الصدق والأمانة والمسؤولية والبذل والعطاء على طول خط الإصلاح والتغيير والبناء، هو ما يعطي لعملية تغطية جميع مراحل إنجاز المشروع تماسكا ووضوحا إذ تكون المرحلة الانتقالية على أية صورة مستوعبة بما يضمن الانتقال الإيجابي الباني عوض السماح للمجتمع بالسقوط في فخ الاضطراب والفتنة والهرج والمرج وتكريس قواعد الاستبداد والفساد والإفساد كما يحصل في كثير من صور مراحل الانتقال الصعبة.

   وبناء على هذا العلم المستقبلي فإن ما قد يكون احتمالا على هامش السيناريو الأصلي في إنجاز المشروع، يكون احتمال الخطأ في علاجه في اللحظة المستقبلية الاستثنائية نادرا إلى منعدم لأنه لا يخرج عن إطار إنجاز واعٍ لكل الاستراتيجية في أية لحظة أو على أية صورة منسجمة مع قيم ودلالات القومة بما هي نهضة أمة واعية. وهو عنصر قوة هامة في حركة مشروع العدل والإحسان حيث ينظر إلى الاحتمال الهامشي أو الاستثنائي المستقبلي كيف ما كان ليضع له العلاج التصوري الناجع يقينا في كليته بما يضمن الانتقال الإيجابي. ولذلك نجد في كتاب “العدل: الإسلاميون والحكم” كل السناريوهات الإيجابية المحتملة معالجة علاجا كبيرا ومفصلا بحيث كلها مؤطرة بمعطيين أساسيين:

   – الروح الميثاقية الجماعية نفسيا وتفكيرا وسلوكا في جميع الأحوال والظروف.

   – ضمانة وعي الأمة بقضيتها وبوجودها عبر المشاركة الفعالة والمتابعة الصارمة والمحاسبة المسؤولة.

إذ جميع الحالات السلبية الطارئة على حركة الأمة تقاوم من خلال هذه الضمانة المعنوية والواقعية الحاصلة في جسم الأمة فضلا عن الضمانات الميثاقية التي ينبغي تهيئ القوة المجتمعية الناظمة لها والساهرة عليها صياغة وتنفيذا.

   وهكذا فإن مفهوم القومة يعطي قوة علمية ومضمونا سياسيا حركيا مستوعبا يتجاوز قبضة الواقع السلبية لينظر إليها من خلال علم مستقبلي لعلاجها علاجا كليا وفق مراحل زحف متئدة ومستقيمة ومترابطة، وهو ما يحتاج إلى أداة تنفيذ ضرورية (قضية بناء القوة المجتمعية)، وبه تفهم مواقف الجماعة وبه تدرك طبيعة الموقع الذي تتحرك منه في بعده السياسي والدعوي الجامع والمنجمع.

   إن الاستراتجية السياسية المبنية على مفهوم القومة بدلالاته السالفة يجعل من حركة مشروع العدل والإحسان في الواقع المغربي حرة ومنفتحة مهما كانت الظروف ومهما كان الحصار الذي يعترضه. لذلك فهي تأسيس جديد لعملية الانتقال التي تنفتح على الاستفادة من كل تجارب الانتقال، لكنها تحافظ على مبادئ العملية ومضامينها لتمتد في الواقع بكل إيجابية ومصداقية وفعالية. فهي استراتيجية تقويض الاستبداد بكل تبعاته والفساد بكل ألوانه وتثبيت قيم العدل والحرية والكرامة والقوة والاستقلال بما هي عملية تغيير وبناء كلية.

   وهذا ليس كلاما في العموميات، إذ من يحيط بكل أدبيات الجماعة المتعلقة ببناء الاستراتيجية وتنفيذها يدرك مدى إحاطتها وواقعيتها وامتدادها واستيعابها، على قواعد رفض العنف والتطرف والغموض والخوف وأنصاف الحلول والحوار الغامض والكيل بمكيالين وإبعاد الأمة عن المشاركة الواعية.

   إنها استراتيجية قول الحق بالحكمة اللازمة، وإذا قالته لا تعتذر عنه، واستراتيجية بناء الحق بالرفق والحلم اللازمين والتؤدة الضرورية، وإذا بنته لا تتراجع عنه إلا إذا كان في ذلك مصلحة عامة راجحة محققة واقعا غير متوهمة.

   إننا أمام عمل تاريخي هام قد تحجبه أحداث اللحظة عن أنظار الكثيرين، لكن له مصداقيته وواقعيته وجدواه وملحاحيته.

   في الحلقة القادمة، بحول الله تعالى، نتحدث عن القضية الثانية: بناء القوة المجتمعية لنمر إلى بعض دلالات مفهوم القومة بعد أن بانت قيمته السياسية والحركية الاستراتيجية المستقبلية.