كنت كتبت منذ مدة مقالا حول الصبر على أذى الظالمين، اقتداء بأولي العزم من الرسل، عليهم الصلاة والسلام؛ كيف ابتلوا وأوذوا، وكيف صبروا واحتسبوا، وكيف أعلنوها صيحة و صرخة في وجه الظالمين: (ولنصبرن على ما آذيتمونا). لكن ابتلاء الله لأنبيائه وأوليائه سنته دائمة. عن أبي عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الذين يلونهم، ثم الأمثل فالأمثل”.

لوحة خالدة:

أعود اليوم إلى موضوع الصراع بين الحق والباطل، لنتأمل سويا صورة أخرى، بل لوحة خالدة، بلغ فيها الجور أقصاه وأقساه، وبلغ فيها الصبر غايته ومنتهاه.

في سورة البروج يبين الحق سبحانه خسة الظالم حين تسول له نفسه ابتكار ألوان من العذاب، وانهزام غطرسته عندما تتهاوى أمام شموخ المؤمن الذي يسمو به إيمانه ليتحدى كل الصعاب، متوكلا على الملك الوهاب.

مقدمات المشهد:

يتصدر المشهد قسم من العزيز الجبار، يقسم فيه سبحانه بأمور عظام شاهدة على هذا الإنسان الضعيف المسكين، وأخر يشهدها هو اليوم أو بعد حين: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ، وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ، وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ؛ ليقرر حدثا وقع في التاريخ: قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ، النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ، إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ، وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ.

الشاهد والمشهود:

مما أورده المفسرون لمعنى الشاهد والمشهود أن “الشاهد” يوم التروية، “والمشهود” يوم عرفة؛ “الشاهد” آدم، و”المشهود” يوم القيامة؛ “الشاهد” الإنسان أو الملك يشهد على ابن آدم: “وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد”.

وفسرها حبر الأمة سيدنا عبد الله عن ابن عباس رضي الله عنه فيما رواه عنه يوسف بن مهران قال: “الشاهد” محمد صلى الله عليه وسلم و”المشهود”: يوم القيامة، ثم تلا “فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا” (النساء-41)، وقال: ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود. وروى الوالبي عنه رضي الله عنه قال: الشاهد هو الله عز وجل والمشهود يوم القيامة.

قال الطبري مرجحا: “والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله أقسم بشاهد شهد، ومشهود شهد، ولم يخبرنا مع إقسامه بذلك أي شاهد وأي مشهود أراد، وكل الذي ذكرنا أن العلماء قالوا: هو المعني مما يستحق أن يقال له (شاهد ومشهود)”.

تفاصيل المشهد:

روى الإمام مسلم في صحيحه عن صهيب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت فابعث إلي غلاما أعلمه السحر، فبعث إليه غلاما يعلمه، فكان في طريقه إذا سلك راهب، فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه، فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خشيتَ الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل: حبسني الساحر، فبينما هو كذلك، إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم أساحر أفضل أم الراهب أفضل، فأخذ حجرا فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس، فرماها فقتلها، ومضى الناس، فأتى الراهب فأخبره، فقال له الراهب: أي بني، أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل علي، وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص، ويداوي الناس من سائر الأدواء، فسمع جليس للملك كان قد عمي، فأتاه بهدايا كثيرة، فقال ما هاهنا لك أجمع إن أنت شفيتني، فقال إني لا أشفي أحدا، إنما يشفي الله، فإن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك، فآمن بالله، فشفاه الله، فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملك: من رد عليك بصرك، قال: ربي، قال: و لك رب غيري! قال: ربي وربك الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فجيء بالغلام، فقال له الملك: أي بني، قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص، وتفعل وتفعل، فقال: إني لا أشفي أحدا، إنما يشفي الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب، فجيء بالراهب، فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدعا بالمنشار، فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه حتى وقع شقاه، ثم جيء بجليس الملك، فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه، ثم جيء بالغلام، فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه، فذهبوا به فصعدوا به الجبل، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل فسقطوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك، قال: كفانيهم الله، فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه، فذهبوا به فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فانكفأت بهم السفينة فغرقوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك، قال: كفانيهم الله، فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، قال وما هو، قال: تجمع الناس في صعيد واحد، وتصلبني على جذع، ثم خذ سهما من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل: باسم الله رب الغلام، ثم ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني، فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع، ثم أخذ سهما من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال: باسم الله رب الغلام، ثم رماه، فوقع السهم في صُدْغِهِ، فوضع يده في صُدْغِهِ في موضع السهم فمات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، فأُتِيَ الملكُ فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر، قد والله نزل بك حَذَرُكَ، قد آمن الناس، فأمر بالأخدود في أفواه السكك فخدت، وأَضْرَمَ النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه فأحموه فيها، أو قيل له: اقتحم ففعلوا، حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها، فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أُمَّهِ اصبري فإنك على الحق ).

قال البغوي: هذا حديث صحيح. وقيل: إنّ الصبي قال لها: قعي ولا تقاعسي. وقيل: ما هي إلا غميضة فصبرت.

ما هي إلا غميضة:

غميضة تصغير لغمضة، والغمضة كما جاء في لسان العرب من:

(غمض) الغُمْضُ والغَماضُ والغِماضُ والتَّغْماضُ والتَّغْمِيضُ والإِغْماضُ النوم يقال ما اكتَحَلْتُ غَماضاً ولا غِماضاً ولا غُمْضاً بالضم ولا تَغْمِيضاً ولا تَغْماضاً أَي ما نمت.

قال ابن بري (…): أَرَّقَ عَيْنَيْكَ عن الغِماضِ… بَرْقٌ سَرَى في عارِضٍ نَهَّاضِ.

روى سيدنا جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما حديثا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بل مشهدا تعليميا، شبيه في مطلعه بحديث جبريل عن الإسلام والإيمان والإحسان، جاء في آخره أن سيدنا جبريل سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فكم ما بين الدنيا والآخرة قال: «غمضة عين» قال فذهب الرجل فلم يُر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «هذا جبريل أتاكم ليزهدكم في الدنيا ويرغبكم في الآخرة».

سبحان الله! الدنيا كلها غمضة عين.

لكأني بالكون كله، المسبح لربه، الخاضع لجلاله، الغاضب على من خرج عن ناموسه،

يقول لكل جبار عنيد:

إن ليل الظلم مهما بدا طويلا فهو أقل من غمضة، ومهما بدا ظلامه دامسا، فعن قريب يتلاشى؛ فإن أشد ظلام الليل حلكة وأشد أوقات الليل ظلمة، هي ما قبيل الصبح؛ و”إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب”.

ويهمس في أذن كل خائف رعديد:

قد مضى من الليل جله ولم يبق منه إلا القليل، “فلا نامت أعين الجبناء”.

ويهتف بكل شهيدة وشهيد:

ما هي إلا غميضة!!! فصبر جميل والله المستعان وعليه التكلان والصلاة والسلام على خير ولد عدنان.