24 ماي 2006 هو تاريخ انطلاق العدوان المخزني في حلة جديدة على جماعة العدل والإحسان. كانت البداية مدينة تمارة لتعم بعد ذلك جميع المدن والقرى، فالجماعة حسب تصريح وزير الداخلية كثفت من أنشطتها مما يتعارض مع القانون المخزني، فأصدرت الأوامر والمذكرات لتشديد الخناق على جماعة فتحت قلوبها وبيوتها لأبناء الشعب في عملية تواصلية نادرة، تعرف بمشروعها، وتطرح أفكارها، وتمد يدها إلى كل الغيورين على وطنهم، والراغبين للعمل سويا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بعد أن أصبحنا نعيش في أكفان الفقر والجهل وفي كهوف من الظلم والاستبداد.

لم يتحمل المخزن هذه الدعوة لتحرير الإنسان، من جماعة رضع أبناؤها لبان العدل والكرامة والحرية، فما انحنت جباههم إلا لفاطر السماوات والأرض.

المخزن لا يؤمن إلا بنفسه، وهو محور حركة المجتمع كما يعتقد، وجميع الأفلاك ينبغي أن تدور حوله، ومن خرج عن هذا القانون سلَّط عليه شهبه ونيرانه.

المخزن يسعى دائما لتضخيم ذاته على حساب المجتمع الذي يعمد إلى تقليص حجمه والقضاء على دوره الحقيقي وفعاليته حتى تتمكن ذات المخزن من التمدد فلا يرى بصره إلا ذاته الشريفة فيمتزج الاثنان ويصيران شيئا واحدا في مفهوم فلسفي مخزني غريب، فالمخزن هو المجتمع والمجتمع هو المخزن، ولذا يرفض المخزن أي شريك أو منازع، فهو واحد لا يقبل التعدد وبلغة القرآن “ما أريكم إلا ما أرى”، فكانت النتيجة الحتمية لهذا التسلط والطغيان أن أغرق فرعون قومه وما هدى.

وكل مجتمع يكون مهددا بالغرق عندما يقدم النظام على خنق الحريات وحبس الطاقات، ولا يسمح أن يتردد على مسامعه إلا ما نطق به هو، فيصبح المجتمع برمته أسير فكر لا يتجدد، ولو تظاهر بالحداثة والعصرنة، لكن روحه مرتبطة بفرعون ونيرون والحجاج والسفاح.

في الأربعينات من القرن الماضي دخل على رئيس وزراء بريطانيا أحد معاونيه فرحا مسرورا ينقل إليه بشرى إصابة الحزب المعارض بخسارة كبيرة في صناديق الانتخابات، فجاء رد رئيس الوزراء على غير ما توقع معاونه فقال له: “هذه نكبة، فالديمقراطية هي أساس قوتنا، وتكون الديمقراطية بكامل عافيتها حين تكون أمامك معارضة قوية قادرة على أن تزرع لديك الإحساس باليقظة، والخوف من أي خطأ تقع فيه حكومتك، فترفع من قدرتك على النجاح، فنحن حكومة تدير دولة مترامية الأطراف تحتاج عيونا تراقب وترشد وتصحح. أما لو لم يشاركك منافس قوي يكون ندا لك، فالديمقراطية بحيرة راكدة فاقدة للتيارات الجارية، سهل أن يظهر فيها العفن وفساد المياه. ثم وهذا هو الأهم إن الناس حين يشعرون أن الديمقراطية معطلة، بسبب ضعف أحد أهم أركانها، وهي المعارضة العفيفة يتكون لديهم شعور بانعدام الثقة في العملية السياسية برمتها”(1)

أرسل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه إلى عماله يطلب رأيهم في أمر أخذ البيعة ليزيد “وليا للعهد” فقام يزيد بن المقنع فلخص الموقف الأموي من “الخلافة” في هذه العبارة الموجزة:

“أمير المؤمنين هذا” وأشار إلى معاوية.

“فإن هلك فهذا “وأشار إلى ابنه يزيد.

“فمن أبى فهذا” وأشار إلى سيفه. فقال له معاوية بن أبي سفيان “اجلس فإنك سيد الخطباء”.

فالأحزاب المقطوعة الصلة بالجماهير، وديدان القراء والمثقفون الذين لم يستطيعوا مقاومة إغراءات السلطة، رضوا هؤلاء جميعا أن يكونوا أدوات تردد على مسامع الحاكم ما يحب ويهوى، فكانت الخيانة العظمى التخلي عن قضية شعب، وتركه فريسة نظام استفرد بالحكم، يطارد أصحاب الفكر المتنور المستقل، ويطارد كل من يملك القدرة على تقديم رؤية أو مشروع مناقض لما هو قائم، لكن العاقبة للمتقين.

جرت سنة الله أن يستدرج المفسدين الظالمين، ويسوقهم إلى الهلاك المبين جزاء وفاقا”ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون”(2) “وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال”(3)

إن نيرون الطاغية بلغ به الإجرام درجة لا تصدق، قتل أمه وزوجته وتمتع برؤية روما وهي تحترق، ألقى بالمسيحيين إلى الأسود كي تفتك بهم، إنه نيرون الذي عانى طفولة صعبة مع أبيه السكير القاسي جعلته عندما غدا إمبراطورا يقتلع عين أحد فرسانه جراء ملاحظة بسيطة، ويمر بعربته على طفل أزعجه… وفي الأخير كانت النهاية مخزية لهذا الطاغية، ثورة شعب اضطر معها أن ينحر نفسه بنفسه قبل الإمساك به، والانتقام منه شر انتقام. ما أكثر مثل هذه الأمثلة المعروضة علينا للاعتبار، ولن تجد لسنة الله تبديلا “ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله”(4)

——————————————-

1- الإصلاح السياسي من أين يبدأ، عاطف الغمري، ص 162.

2- سورة إبراهيم، الآية: 42.

3- سورة إبراهيم، الآية: 45.

4- سورة الأنعام، الآية: 34.