دراسة وثائقية

بقلم: حسن أوهى / e-mail: hassanou67@ yahoo.fr

تقديم:يعتبر الحديث في الشأن السياسي وما يتعلق به من نظريات ومذاهب ومبادئ وتصور وبرامج وممارسة& من أعوص القضايا وأعقدها. ولعل ارتهان سير الدول ومصيرها بالفعل السياسي ومدى قدرة السياسيين وأهليتهم لتسيير البلاد والعباد أكبر دليل على ذلك.

وإذا كان المجال السياسي يغري أكثر من غيره من المجالات الأخرى اقتصادية كانت أو اجتماعية أو ثقافية، فلأنه هو المتحكم فيها والمهيمن عليها والراسم لخطوطها ومسارها.

كسب الرهان السياسي يعني بسط التصور السياسي على جميع المستويات. يعني تطبيق البرنامج السياسي. يقول المفكر الفرنسي “بيير بكتيت” في هذا الشأن، مؤكدا على قوة السلطة السياسية، في كتابه “النظام السياسي والإداري في فرنسا”: “تشكل السلطة السياسية العنصر المحرك لجهاز الدولة، فهي التي يراهن عليها في المنافسات الكبرى بين أهم التيارات، إما بمناسبة الانتخابات الرئاسية وإما بمناسبة الانتخابات التشريعية، وعليها تتركز أضواء الساعة، وإليها يلتفت المراقبون عندما يجرون التحليل الموفق”. (ص9).

إن ما يميز المدرسة الإسلامية في هذا المضمار هو استمداد نظرتها وأصولها ومبادئها من الوحي المنزه. ولئن كان هذا عامل قوة واعتزاز ويقين وتنوير في مدرستنا الإسلامية، فهو من منظور الغافلين عن الله عز وجل محط استنقاص لاستخفافهم بالغيب وكل ما يمت إليه بصلة، ومحط إبهام لاستبعادهم لعامل القدر وفعله في ملكوت الله عز وجل.

هذه النظرة المغرضة الازدرائية لا تضير تصورنا ولا فعلنا في شيء. الحركة الإسلامية حقيقة وواقع. الحركة الإسلامية فاعل حقيقي في الواقع. بل إنها أصبحت الآن تمثل العنصر الريادي الطلائعي في الخضم السياسي لمجتمعاتنا. وإنكارها أو تجاهلها ما هو إلا من باب سياسة النعامة التي تغرس رأسها في الرمال خوفا وتوهما.

الحركة الإسلامية باختلاف مشاربها وتصورها فاعل ذو وزن في مجتمعاتنا الإسلامية. لكن رصد حقيقتها وتصورها غالبا ما يضيع تحت وطأة التعميم أو الاختزال. بينما الحكمة والمنطق يقتضيان دراسة كل جماعة على حدة، والتدقيق في مرتكزاتها وخصوصياتها وتصورها وبرنامجها.

ما هي غاية التغيير الإسلامي وبرنامجه؟ ما هو أصله وفصله؟ الآية الكريمة 41 من سورة الحج تجيبنا بوضوح وإحكام على هذا التساؤل. يقول العزيز الوهاب في الغاية من التمكين لعباده المؤمنين في الأرض: “الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر. ولله عاقبة الأمور”.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين في تفسير هذه الآية الكريمة: “نظام الحكم الإسلامي واجبه الأول إقامة الصلاة. الحاكم والمحكومون يركعون لله ويسجدون، سواسية في ذلك، لا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله. واجبه الثاني الزكاة لتسوية المسلمين في المعايش قدر المستطاع. واجبه الثالث توزيع المسؤوليات على كل مسلم ومسلمة، فكل مسلم ومسلمة راع مسؤول عن رعيته، واجب كل مسلم ومسلمة أن يشارك بيقظة وعزم وقوة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

صلاة لله تجدع أنف الاستكبار، زكاة هي الركن الركين للعدل الاجتماعي، مسؤولية عامة وخاصة، ومشاركة، وتطويق لعوامل الفساد.

هذا بلغة العصر إدماج نفسي فكري، إدماج اقتصادي اجتماعي، إدماج سياسي جهادي.

إدماج له روح، له غاية سامية، له وازع أخلاقي مصيري. وذلك ما تختم به الآية الكريمة: “ولله عاقبة الأمور”.

نظام الحكم الإسلامي لا ينفصل مبدأ وعملا عن باقي فروض الدين. الحكم الإسلامي عروة الدين ومستمسكه وجامعه ” (الشورى والديمقراطية، ص238 -239).

هـذا البحث يـحـاول الـتعريـف بالتصـور السياسي لجـماعـة بعيـنها. وقبل ذلك، نرى من الأفيد التطرق إلى ماهية الفعل السياسي وضوابط التعاطي معه. وقبل ذلك كذلك، لابد من وقفة، ولو قصيرة، مع مسألة “البرنامج السياسي” نرى من خلالها هذا المفهوم النفيس المصيري الحساس في علم السياسة ووعي الجماعة العميق به ونظرتها إليه.

الفعل السياسي الإسلامي: ماهيته وضوابط التعاطي معه1- ما هي السياسة في الإسلام؟

إذا كانت السياسة في التعريف الأكاديمي هي علم تسيير شؤون الدولة، فإنها من منظور إسلامي تعني تسيير شؤون الدولة وفق المنهج الإسلامي المنزل في الكتاب والسنة. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “كان سلفنا الصالح يسمون “سياسة شرعية” اجتهادهم في تنظيم الحكم. ويكون هذا الاجتهاد سياسة شرعية إن لم يصدم في نقطة من نقطه، أو رأي أو استنباط مبادئ الشريعة، ولم يتجاوز حدودها، ولم يتقحم عليها” (المنهاج النبوي، ص411).

نسطر في هذا التعريف على كلمتي: “اجتهاد” و” شريعة”.

وإذا كان الواقع يتغير من زمان إلى زمان، فإن السياسة كذلك ينبغي أن تتغير وتتجدد وتراعي هذا الواقع طلبا لمعرفته وعملا على الفعل فيه وتغييره للنهوض بأمر المسلمين وتحقيق مصالحهم الدنيوية والأخروية.

السياسة بمفهوم إسلامي هي التماس الصواب، هي الإصلاح، هي حسن التدبير، هي الحكمة. “أما إذا كان المقصود بالسياسة المراوغة والاحتيال وإتقان فن المداهنة والنفاق” كما يقول ذ. رفاعي سرور “فلا” (التصور السياسي للحركة الإسلامية، ص12).

2- ضوابط التعاطي مع الفعل السياسي الإسلامي

ثمة حيثيات وضوابط منهجية لابد من مراعاتها في دراسة الفعل السياسي للحركة الإسلامية طلبا للحكمة والصواب، وحرصا على الموضوعية والإنصاف. وهذه الضوابط هي:

1- دراسة كل جماعة إسلامية على حدة وتجنب السقوط في تعميم تصور معين على كل الجماعات، خاصة إذا كان هذا التصور مشوبا بالنقص وضيق الأفق. فتصبح الحركة الإسلامية بأكملها تبعا لذلك، ذلك النموذج الناقص ضيق الأفق.

2- استحضار البناء الفكري الخاص بالحركة الإسلامية وعدم إسقاط الإيديولوجية اللاييكية، ليبرالية كانت أو اشتراكية على الجماعات الإسلامية. البناء الإسلامي مؤسس على كلمة الله عز وجل ويرى من زاويتين: زاوية الغيب وزاوية الشهادة.

3- تجنب فهم تصور الجماعات الإسلامية السياسية الحالي من خلال التجارب الإسلامية التاريخية كالدولة الأموية أو العباسية مثلا، لأن هذا يضفي على التصور السياسي الحالي صورا وأشكالا لا تمت إلى واقعنا الراهن بأية صلة.

4- تجنب تقييم العمل الإسلامي انطلاقا من تصور الآخر ومفاهيمه وآلياته.

5- ضرورة ضبط المصطلحات والتمييز بين مفاهيم التصور السياسي والبرنامج السياسي والشعار السياسي. فغالبا ما تتهم الجماعات الإسلامية بالعموميات والكلام العاطفي التهييجي وافتقاد البرنامج السياسي بسبب الخلط بين هذه المفاهيم ومعرفة ماهية كل واحد منها.

6- تقصي الحقائق وأخذها من مصادرها المعتمدة عند كل تنظيم سياسي، لا من مغرضين أو حتى من أعضاء قد لا يحسنون التعبير عن تصورهم وتنظيماتهم.

حول البـرنـامـج السـيـاسـيكثيرا ما يتم الخلط بين مفاهيم “البرنامج السياسي” و”التصور السياسي” و”النظرية السياسية”. والحقيقة أن هذه المفاهيم الثلاثة تختلف اختلافا كبيرا وإن كان الأول يستمد معناه وعناصره من الثاني ويبني عليه، والثاني ينهل من الثالث الذي يشكل المرجعية الفكرية الحاملة لنظرته إلى الإنسان والكون والوجود والمصير…

ونظرا لأهمية مفهوم “البرنامج السياسي” وحساسيته في الحراك السياسي نرى من الأفيد بل من الواجب الوقوف قليلا قبل الخوض في مسألة “التصور السياسي” ولو بشكل مختصر لتوضيحه من ناحية ولتمييزه عن باقي المفاهيم السياسية الأخرى من ناحية ثانية.

البرنامج السياسي كما يعرفه ذ. رفاعي سرور هو “خطة تفصيلية موقوتة منبثقة عن تصور ومحققة في الواقع” (المصدر السابق، ص7).

نسطر هنا على عبارتي “خطة تفصيلية” و”واقع”. هذا ما يميز بشكل رئيس البرنامج السياسي عن التصور السياسي.

التصور رؤية عامة وخطوط عريضة ننشد تطبيقها بعد تسلم الحكم. أما البرنامج فهو ترجمة هذا التصور إلى خطة تفصيلية موقوتة في واقع تملكه.

تسطير البرنامج السياسي أمر مرهون بامتلاك الواقع، بالوصول إلى الحكم. يقول ذ. رفاعي سرور: ” وكل من يريد برنامجنا السياسي عليه أن يعطينا واقعه ويسلم قيادته. وليكن شعارنا في الرد على أصحاب هذا الاستفزاز: اعطني واقعك أعطك برنامجي”.

تسطير البرنامج السياسي إذن دون امتلاك الواقع ضرب من ضروب العبث والسطحية والارتجالية. ومطالبة الجماعات الإسلامية ببرنامجها السياسي قبل التمكين في الأرض إنما هو استفزاز أجوف ينم عن أمية وجهل سياسيين كبيرين. يقول ذ.عبد السلام ياسين في هذا الشأن: “لا برنامج لكم، ولا برنامج في متناول فهمكم وقدرة إنجازكم‌~! هذه أغنية سمعناها ونسمعها. وكأن الأمر مجرد حملة انتخابية تكيل فيها الوعود كيلا، وتداعب فيها الأحلام، وتهدئ الطموح المكبوت برسم صورة ينزل فيها برنامجك منزل الشفاء للمريض، والغنى للفقير، والشغل للعاطل، والسكنى للمشرد.

ما بال الإسلاميين لا يقدمون إلا عموميات بينما الناس ينتظرون منهم برنامجا عينيا مفصلا يتناول مفردات الواقع ويعالج جزئياته؟”. ثم يجيب: “أقول: إن من غير المعجز أن يجلس نفر من الناس ليرسموا جداول برنامجية يقدمونها للناس ليعرف الناس ماذا يزعمون عمله” (حوار مع الفضلاء الديموقراطيين، ص37).

ثم يضيف: “ويغالطون ويلعبون على مفهوم البرنامج ما هو. إن ‏كانوا يوهمون في سوق المزايدات أن في متناول كل معارضة أن “تنتج” برنامجا جادا للحكم وهي بمعزل عن أجهزة الدولة وجيوشها من الخبراء والأخصائيين والمختصين فإنما يعبرون بذلك عن أميتهم الحقيقة والتمويهية في مجال الإدارة والدولة الحديثة” (المصدر السابق، ص38).

البرنامج السياسي في تصور الجماعة قضية دقيقة وأعظم من أن يتاجر بها في حملات الانتخابات المخزنية وسوق المزايدات السياسوية. البرنامج السياسي الجاد في تصور الجماعة لا يمكن طرحه والتفصيل فيه بمعزل عن أجهزة الدولة ودقائقها وأخصائييها.

الوصول إلى الحكم والحصول على تفاصيل الشأن العام شرط أساسي بالنسبة لجماعة العدل والإحسان لطرح برنامجها السياسي الجاد المفصل. ومن يزعم غير ذلك فليرنا برنامجه المفصل! “كيف يتحدد برنامج بغير واقع؟” يتساءل ذ. رفاعي سرور (التصور السياسي للحركة الإسلامية، ص7).

يذهب ذ. عبد السلام ياسين أبعد من ذلك عندما يشير إلى أمر جوهري لا يكاد اللاييكيون من خصوم الحركة الإسلامية وأعدائها يفهمونه: إنه السر العجيب في الفوز الساحق والعريض الذي تحرزه الجماعات الإسلامية في الانتخابات و يتساءل معهم: “هل اختار الشعب في الجزائر والأردن والسودان السير مع الإسلاميين لأن برنامجهم أحسن من برامج غيرهم”. ثم يجيب: “كلا! بل سار المسلمون ويسيرون إن شاء الله مع رجال الدعوة لأن رجال الدعوة معهم مشروع يتجاوز البرامج الترقيعية التفصيلية الانتخابية. معهم مشروع مجتمع يبني على أساس تعرفه الأمة وتثق به وتثق بمن يدعون إليه” (حوار مع الفضلاء الديموقراطيين، ص38).

هنا يؤكد ذ. عبد السلام ياسين على مسألة حاسمة في الممارسة السياسية والعملية الانتخابية. القضية ليست مسألة برامج سياسية أو برامج انتخابية. البرامج كما لا يخفى على أحد أصبحت سلعة تباع وتشترى وتسرق في سوق السياسة، شأنها في ذلك شأن الشعارات الحماسية والوعود المهيجة. الأمر أسمى من ذلك، الشعب يدعم ويساند ويصوت على الإسلاميين لأنه يرى فيهم هويته وتاريخه وحضارته. يرى فيهم تعبيرا صادقا عن فطرته وعن أماني مكبوتة وقيم عالية يرجو تحقيقها. يرى فيهم إسلامه وإيمانه. يرى فيهم خلاصه الدنيوي والأخروي.

الحركات الإسلامية في تنام وتوسع وتطور”ليس بسبب قوتها أو قدراتها، ولكن بسبب أصالة المشروع الذي تحمله، وتحذره وسط الشعب بمختلف شرائحه وفئاته” (ذ. فتح الله أرسلان، جريدة المستقبل، العدد 805، 16 يونيو 2004).

يرى اللايييكي الأحداث والتجارب تتكرر أمامه الواحدة تلو الأخرى ولا يعتبر. يراها فيتهم الإسلاميين بالديماغوجية وإثارة المشاعر.

يراها فيتهم الشعوب التي تساند الإسلاميين وتصوت عليهم بالغوغائية، وعدم النضج السياسي، وإساءة الاختيار كما حدث في الجزائر الجارة، ضاربا بذلك عرض الحائط حبيبته وعقيدته الديموقراطية.

لا يكون الشعب ناضجا وذو وعي سياسي إلا إذا صوت لصالحه. وهم أصحاب البرامج العلمية والمخططات الواقعية والتجارب الرائدة!

الشعوب المسلمة تدعم وتصوت على رجال الدعوة لأن معهم مشروع مجتمعي أصيل تعرفه الأمة وتثق به وبأصحابه. والإسلاميون بذلك يبنون على أرض صلبة يعرفها الشعب المسلم ويطمئن إليها ويدعهما ” وما برامج من يرجع فكره وتخطيطه لحظيرة الأسياد المحتلين للبلاد والعباد والعقول والطموحات التابعة الخانقة إلا كمن يبني على الرمال” (حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص38).

هذه حقيقة عظيمة ينبغي أن يعيها اللايييكي في صراعه مع الإسلامي “وإن لم يفهمها فقد ساخت أقدامه في مهواة التاريـخ الذي يعبدونه” (المصدر السابق، ص38).