يرى الأستاذ أحمد المراغي رئيس “منظمة الرسالة لحقوق الإنسان” أن النظام الحاكم فشل في حملته المستمرة على جماعة العدل والإحسان، ويعتبر، في هذا الحوار الذي أجراه معه موقع الجماعة، أن أحد أهم أسباب الحملة المخزنية هو عدم قبول الجماعة بالسقف السياسي الممنوح من قبل النظام وبروزها كأكبر قوة معارضة داخل البلاد..

– رغم الوضع القانوني لجماعة العدل والإحسان، ورغم عشرات الأحكام القضائية التي صدرت خلال هذين السنتين تبرئ عشرات أعضاء الجماعة من تهمتي “عقد اجتماعات عمومية بدون ترخيص” و”الانتماء لجمعية غير قانونية”، فإن السلطة المخزنية المغربية تستمر في حملتها القمعية ضد أنشطة الجماعة. كيف تفسرون ذلك؟

* بسم الله الرحمن الرحيم، بادئ ذي بدء أشكر الإخوة المشرفين على الموقع الإلكتروني لجماعة “العدل والإحسان” على استضافتي في هذا الحوار، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على انفتاح الجماعة على محيطها السياسي والحقوقي والإعلامي ومختلف مكونات المجتمع المدني.

تبرئة أعضاء الجماعة في كثير من المناسبات واعتبار العديد من الأحكام القضائية أنها جماعة قانونية ثم استمرار حملات الاعتقال والتضييق والحصار هذا دليل على ارتجالية المسؤولين وتخبطهم وعدم وجود فصل حقيقي بين السلطات، إذ أن السلطة التنفيذية والأجهزة الأمنية ولغة التعليمات هي التي ما تزال طاغية ومسيطرة وسائدة على المشهد السياسي العام، فبعد مرور سنتين من بدء الحملة الممنهجة التي يشنها النظام المغربي ضد جماعة “العدل والإحسان” كيف يمكننا تفسير ذلك واستمرار هذه الحملة إلى يومنا هذا؟ في اعتقادي الشخصي أرجع ذلك إلى عدة أسباب متداخلة فيما بينها:

في البداية أي خلال شهر مايو 2006 وما تبقى من سنة 2006 كانت هناك ضربة استباقية من طرف السلطات المغربية تجاه أنشطة الجماعة ومنعها خصوصا تلك المسماة “الأبواب المفتوحة”، مخافة تحقق الرؤى التي كانت تبشر بها الجماعة سنة 2006 أي بسبب البعد السياسي لتلك الرؤى، ثم تلا ذلك حملة منع مختلف اللقاءات التي دأبت الجماعة تنظيمها بكل حرية منذ تأسيسها سنة 1981، مثل اللقاءات التربوية والتعليمية ولقاءات النصيحة… وكان الهدف من وراء ذلك هو تخويف الناس والمواطنين من جماعة “العدل والإحسان” حتى لا يقتربوا منها ويعرفوا حقيقة ما تدعو إليه وكي لا يطلعوا عن قرب على مبادئها وأفكارها وتصوراتها..

أما في سنة 2008 فارتفاع حدة الاعتقالات من جديد يعود بالأساس إلى الوقفات المسجدية التي نظمتها الجماعة للتضامن مع الفلسطينيين المحاصرين في غزة بحيث انضافت المذكرة المشؤومة لوزير الداخلية شكيب بنموسى التي دعا من خلالها الولاة والعمال ومسؤولي السلطات المحلية إلى التضييق وعدم التساهل مع أية أنشطة تنظمها جمعيات أو أشخاص ينتمون أو يتعاطفون مع جماعة “العدل والإحسان”، لأنه لوحظ أن كل أعمال التضييق والحصار خلال سنتين لم تؤت أكلها إذ يعتقد المسؤولون أنهم بمثل هاته السلوكات والممارسات المخزنية الرجعية سوف يثنون المواطنين عن تعاملهم وتواصلهم مع الجماعة …

ومن جهة أخرى هناك محاولة لعزل الجماعة عن الشعب ووضع حواجز بينها وبين مختلف الفاعلين السياسيين والحقوقيين والقوى الحية في البلاد حتى لا يتسنى لها إنجاح مشروعها الداعي إلى الاجتماع حول ميثاق وطني والتأسيس لجبهة واسعة من أجل الخلاص وإنقاذ البلاد من الأزمة الخانقة التي تمر منها وتحرير الشعب من قبضتي الفساد والاستبداد ..

– بعيدا عن التبريرات القانونية الواهية، التي تدبج بها النيابة العامة ملفاتها لمتابعة أعضاء الجماعة والتي دحضها القضاء في مناسبات عديدة، ما هي الخلفيات الحقيقية التي تحكم النظام السياسي في حربه على الجماعة؟

* الخلفيات يعرفها القاصي والداني هي خلفيات ذات طبيعة سياسية. إن أحد الأهداف الرئيسية من هذه الحملة المخزنية ضد الجماعة هو استنزاف مواردها المالية واللوجستيكية من خلال مصادرة ممتلكاتها وإغلاق المقرات وتشميع البيوت وتغريم الأعضاء والمتعاطفين معها من أجل تحجيم دورها وتقزيم تأثيرها على مختلف شرائح المجتمع المغربي، ولكن وراء كل هذا هناك دوافع متعددة، فالدوافع التي كانت سنة 2006 مختلفة نسبيا عن الدوافع والخلفيات الحاضرة سنة 2008، فسنة 2006 كانت هناك الرؤى التي بشرت بها الجماعة، وخلال سنة 2008 تعتبر رسالة “جميعا من أجل الخلاص” هي الدافع الرئيسي للقمع الذي تعاني منه الجماعة، ولكن الدوافع والخلفيات الحاضرة باستمرار هي خروج جماعة “العدل والإحسان” عما يسمى بالإجماع السياسي وقواعد اللعبة السياسية التي سطرها النظام المغربي وعدم قبول الجماعة بالسقف السياسي المتاح والممنوح من قبل النظام وبروزها كأكبر قوة معارضة داخل البلاد ..

أيضا يجب ألا ننسى أن المستهدف من هذه الحملة -حسب رأيي- ليست فقط “العدل والإحسان” بل هي

مختلف مكونات الحركة الإسلامية بالمغرب، فهناك محاولات حثيثة من قبل التيار الاستئصالي لتجفيف المنابع تحت مسميات مختلفة تارة تحت عنوان مكافحة الإرهاب وتارة تحت يافطة إصلاح الحقل الديني…، فعلى سبيل المثال لا الحصر هناك الاعتقالات والمحاكمات غير العادلة -بشهادة مختلف الجمعيات الحقوقية- التي تعرض لها ما يسمى بأتباع “السلفية الجهادية” منذ سنة 2002 إلى الآن، ثم هناك التضييقات التي يتعرض لها أيضا بين الفينة والأخرى “حزب العدالة والتنمية” رغم قبوله بقواعد اللعبة السياسية، وهناك قضية حل “حزب البديل الحضاري” الذي قبل العمل ضمن الهامش الديمقراطي المتاح، ومنع الترخيص بتأسيس “حزب الأمة” من قبل وزارة الداخلية والمصادقة على ذلك من قبل المحكمة الإدارية بالرباط، فضلا عن اعتقال قيادات ورموز بعض التنظيمات الإسلامية (المعتصم والمرواني والركالة وماء العينين والسريتي) في شهر فبراير الماضي ومحاولة الزج بهم عنوة في ملف “شبكة بلعيرج”، والكل يعلم -الخصوم قبل الأصدقاء- تبني هؤلاء القياديين للخيار السلمي وتشبثهم بمنهج الحوار في تدبير الاختلاف وإيمانهم العميق والراسخ بمبدأ التداول السلمي على السلطة.

أعتقد أن كل هذه الأحداث المؤسفة والمتتالية تجعلني أؤكد أنها حملة ممنهجة من قبل النظام لتجفيف المنابع ومحاولات يائسة لتنفير المواطنين من كل ما له صلة بالمشروع الإسلامي، حيث إن المواطن أصبح اليوم يرى أكثر من أي وقت مضى أن الحركة الإسلامية في المغرب هي الملاذ الأخلاقي والسياسي الذي يمكنه أن يحقق له الحرية والكرامة والاستقرار والعيش الكريم.

– خلفت هذه الحملة خروقات كبيرة بحسب الهيئة الحقوقية لجماعة العدل والإحسان بلغت آلاف المعتقلين ومئات المتابعين أمام المحاكم، ناهيك عن الغرامات المالية الخيالية وصنوف التعسفات اللاقانونية الأخرى.

لماذا كل هذا الحجم من التعسف في حق جماعة يشهد الجميع انتهاجها مسلك العمل السياسي السلمي؟

* في الحقيقة وحسب آخر الإحصائيات، تجاوز عدد الذين زج بهم في مخافر الشرطة 5000 شخصا، وعدد المتابعين لدى الفضاء تجاوز الألف، كما تجاوز عدد الملفات الموضوعة في ردهات المحاكم مائتي ملفا، كما تجاوز مجموع مبالغ الغرامات 500 مليون سنتيما، فضلا عن منع العديد من الجمعيات من وصولات الإيداع القانونية ومن تنظيم أنشطتها ومنعها أيضا من استغلال القاعات العمومية، وهذا يشكل انتكاسة حقيقية على مستوى حقوق الإنسان وتراجعا خطيرا في مجال الحريات سوف يؤدي المغرب بسببه ضريبة باهظة من سمعته وصيته على المستوى الدولي، وسوف يكون له انعكاس سلبي على مستوى الترتيب العالمي فيما يتعلق بسلم التنمية البشرية.

فالنظام المغربي يحاول بمختلف الطرق والأساليب تركيع الجماعة وإخضاعها وهذا يتم بمباركة من قبل الأجنحة الاستئصالية المتواجدة في الدوائر العليا لاتخاذ القرار، فقد حاول النظام سابقا عزل المرشد عن الجماعة وتارة عزل أعضاء مجلس الإرشاد عن الجماعة، ثم حاول في تسعينيات القرن الماضي ضرب الحركة الطلابية وما يسمى بقيادات الصف الثاني وحاليا يجرب بتدمير البنية التحتية وترهيب كافة الأعضاء والمتعاطفين لصدهم عن الجماعة بواسطة الاعتقالات والاستفزازات والمحاكمات، إلا أنه مع مرور الوقت يتبين بالملموس أن هذه الخطة فشلت أيضا في تحقيق مبتغاها أي تحجيم قوة الجماعة والتضييق عليها وعزلها، حيث يلاحظ مختلف المهتمين بالحركات الإسلامية أن جماعة “العدل والإحسان” ما تزال تعقد لقاءاتها وجلساتها بشكل طبيعي ودوري بل ما يزال التعاطف الشعبي معها بنفس الدرجة وربما ازداد في بعض المواقع والمناطق، لأنه كما يقال كلما قمت بالتضييق على حركة سياسية أو اجتماعية كلما ازداد التعاطف مع قضيتها وتوسعت دائرة جماهيريتها، وما يدل على ذلك بشكل جلي هو الفوز الساحق الذي حققته الجماعة خلال هذه السنة في الانتخابات الأخيرة للاتحاد الوطني للمهندسين حيث حصلت على حوالي 37 % (28 مقعدا من أصل 75) من أعضاء اللجنة الإدارية، كما لا يخفى أيضا على كل متتبع نزيه استمرار إشعاعها وأنشطتها على المستوى الطلابي.

لهذا فالنظام المغربي يسعى جاهدا لمحاصرة أنشطة الجماعة حتى لا تزيد من تغلغلها وتوسعها وسط المجتمع كما يراد من هذا الهجوم على جماعة “العدل والإحسان” محاولة إدخالها إلى بيت الطاعة واحتوائها وقبولها بقواعد اللعبة وعدم تجاوزها الخطوط الحمراء بعد فشل كل محاولات الاستئصال والاقتلاع من الجذور..

– اعتقال سيدة طاعنة في السن تبلغ من العمر 84 في تنجداد، اقتحام بيوت واعتقال نساء حوامل ونساء صحبة أطفالهن الرضع، تشميع بيوت في عدد من المدن ما يزال أصحابها وأبناءهم خارجها، تعسفات لا إنسانية جمة.

إذا ابتعدنا عن الجوانب القانونية والسياسية، كيف تفسر هذا التجاوز غير المفهوم لكل الاعتبارات الإنسانية لسلطة تدعي حمايتها لحقوق كل المغاربة؟

* هناك وقائع أخرى سبقتها مثل اعتقال شخص طاعن في السن ومختل عقليا والزج به في السجن بتهمة المس بالمقدسات ووفاته داخل زنزانته قبل أشهر، مثل هذه الأحداث التي يتعرض لها عموم المواطنين والانتهاكات التي تتعرض لها الصحافة المستقلة فضلا عن أفراد الجماعة من عجزة وأطفال رضع ونساء حوامل هي خير شاهد على تدهور وضعية حقوق الإنسان في هذا البلد الحبيب، أضف إلى كل ذلك الاعتداءات التي يتعرض لها المعطلون حملة الشواهد العليا يوميا بالرباط والمكفوفون والمنع الذي تتعرض له تنسيقيات مكافحة غلاء الأسعار ومختلف الحركات الاحتجاجية حتى تلك التي تعمل من داخل المؤسسات الرسمية، إذ ادعاء السلطات حماية حقوق كل المواطنين لا ينبغي أن يبقى مجرد شعار يتغنى به وحبرا على ورق، بل يجب أن يترجم إلى واقع ملموس في حياة الناس اليومية والمعيشية.

إن الشعارات المعسولة التي رفعت منذ بزوغ مقولتي “العهد الجديد” و”المفهوم الجديد للسلطة” لم تفلح بعد في وضع المغرب الحقوقي على شاطئ النجاة والإنصاف والمصالحة والطي الفعلي والحقيقي لصفحة الماضي، فهذه الشعارات بدأت تنسف وتنهار في ظل التراجعات الخطيرة التي يشهدها ميدان الحريات العامة وحقوق الإنسان، خصوصا أمام الحملة المخزنية الممنهجة ضد جماعة أثبتت الأيام تشبثها بالخيار السلمي في التغيير، فعن أي عهد جديد يتحدث الحاكمون؟ وعن أية مصالحة وإنصاف يتكلمون؟