نظمت “الجمعية المغربية للدفاع عن اللغة العربية”، يوم السبت 31 ماي 2008 بقاعة علال الفاسي بمدينة الرباط، حفلا تكريميا للأستاذ إدريس الكتاني. هذا الرجل العلامة الذي كانت له الكثير من الكتابات، وشارك في العديد من المؤتمرات والندوات للدفاع عن الأصالة الإسلامية واللغة العربية.

وقد شاركت جماعة العدل والإحسان في ذلك الحفل بوفد كان في طليعته الأستاذ فتح الله أرسلان عضو مجلس الإرشاد والناطق الرسمي باسم الجماعة، والأستاذ عبد الكريم العلمي عضو مجلس الإرشاد، والأستاذ حسن بناجح الكاتب العام لشبيبة العدل والإحسان.

وكان ممن قدموا شهادات في العلامة الكتاني الدكتور المهدي المنجرة، والدكتور مصطفى بنيخلف، والأستاذ موسى الشامي أحد مؤسسي “الجمعية المغربية للدفاع عن اللغة العربية”، والأستاذ عبد الإله بنكيران، والأستاذ فتح الله أرسلان، والأستاذ عمر الكتاني. وكان القاسم المشترك بين تلك الشهادات هو الإشادة بالدكتور الكتاني وبما قدمه من جهود لخدمة الإسلام والمسلمين.

وفيما يلي نص كلمة الأستاذ فتح الله أرسلان كاملة:بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه

أستاذي العزيز الدكتور إدريس الكتاني حفظك الله

السيد المحترم رئيس الجمعية المغربية لحماية اللغة العربية

السادة والسيدات الأساتذة المحترمين

أيها الحضور الكرام

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وبعد؛

عندما يستدعى المرء منا لإلقاء كلمة شكر واعتراف تكريما لشخص أو مؤسسة فإنه يسارع إلى تدبيج العبارات وتأليف الكلمات محاولا أن يفي المكرم حقه وينزله منزلته ويرد إليه بعضا من دينه الذي يوجد في عنقه تجاهه وتجاه أمته معتذرا عن تقصيره عن عد مناقبه وحصر خصاله.

لكن عندما يستدعى المرء من قبل الجمعية المغربية لحماية اللغة العربية فالمسؤولية تتعاظم والكلمات تأخذ حذرها وتحتاط في اختيار مواقعها وانتخاب معانيها وتشكيل صورها، تتدافع الحقيقة والمجاز والجناس والطباق، والمعنى يسابق اللفظ واللفظ يسبق المعنى فلا نعرف من أين نبدأ وبأي الخصال نشيد.

وتزداد المسؤولية تعاظما على عاتق المتحدث أمامكم عندما يكون المكرم رجلا من حجم العلامة الجليل الدكتور إدريس الكتاني حفظه الله الذي تنتشي اللغة العربية اليوم بتعداد خصاله والإعراب عن جميل بلائه وتضحياته. تنتشي العربية اليوم بمدحه والثناء عليه وهو الذي لطالما سل سيف بيانه منافحا مدافعا عن حياضها، في الصف الأول لصيانتها والذود عن ثغورها، تنتشي العربية اليوم لأجل رد دين في عنقها إزاء رجل أنفق عمره لأجل أن يكسوها بالحلل الرائعة والأثواب الفاخرة ثابتا مصابرا مدافعا لا يثنيه عن ذلك قلة النصير وزمن الانحطاط وثقافة التغريب شعاره دائما إذا كنت مع الحق فأنت أمة.

تتسابق الكلمات اليوم للثناء على عالمنا إلا أنها ترجع حاسرة الرأس لأنها تجد أمامها هامة وقامة لا تستطيع مجارات علوها وسموها، إنها هامة علامتنا الدكتور إدريس الكتاني سليل عائلة العلماء زادهم الله علما وشرفا.

السيد الفاضل رئيس الجمعية المغربية لحماية اللغة العربية:

اسمح لي أن أعبر لكم عن عميق شكري وجزيل تقديري على مبادرتكم الكريمة هذه التي ترسخ ثقافة الاعتراف التي دعانا إليها وحثنا عليها ديننا السمح الرحيم على لسان النبي الكريم عندما قال: لا يشكر الله من لم يشكر الناس.

أشكركم أن دعوتموني للمشاركة في هذا الحفل التكريمي لرجل مجاهد جعل همه قضايا أمته يدافع عنها لا يتخلف عن معركة، تجده دائما في طليعة الفرسان يقودهم ويوجههم بحصافة رأيه وسداد قلمه الوجهة السديدة.

سيدي الرئيس اسمحوا لمداخلتي حول العالم الجليل الدكتور إدريس الكتاني أن تتناول الحديث عن هذه الشخصية الفذة من خلال خمسة محاور، وهي كالتالي:

الرجل العالم الشريف

الرجل والقرآن

الرجل والتعليم

الرجل وناصية اللغة

الرجل والفكر.

الرجل العالم الشريف:

خير ما أبتدئ به وأنا أتحدث عن أستاذي وعزيزي العلامة الدكتور إدريس الكتاني حفظه الله وأطال عمره وأدام نفعه أن أنطلق من أصله حتى نعرف سر المميزات العظيمة لهذا الرجل، فهو من خير معدن؛ من الدوحة النبوية الشريفة. رجل مؤمن أمين من أمنائها كما جاء في الحديث النبوي الشريف: ” تنزل الأمانة في جذر قلوب الرجال” عند البخاري في “باب الأمانة “. والأمانة لازمة من لوازم الإيمان.

الشريف الكتاني رجل عاش مع الأمة، وسطها ومن أجلها، بنية التقرب إلى الله، عاش بإرادة عازمة، ونية جهادية، منيرا الطريق عسى يجتمع إليها السالكون من أولي الهمم العالية والعزائم الصلبة.

الرجل والولاء للقرآن:

آمن عالمنا الجليل أنه ما دام القرآن بين ظهرانينا فرسالة التحرير سارية، واقتحام العقبات نداء واجب مهما كانت العقبات كأداء، والاستجابة له منشودة.

صحبته للقرآن أكسبته روحانية عالية، وقدرة على غزو القلوب وتحريك مشاعر الإيمان، ولا استغراب وأسلافه من أمثال سيدي إبراهيم وسيدي عبد الحي الكتانيين رحمهما الله.

في وجدان الرجل، القرآن ذكر يربي الإرادة. وفي حياته، القرآن شريعة تضبط العلائق. وفي دنياه، القرآن دستور للحكم والعلم وتغيير العالم. وفي تعبده، كتاب الله هو الحبل المتين، هو الذكر الحكيم، فالتربية عنده ترتكز على الاستمساك بهذا الحبل، بهذه العروة التي من تمسك بها نجا.

الرجل والتعليم:

عاش في أحضان التعليم ومن أجله، عايش وحله القاتم، وعاصر المرتزقة من دعاة التغريب، فأبى الرجل بإسهاماته أن يجعل التعليم تعليما لخدمة الفئة المترفة، وتخدير الشعب بتعليم صوري، بل نافح ضد فرض التعليم المغرب، وكافح ليكون القرآن في القلوب والضمائر نورا يبدد حلك الفتنة. وأن يعوض النظام التعليمي الطاحوني بنظام تعليمي قرآني، نظام يكون القرآن صُلْبَهُ وعَمودَه، نظام تعليمي يبني القوة الأصيلة التي تستطيع البروز في العالم، تحاوِرُه لا نُداوِرُه كما يليق بحَمَلة الرسالة الأمناءِ الأقوياءِ الأعزاءِ.

كتب الرجل وحاضر باحثا مدققا محققا، وناقدا بصيرا، محذرا من آثار التعليم العشوائي الذي طبقته الحكومات الفاسدة في البلاد الإسلامية بعد الاستقلال الصوري، ووقف مواقف الرجال ضد هذا الطاحون الأعمى محذرا من أن أقصى ما يمكن أن يخرجه هي أفواج من المتخرجين المتسولين في طابور البطالة، أو طابور هجرة الأدمغة، ليغتني بهم الاقتصاد الغربي وتتألّق بعلومهم الجامعات الغربية والمؤسسات العلمية المتقدمة.

ولم يتوان لحظة، وهو في الميدان، عن التصدي لسـوء التدبير وانغلاق الأبواب واختلال المعايير وفساد الضمائر، والاضطراب في المبادئ، والمحسوبية والرشوة، وهي ظواهر قاتلة تمنع من استعمال الأكفاء والاستفـادة منهم. ودافع عن تدريب المتخصصين واسترجاعهم من ديار الهجرة، بل اقترح، وهو الخبير، مشاريع فيها كرامتهم وعزة أمتهم، ومجالا لتفتُّح عبقريتهم، ليغيروا عقلية مجموعاتنا الناعسة، الطاعمة الكاسية، التي تتطلع لشهادة تؤهلها لكسل نظيف.

ظل الرجل طوال حياته مسهما فاعلا، مبادرا في شجاعة واستقلال رأي.

الرجل وناصية اللغة:

سيدي إدريس الكتاني رجل نذر نفسه لخدمة اللغة العربية الشريفة، لغة الإسلام، لغة القرآن. وعى مبكرا أنها لغة وَسعَت العِلْم بالله وبرسالة الله، فكيف لا تستوعب العلوم الكونية، سلاحَ الحاضر والمستقبل.

ونادى في قومه وبني جلدته بضرورة إتقان لغة القرآن لمحاربة الهيمنة الثقافية الأجنبية واحتلالها عقول أبنائنا وميادين حياتنا. وهذا يدل على اقتناعه العميق وإيمانه الراسخ بأن اللغة هي: الفكر، وأنها هي الرمز الحامل للمعرفة، اللغة مؤسسة سياسية كبرى، اللغة العربية حصن، اللغة العربية نسيج الوحدة، أم المطالب والرغائب. لغة وحدة حضارية. لغة قوة وإيمان، لغة علم وعرفان، لسان القرآن.

رفض بشتى الوسائل المتاحة وفي شتى المحافل الإعراض الممنهج عن اللغة العربية، وقاوم محاربتها وطرد حروفها، وأفشل محاولات فصلها عن مصدر الهداية والمعرفة الإيمانية، ورد باللسان كيد سحبها من ميادين العمل والإدارة، ودحرجتها من كمالها القرآني إلى لهجات عامية.

كما عمل على استرجاع مجدها وجمالها، مقاوما انحطاطها والهبوط بها من عز الخطاب الإلهي، وعز الجهاد الإيماني الرامي لوحدة الإنسانية في حرية الإسلام، إلى مسخ مترجم، وله مع المسخ صولات وجولات.

ظل يبرهن في المحافل والمراكز والمجامع والمعاهد والجامعات والمنتديات والأكاديميات وفي كل مساعيه وكتاباته بأن اللغة العربية لغة الإسلام المنبعث، وأنها أجمل اللغات وأقواها، وأنها اللغة الوحيدة الخالدة، ولن ينال منها أعداؤها ، فهي محفوظة بحفظ الذكر الحكيم. وما استطاع أن يتألب عليها من تألب لولا انحِسارُ إيمان المسلمينَ بها. وما انحسر إيمانهم بها إلاَّ لِرِقَّةِ دين بعض أبنائها وبناتِها وتغربهم.

ورحم الله حافظا إبراهيم قال مترجما عن اللغة العربية ناطقا بلسانها:وسعـت كتاب الله لفظا وغايــة *** وما ضقت عن آي به وعظات

فكيف أضيق اليوم عن وصف آلـة *** وتشقيق أسماء لمخترعــات

الرجل والفكر والثقافة:

لسعة فكره يحظى عند الجميع بالقبول التام، وتحظى كتبه بالتقدير الكامل. بسط في سجله صفحة من التسامح والرحمة والاعتدال وضبط النفس والرفق والرحمة. يتعامل مع الخصوم والمخالفين بدقة العقل المرتب. منذ عرفناه وهو كله استعداد للبحث، وطلب للحق، ووحشة من الجهل، واستنكاف عن الهينة اللينة.

عمل في النادي على إعداد الفكر الإسلامي الذي يحررنا من هذيان التغريب وفلسفاته ونظرياته الإيديولوجية.

جعل من القرآن، وعلومه، وما تفرع عنه من حكمة مادة الفكر والثقافة والتعليم والإعلام، ليصبغ المفاهيم والأفكار والتصورات والمجتمع كله بصبغة القرآن، صبغة الله، ومن أحسن من الله صبغة.

وفي الختام شكر الله لكم جهودكم وبارك لكم ووفقكم، وأدعو الله العلي القدير أن يجزل لعالمنا الجليل الأجر والثواب ولكم التوفيق والسداد والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وحرر في الرباط بتاريخ 25 جمادى الأولى 1429 الموافق 31 ماي 2008.