إن ما عاشته مدن المغرب وقراه في لحظات معانقة هموم المجتمع والأمة، سواء في الوقفات والمسيرات والأنشطة الهادفة، أو عند الانجماع مع إخوان من هيئات المجتمع المدني على همّ واحد بما فيها جمعيات الآباء والأولياء، أو الاهتمام بشؤون الناس في الأزقة والأحياء، وما عرفته الفضاءات العمومية، والمنتزهات، والطرق والشوارع، والمساجد والساحات، والبيوت الآمنة، والأعراس والأفراح، والجنائز والأتراح، والولائم، وعيادة المرضى، وصلة الأرحام، واستقبالات الحجاج… -وغيرها مما هو متعارف عليه بين الناس-، من استنفار هستيري لمختلف القوات المخزنية مدنية وعسكرية، وإنزالات هوليودية في أماكن وجود عضو أو أكثر من جماعة العدل والإحسان، ليجعل المرء يقف على مدى ضراوة الحرب التي يشنها المخزن المغربي ـ من جانب واحد ـ على هذه الجماعة القانونية ـ وجودا وفعلا وانضباطا أكثر من المخزن ومؤسساته ـ منذ ثلاثة عقود، وبشكل أشد ضراوة منذ 24 ماي 2006 م…

وضع يجعل المرء يعتقد أننا أمام مطاردة جيش نظامي شرعي متترّس بمختلف أشكال الدعم اللوجستيكي المادي والمعنوي القانوني، وبمباركة مختلق قوى الشعب له، مرتكزا في حملته على مصداقية معترف بها من مؤسسات تشريعية داعمة، ومنتظم دولي يساند، ومجتمع مدني يبارك كل خطوة من خطواته في حرب مبرمجة لاستئصال عصابة أو جماعة انفصالية إرهابية أصبحت تشكل خطرا على البلاد والعباد، وملاحقتها في الأدغال والجبال، ومحاصرتها بعيدا حتى لا تروّع أمن المواطنين أو تلحق الأذى بالمؤسسات…

والحال أننا لسنا أمام شيء من هذا إطلاقا.. لسنا أمام قضية مقدسة، أو إجماع وطني ومجتمعي على محاربة ظاهرة نشاز أو عصابة مارقة، وإنما نحن أمام حرب وهمية خطط لها المخزن وبرمجها وفق توجهات تيار استئصالي وصولي داخله، يريد لصوت الحق ألا يُسمع، ولانتهازيته وانتفاعه ألا يُقطع.. وأعلن انطلاقتها وزير الداخلية شكيب بنموسى في تصريحه التاريخي الشهير، الذي سيبقى شاهدا على تفاهة وعربدة خدام العهد الجديد والماسكين بزمام الأمور في هذا البلد: ” بتكثيفها لأنشطتها تكون جماعة العدل والإحسان قد وضعت نفسها خارج القانون” .

التصريح، رغم تخبطه وعدم تماسكه عقليا ومنطقيا، فيه اعتراف بوجود وقانونية جماعة العدل والإحسان قبل أن تُكثف من أنشطتها، وتختار بذلك أن تضع نفسها خارج القانون…

تصريح يُذكّرنا بعصر الانحطاط في كل شيء، في التفكير والكلام والمنطق، وفي الإبداع أيضا حتى قال شاعرهم لما سقطت منه كل أشكال التعبير البلاغي والإبداعي شكلا ومعنى، قال وقوله أصدق حال: عجب عجب عجب *** بقر يمشي وله ذنَب صدقت يا وزير الداخلية وصدق شاعرنا المشهود له بالنباهة والإبداع.. العجب كل العجب أن تكون جماعة ناشطة ونشيطة في زمن مخزني يريد للكل أن يخضع ويركع ويتقوقع، فلا حركة ولا صوت يُسمع إلا التسبيح بعهد يُقتل فيه كل يوم معنى من معاني الكرامة الإنسانية…

نعم، صدقت، هي جماعة ناشطة في خيارها العدلي الداعي إلى محاربة الاستبداد وإحقاق الحق وفق المتعارف عليه دينيا ودنيويا، وفي خيارها الإحساني الرامي إلى تربية الإنسان وإنقاذه من جشع نفسه وسلطتها، وتقريبه من أخيه الإنسان حسا ومعنى، ومن ربه عز وجل دنيا وآخرة.. وتلك معاني حجبها الانحطاط الذي آل إليه خدام العهدين القديم والجديد..

وهي جماعة نشيطة في حركتها الدائبة والتصاقها بهموم المجتمع، حاضرة في الأحياء والحارات والدروب والمؤسسات.. فهي إذن عجب ونشاز في المشهد الراكد الآسن الذي تحول بتواطؤ مع بعضهم إلى مستنقع فاحت رائحته، وألحقت أخطارُه بالمجتمع أمراضا فتاكة أصبحت بادية للقاصي والداني..

ولقد صدقت يا وزيرنا “المحترم” مرة أخرى في وصف الجماعة باصطفافها خارج القانون، لأنها فعلا وضعت نفسها خارج المستنقع، فهي تربأ بنفسها وبالفضلاء من هذه الأمة، وبأفراد المجتمع الملتاعين بهمومه المتحرّقين على مصيره، وبالمغلوبين على أمرهم، المستنكرين في دواخلهم لما وصل إليه حال البلاد والعباد… تربأ بنفسها وبالجميع أن تقترب أو يقتربوا من المستنقع فبالأحرى أن تكون فيه، أو تترك من لا غيرة لهم على الأمة والملة ليحشروا المجتمع فيه…

قانون المستنقع الذي يحرسه سدنة العهد الجديد / القديم يفرض الانسلاخ من كل القيم الإنسانية والمرجعيات الدينية، ومن كل فضيلة، والانغماس في وحل الخطيئة والرذيلة…

قانون المستنقع يشجع على الفساد بكل أشكاله.. وما المؤشرات والأرقام المرتبطة بالمخدرات والجرائم والدعارة واللصوصية وسرقة المال العام، والتهالك في جميع القطاعات الناتج عن سوء التدبير، والاستغلال الشخصي للقطاعات والمؤسسات.. إلا نزر مما يُخفيه مستنقع الفساد في عمقه.. وما خفي أعظم..

وقانون المستنقع موغل في الاستبداد.. فلا حل ولا عقد، ولا كلام ولا فصل إلا ما يُسمع من شعارات نشاز جوفاء، تتردد هنا وهناك كنقيق الضفادع، ولا وجود لها على أرض الواقع.. ومتى كان لنقيق الضفادع أثر على سطح المستنقع فبالأحرى على محيطه..؟ ولا حركة تغير من وجه المستنقع إلا بإذن…

يسمحُ قانون المستنقع بوجود الحشرات والطفيليات وبالتطور الطبيعي لبعض الكائنات، فإذا بالعلقة التي كانت تتعلق بالضفدعة بالأمس تصبح جسما في حجمها تزاحمها، وقد تصير تمساحا تبتلعها غدا.. كل ذلك في تناغم يجمع بين عملية التدجين والتهجين والتحجيم مفصلة على المقاس..

فهنيئا لك يا جماعة العدل والإحسان، في ذكرى التضييق والحصار، بهذا الاختيار: أن تكوني بعيدة عن المستنقع مع الفضلاء والأحرار من أبناء الشعب الذي يأبى ويرفض الانغماس في الأوحال…إننا، ونحن نعيش ذكرى 24 ماي، ذكرى تدشين المخزن لحملته المسعورة على جماعة العدل والإحسان في نسختها الجديدة، لابد وأن نستحضر بعض الوقائع والأحداث، وبعضا من الظروف والحسابات المؤطرة لردود فعل السلطات المخزنية، وتعامل الجناح الاستئصالي في السلطة الحاكمة مع ملف جماعة العدل والإحسان…

1 ـ التفرغ للملف

ظل ملف جماعة العدل والإحسان ملفا شائكا وقضية مستعصية على نظام يريد أن يوفر لنفسه غطاء قانونيا ومصداقية، وإجماعا شرعيا، على أن خياراته هي الأصلح، وأن الخارج عنها نشاز.. وجرّب لذلك أساليب ووسائل مختلفة، ووظّف مؤسسات مختصة في التعاطي مع الملف بدءا بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ورابطة علماء المغرب سابقا والمجالس العلمية حاليا، وغيرها، للرد على الطروحات والقضايا التي تعرضها الجماعة.. وجرّب المسلك القانوني والقضاء.. وجرّب الحرب الإعلامية ونشر الشائعات.. وخلال ذلك كله جرّب المساومات والعروض المباشرة وغير المباشرة مع الجماعة… ولما خاب مسعاه في ترويض الجماعة، وثنيها عن خياراتها، أو التشويش على مصداقيتها وتوسعها، قرر أن يدخل علانية في المواجهة المباشرة، وأن يتفرغ لمحاربة ومحاصرة جماعة العدل والإحسان، متخذا تصريح وزير الداخلية شكيب بنموسى منطلقا لذلك: ” بتكثيفها لأنشطتها تكون جماعة العدل والإحسان قد وضعت نفسها خارج القانون”… ونستسمح القارئ الكريم في إعادة واحدة من حكم سدنة العهد الجديد الغريبة العجيبة، فهي من جوامع الكلم في باب المحكم والمتشابه واللامنطق.. ونعتذر لسمعه الكريم وعقله الرزين عن هذا التشويش…

تفرغ المخزن مباشرة لمحاربة العدل والإحسان بشكل مسترسل وواسع على طول خريطة المغرب وعرضها في هجمة مسعورة.. وبعد مُضي عامين على نفس الوتيرة وجد الجناح الاستئصالي نفسه في نقطة البدء، مما اضطر الناطق باسمه – وزير الداخلية – إلى إصدار مذكرة مشهورة إلى جميع الولاة والعمال، فيها من التأنيب والتعنيف على التقصير في محاربة العدل والإحسان ومحاصرة أنشطتها ومراقبة بيوت أعضائها، وحركة نشطائها و… ما يشرّع لسياسة استقالت منذ مدة من أمر الشأن العام وقضايا البلاد والعباد لتتفرَّغ إلى ملف العدل والإحسان…

2 ـ قبل 24 ماي 2006م

نُذكّر، في عجالة، القارئ الكريم أنه وعلى مدى ثلاثة عقود كانت الخيارات الاستراتيجية لجماعة العدل والإحسان واضحة صريحة، لم تتغير ولم تتبدل، في وقت انقلبت جل السياسات الحزبية والرسمية وما يدور في كثير من الرؤوس رأسا على عقب.. فاللاءات الثلاث (لا للعنف، لا للسرية، لا للتعامل مع جهات خارجية) معروفة لدى القاصي والداني، ووُضعت تحت المحك والتمحيص طيلة هذه العقود الثلاثة، والشهادة الأصلية والمطابقة للأصل لكل ذلك في تقارير المخزن السرية عن الجماعة. والنصيحة بالقول والفعل مودعة أيضا، وفي اللحظات الحرجة والظروف العصيبة لدى الأجهزة العليا في النظام المغربي: (نصيحة “الإسلام أو الطوفان” – “رسالة القرن الملكية في ميزان الإسلام” – “رسالة إلى من يُهمه الأمر”…)، تلك نصائح بالقول. وفيما يتعلق بالفعل فلم تلجأ الجماعة، ولم ولن تفكر في الركوب على أحداث وانتفاضات تقوم هنا وهناك، لأنها تريد قومة جماعية ضد النفس الأمارة بالسوء أولا قبل الغير لمواجهة طغيان استبد بالرؤوس والنفوس.. قومة أساسها تربية المجتمع على التغيير الإيجابي المنشود البعيد عن العنف وإراقة الدماء… والجماعة لم ولن تتقوى بأية جهة خارجية كيفما كانت لأن مطالبها وخياراتها عادلة، متأصلة في الشعب المغربي، تتقاسمها معه ومع مختلف القوى الحية الفاضلة في البلاد… وهي جماعة قانونية وجودا وعملا وعلانية في الواقع اليومي للمغاربة، وإن كان المخزن يوهم الرأي العام أنها محظورة في سياسة تروم شرعنة عدم التعامل معها أو القبول بها في المشهد السياسي والمجتمعي المفصّل على المقاس…

قبل 24 ماي 2006 م كان المخزن يأمل أن يظل عمل الجماعة في مستوى حجم معين بعيد عن الإحراج، لذلك كان الأسلوب المفضل لديه هو الحصار المضروب على السيد المرشد.. وكان كلما ندّ عنها أمر أو أحس بخطر إلا وسارع إلى لسعة الثعبان أو الضربة الخاطفة كما حدث في اعتقالات الثمانينات والتسعينات في صفوف أعضاء مجلس الإرشاد وبعض قيادات الجماعة والمئات من الطلبة، وما كان من محاصرة المخيمات الصيفية ومنعها، أو ما حدث من ردود فعل عقب إصدار ” مذكرة إلى من يهمه الأمر”، أو عند الوقوف بالعنف في وجه الوقفات الاحتجاجية السلمية: 10 دجنبر 2001 و1 نونبر 2005 نموذجا..

مسلسل متفرق الحلقات كانت الرسالة منه: “لا تساهل مع الأنشطة ذات الوزن الثقيل”، وكان الرد من الجماعة أن الأنشطة مستمرة والعمل متواصل بأشكال وألوان مختلفة، ولعل الجديد فيها هو ما كان يزيد من ثقلها ووقعها على النظام، حتى جاءت الأبواب المفتوحة..

3 ـ الأبواب المفتوحة

دشنت الجماعة فصلا جديدا في أنشطتها مستعملة أسلوبا آخر في الدعوة يعتمد على تكثيف التواصل وفتح الأبواب في وجه الشعب ليعرف جماعة العدل والإحسان عن قرب، وليُسائلها ويعرفها مباشرة ودون واسطة، لما تفننت السلطات المخزنية في محاصرة إعلامها (خمس منابر إعلامية ممنوعة) وكذا الإعلام المستقل الذي قد يثير بعض قضاياها… وهكذا تم إعداد العشرات من الفضاءات والأروقة في مختلف المدن المغربية، وتم توزيع عشرات الآلاف من المطويات والأقراص والدعوات، وبرمجة المئات من المحطات التواصلية بهدف مدارسة المشروع الذي تطرحه جماعة العدل والإحسان…

يا للهول..

كانت تلك هي الصرخة المدوية التي أطلقها المخزن كرد فعل اعتباطي على هذا البرنامج الطموح، المهدّد بفضح وتقزيم برنامجه المفلس، المتترّس بالقوانين والمؤسسات والإمكانات اللوجستيكية والميزانيات المخصصة، والغطاء الإعلامي الرسمي والممالئ.. وما إلى ذلك من الفضاءات والطاقات البشرية.. ولكنه في النهاية هش فاشل.. وتلك هي الحقيقة التي أثارته وحركته، فراح يجلب بخيله ورجله ليسد هذه الأبواب التي لن يأتي من ورائها إلا الضنك والأتعاب.. وليته اكتفى بذلك، ليته حاصر ومنع التواصل وكفى، بل أطلق خدامه يعيثون في الأرض فسادا، يقتحمون هذه الفضاءات، ويسرقون الممتلكات، ثم يشمعون البيوت، ويقتحمون أخرى في تجاوز سافر للقوانين، وينهبون، ويرعبون الآمنين.. يختطفون ويعتقلون، يستنطقون، يعذبون، ويحاكمون.. وما إلى ذلك من أساليب لا يشملها إلا قاموس الإرهاب، إرهاب الدولة الممنهج تجاه جماعة لا تتبنى العنف، وحيال أفراد عُزّل لا يُبدون أية مقاومة، سلاحهم الوحيد أنهم لا يركنون إلى الذين ظلموا، ولا يقبلون بالذل..

وهكذا بدأ مسلسل جديد من الظلم والطغيان المسلط على فئة عريضة من أبناء هذا البلد…

4 ـ تلفيق التهم ونشر الإشاعات

لم تتوان مختلف الأجهزة المخزنية – وعلى أعلى مستويات هرم السلطة – في الكيد لجماعة العدل والإحسان، مسخرة في ذلك أبواقا وأقلاما إعلامية مأجورة مرة، وأشباه علماء ينتجون أقراصا تحت الطلب لتباع أمام المساجد أو في مختلف الأسواق مرات أخرى، أو تخصيص مواقع مشوشة، وحوارات مفتوحة على البالتولك، موضوعها الوحيد الأوحد: “جماعة العدل والإحسان”.. ولم يسلم من هذه التعبئة حتى من يدّعون أنهم مهتمون بالدراسة والبحث العلمي الموضوعي حول الحركات الإسلامية… ولا عجب إذن أن يصدر عن هذه المدينة السينمائية الكارتونية إنتاجات هوليودية خيالية عجيبة وغريبة.. فمرة يتم حبك مسلسل طويل حول “خرافية الجماعة”، حتى إذا انتهى ذلك إلى فشل طلع علينا سيناريو آخر يتهم الجماعة بالضلوع في تجارة المخدرات، من خلال علاقة متوهمة بينها وبين المدعو” بين الويدان”.. حتى إذا ظهر الحق وزهق الباطل.. كان السيناريو الموالي جاهزا حول علاقة بعض “أعضائها” بمحاولة التفجير بمكناس أو خلية بلعيرج.. وما إلى ذلك… وفي كل مرة يصدر صوت يصم الآذان، تفوح رائحة نتنة من مزبلة المخزن، تزكم الأنوف، أو يخرج شيء من تحت عباءته، تجد تلك الأجسام الكارتونية جاهزة لتلعب الأدوار المحددة لها سلفا، ألا وهي إقحام العدل والإحسان بكل الطرق في هذه الملفات/الموبقات، والهدف صرف النظر عن واقعه وحاله المشوه، إلى محاولة تشويه الجماعة والنيل منها ولو بالشائعات، وأحاديث الإفك والبهتان.. والله لا يحب كل أفّاك أثيم…

5 ـ التهديد والإذاية

وخلال كل ذلك كان الجلاد ينزل بالديار الآمنة، يهدد تارة، ويختطف ويعذّب تارة.. ويُلحق الأذى الجسدي والأخلاقي مرة، ويزعج ويروع الآمنين مرات.. وما حصل للأستاذ الفنان رشيد غلام من اختطاف وتعذيب وتلفيق تهمة الفساد له أكبر دليل على ما وصلت إليه دناءة المخزن وخسته، وما تعرضت له الأستاذة حياة بوعيدة من هجوم واعتداء جسدي في حق امرأة وسط الشارع العمومي لَيُعبّر عن مدى الوضاعة التي وصل إليها خدامه.. وما تعرضت له أسرة نور الدين شفيق، وعشرات الأسر غيرها، من حالات التهديد والتشويش والإزعاج عبر الرسائل أو من خلال المكالمات الهاتفية لَيكشفُ بالملموس أننا أمام عصابة ولسنا أمام دولة يُفترض في أجهزتها أنها تحمي المواطنين – جميع المواطنين – ولو كانوا لا يقاسمونها نفس التوجهات والخيارات والقناعات، وحتى العقيدة… ورحم الله زمانا كان فيه للاختلاف قداسة، وللحرب فيه أخلاق ومروءة.. فلا غدر ولا دناءة.. وإنما الحل والفصل للمبارزة… أما فعل مخزننا فيعبر عن غير ذلك: حرب قذرة، من جانب واحد، ولا أخلاق فيها ولا مروءة.. مما يجعلها خارج الشرعية والمصداقية، وأقرب إلى الجريمة المنظمة، وحرب العصابات، وقطاع الطرق، وتوظيف مختلف أشكال الارتزاق فيها.. ولا عجب، فذلك طبع المخزن وعلامته منذ أن وُجد..

6 ـ القضاء تحت رحمة التعليمات

لم تسلم من هذه الحرب الأحادية القذرة قُدسية العدالة، ولا القَسَم الغليظ الذي يؤطر القضاء.. ولا الميزان المعلق على الجدران وتحته الآيات الكريمة:”وأقيموا الوزن بالقسط ولا تُخسروا الميزان”، “وإذا حكمتم بين الناس فاحكموا بالعدل وأقسطوا”… ولا غيرها من الآيات.. كل شيء تم تمريغه في الوحل، في صلف ووقاحة وجهالة لم يعهدها الشعب المغربي المسلم من قبل. وهكذا تم فتح معمل القضاء على المقاس، فيه تُوظّب المحاضرُ كمادة خام، ليتم تحويلها إلى محاكمات صورية، مُعلّبة في التعليمات.. وإخراجها إلى السوق مستهجنة شكلا ومضمونا.. والحصيلة مئات الملفات والمتابعات، ومئات الآلاف من الدراهم كغرامة، وآلاف الأيام حبسا.. حتى أصبحت محاكمات العدل والإحسان في أرقام الملف المفتوح على كل الاحتمالات والتوقعات، والقابل للزيادة في كل لحظة، خاصة وأن آلة القمع لا زالت مستمرة، وعشرات المحاكمات لا زالت مفتوحة… والهدف استنزاف الجماعة ماديا وبشريا، وتخويف الناس من الاقتراب منها..

لكن هيهات هيهات، فدعوة العدل والإحسان ماضية في سبيلها بإذن ربها، دون مزايدات، والخزي والعار لقضاء التعليمات، به ندّدت البيانات الصادرة عن مختلف الهيئات …

7 ـ وبعد

وبعد نقول: هذا جزء من حصيلة سنتين من الاضطهاد والظلم المسلط على فئة عريضة من أبناء هذا البلد، تنضاف إلى فداحة الظلم الجماعي الذي يعاني منه الشعب المغربي نتيجة خمسين سنة من السياسات الفاشلة، والتي أنتجت فقرا يطال أكثر من نصف الشعب، وأمية وجهلا ترزح تحته قرابة الثلثين، وخوفا مستمرا من سنوات الرصاص التي طُويت على الأوراق وما زالت تُمارس في الآفاق… حصيلة هي جزء مهم من واقع أهم وأعم تتحدث به الركبان، وتشهد به التقارير والتصريحات الداخلية والخارجية: سكتة قلبية وقعت وعُوّضَ النبض مؤقتا بضربات اصطناعية لا محالة تنتهي بطارياتها قريبا.. وتعليم في الدرك الأسفل.. ونهب وسرقة وتسيب في التسيير والتدبير.. وجشع اقتصادي لفئة قليلة مستفيدة من غلاء الأسعار واشتعالها على حساب غالبية الشعب المغربي.. شعارها “أنا”، وإطارها “أونا”.. تُوظف جميع السبل، وتغشى جل المجالات الاقتصادية صغيرة أو كبيرة.. هدفها انتزاع الربح ولا مناص، فهي تنّين زاحف، لا يوقفه إلا “جميعا من أجل الخلاص”..

وسط هذه الأجواء تُصرف جهود كبيرة في إلهاء الشعب عن قضاياه بشتى الأنواع والسبل، وتُهدر فرص لطي الملفات العالقة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. وبموازاته يُخصص الجهد الأهم والمهم لملاحقة ومحاصرة جماعة العدل والإحسان، لا لشيء إلا لأنها تنادي بالعدل والكرامة والحق للجميع.. وهي بشهادة العقلاء من المفكرين والفضلاء والنبهاء صمّام أمان.. شهادة أخرى تُلقى في وجه منطق حكيم الزمان، وزيرنا في الداخلية الذي خرج بتصريحه عن السنن والأوزان، وصرّح بما لا زال يزكم الأنوف ويصم الآذان، ويُتَّخَذ غطاء للظلم والطغيان، فحسبنا الله ونعم الوكيل، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

ربنا لا تواخذنا بما فعل السفهاء، آمين، والحمد لله رب العالمين.