منتهى الجهل والبلادة أن يظن ظنان أن خبر العدل والإحسان قد انتهى بعد الهجمة الشرسة التي شنها المخزن عليها منذ 24 مايو من عام 2006، أو يرجو متربص زوال أمرها وأفول نجمها.

   إن ما تناقلته بعض الصحف الوطنية عن انكفاء جماعة العدل والإحسان وتراجعها وانحدار مؤشر شعبيتها، بسبب هذه المرحلة التي تجتازها في ظل الحصار المطبق الذي يفرضه النظام عليها إنما هو دفع باطل وفرية ثاكل وقول ينم عن جهل بحقيقة قوة هذه الجماعة بتركيبتها وتربية صفها وتماسك كل أفرادها وثقتهم الكاملة في مشروعها وفي قيادتها وعلى رأسها الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حفظه الله.

   الجماعة بخير وستظل كذلك مادام الله طِلْبَتها والرسول صلى الله عليه وسلم قدوتها وتحقيق عزة الأمة وعمارة الأرض بالخير رسالتها.. وليعلم المتربصون المرجفون في البلاد أن ما يظنونه قاصمة ظهر الجماعة هو في الواقع استواء أمرها واستقامة عودها وصلابة عضدها.

   لقد قلت في مناسبات أخرى بأن أهل العدل والإحسان لا تستفزهم الأحداث مهما عظم شأنها لأنهم ينظرون إلى مُُحْدِثِها وخالقها، الله جل وعلا، فهو أحق أن يخشى ويقدر حق قدره، أما ما يختاره لعباده من أقدار وما يهيئه لهم من أسباب ليس لنا أن نطلب ردها بل نسأله تعالى اللطف فيها ونرجوه أن يجعل لنا الخير فيما اختاره وقدره، ولا معقب لأمره.

   ثقة أهل العدل والإحسان في الله ويقينهم في صدق وعده لعباده المومنين بأنه ناصرهم وبأنه معهم إذا صبروا واحتسبوا وتوكلوا عليه… هذا هو العزاء وهذا هو الزاد والعماد.

   ما لا يفهمه بعض الفرقاء ببلدنا هو أن جماعة العدل والإحسان لها مَعين آخر تستقي منه وتستلهم وتأخذ وترجو وتسأل..

   ذلك المعين فيه خبر من قبلنا نتخذه عبرة وعظة وأسوة، وفيه خبر هذه الأمة، ماضيها وحاضرها ومستقبلها، وفيه خبر الحياة والممات، وخبر الحساب والصراط، وفيه خبر نعيم أهل الجنة وخبر شقاء أهل النار أعاذنا الله منها وجميع المسلمين.

   فما خبر ذلك المعين في فهم وإدراك وعرف أولئك القوم من الفرقاء إلا صلوات تتلى.وصيام وحج وتبرك ببعض السور والآيات الكريمة، وفي كل ذلك خير إذا خلصت النية وصدق القصد والطلب..أما أن ينسحب ذلك المعين على السياسة والاقتصاد والتعليم والتكنولوجيا وعلوم الحياة والتدبير.. فهذا لا محل له في قواميسهم لأن حداثتهم تنهاهم عن ذلك

   ليس بعد.. وإن وعد الله آت وهو تعالى كفيل بأن ينجزه لنا وليس لأحد أن يختار الزمان والمكان ولا الأسباب ولا شكل نزول الأقدار. فهو يقضي ويقدر ويختار، وعلينا الرضا والقبول والاطمئنان. هذا من جهة ما نؤمن به في حق الله. فيقيننا فيه تعالى لن يهتز أبدا والجماعة في هذا لا تكابر ولا تصانع بل هي صادقة في اعتمادها الكلي والمطلق على الله وفي اطمئنانها لاختياره تعالى.

   ليس بعد.. فجماعة العدل والإحسان مازالت حاضرة في الساحة وستظل رقما يصعب تجاوزه بالمطلق. وعلى من يفكر في التقليل من شأنها أو التدليس عليها بالقول أو الفعل أن يعيد حساباته لأنه يتعامل مع أقوى وأصلب وأكبر تنظيم في المغرب، يتمتع بدرجة عالية من التماسك والانسجام، وبقدر وافر من اليقظة والفطنة، وبمعدل معتبر من النضج والوعي السياسيين. ولا سبيل إلى النيل من هذا التماسك والانسجام، ولا من تلك اليقظة والفطنة، ولا من ذلك النضج والوعي..

   ليس بعد.. وما قد يتراءى من تكالب المخزن وأعوانه على الدعوة، واضطهاده لرجالها وإحكام الحصار على كل مظاهر تحرك الجماعة وأنشطتها.. لا يمكن إطلاقا أن يكون قد حسم الأمر وأنهى الجولة.. بل الأمر ماض والجولة قائمة “والله يعلم وأنتم لا تعلمون”.

   لقد شكك الناس في أمر الجماعة، وظنوا أنها انكمشت وتراجعت بفعل الهجمة الشرسة للمخزن عليها، وقد ينفذ بعض هذا الشك إلى بعض أعضاء الجماعة لكن هل نعتبر هذا بِدْعا من طبائع البشر، وأعضاء الجماعة بشر ينتابهم ما ينتاب غيرهم؟ هل نعتبر ذلك شذوذا عن قاعدة طبعت النفس الآدمية؟

   إن بعض الأحزاب إذا لم أعمم (!) وبعض المنظمات تقام الدنيا ولا تقعد في مؤتمراتها واجتماعات هياكلها ومؤسساتها وأجهزتها على أبسط وأتفه الأمور والأسباب، على الرئاسة والحظوة والمال والامتيازات. والوزارات.. فتحدث الانقسامات والانشقاقات تضرب بوحدتها عرض الحائط.

   أما الجماعة فهي في عافية من ذلك إن شاء الله، وليس عيبا ولا سُبة في حقها أن يسري النقاش في شأن المرحلة الراهنة التي تجتازها. وتتباين وجهات النظر في أساليب التصدي لضغط المخزن. فلا يستقيم صف ولا يسلم تنظيم في عرف الجماعة إن كان لا ينتمي إليه إلا كل إِمعَة لا رأي له ولا قرار. جماعة العدل والإحسان تعلم أبناءها الحوار والنقاش والجدال بآدابه والدفع بالتي هي أحسن داخل الصف وفي جلسات أعضائها وقيادييها قبل أن تطلب ذلك من غيرها من الفرقاء السياسيين في البلاد في شأن حاضر الأمة ومستقبلها. وهذه المسألة المتعلقة بهذا التوجه الجديد للنظام في تعامله مع الجماعة والمتمثل في هذه السلسلة من الاعتقالات والمداهمات وتشميع البيوت والمنع والسرقة والمحاكمات التي طبعت سنة 2006 بامتياز.. ليست هي القضية الأولى التي كثر حولها النقاش والجدال داخل الجماعة وكثر حولها لغط الإعلام. سبقت هذه القضية مسألة حصار الأستاذ عبد السلام ياسين واعتقال مجلس الإرشاد، ثم أحداث الجامعات في بداية التسعينات وسجن 12 طالبا من فصيل العدل والإحسان مدة عشرين سنة قضوا منها 17 سنة ظلما. ثم قضية استقالة الدكتور محمد البشيري رحمه الله وأحسن إليه. ونزول الجماعة إلى الشواطئ ثم أحداث العاشر من دجنبر من عام 2000، ومذكرة إلى من يهمه الأمر..

   هذه القضايا كلها أثارت ردود فعل متفاوتة داخل الجماعة وخارجها وأخذت حيزا مهما في الإعلام، وشغلت بال ووقت كل أعضاء الجماعة. وهي كذلك محطات تاريخية حاسمة شكلت في كل مرة قفزة وتحولا نوعيا أصبغ على الجماعة مزيدا من علامات النضج، وعكس مؤشرات تماسك صفها ووحدة تصور أعضائها، وأفرزت في كل المغرب واقعا جديدا وعاملا آخر يسهم في كل مرحلة في اقتسام مساحة هذا البلد مع واقع الظلم والجبروت والاستبداد، ويرغمه بالتالي على التراجع والانكماش إلى الحدود التي هو عليها اليوم. هذا في وقت راهن فيه المخزن والخصوم من أذنابه على أن تكون تلك المحطات فرصة سانحة للإجهاز على الجماعة والقضاء عليها.

   كان الأستاذ المرشد وما يزال يسأل في مجالسه عن يقين أعضاء الجماعة في ما هم عليه من أمر الدعوة، وعن صبرهم واحتسابهم.. فما سر حرص المرشد على هذا الأمر في كل مرة؟ أهو شك في يقين الأعضاء أم ليطمئن قلبه؟

   أحاول أن أفهم المغزى من ذلك ولا أجزم. وأستهدي في ذلك بقصة الملإ من بني إسرائيل الذين سألوا نبيهم أن يبعث فيهم ملكا يقاتلون تحت إمرته في سبيل الله. وهي القصة التي أوردها الأستاذ المرشد في كتاب المنهاج النبوي (1) لما فيها من عبر ودلالات عميقة تنير الطريق للجماعة المؤمنة وتسيج صفها من الأمراض التنظيمية ومظاهر الخلل والزلل.

   يقول الله تعالى في كتابه العزيز ” ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله. قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألاﱠ تقاتلوا. قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أُخْرِجْنا من ديارنا وأبنائنا. فلما كُتِب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين. وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا. قالوا أنىﱠ يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال. قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم. وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة. إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مومنين. فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده. قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله. والله مع الصابرين. ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين. فهزموهم بإذن الله وقتل داوود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء. ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين”(2).

   الاستدلال بالقرءان الكريم في ما أتناوله إنما هو للتأكيد على أن “.. هذا القرآن ينبغي أن يُقرأ وأن يُتلقى من أجيال الأمة المسلمة بوعي وينبغي أن يتدبر على أنه توجيهات حية تتنزل اليوم لتعالج مسائل اليوم ولتنير الطريق إلى المستقبل لا على أنه مجرد كلام جميل يرتل أو على أنه سجل لحقيقة تاريخية مضت ولن تعود”(3).

   يعلم الأستاذ المرشد بأن العبرة ليست بتمام اليقين قبل نزول البلاء، بل العبرة بتمام ودوام اليقين مع نزول البلاء وبعده. فحماس أعضاء الجماعة ليس له حد. ويقينهم لا يعلوه الشك. لكن هل يسلم صف الجماعة اليوم وفي هذا القرن مما لم يسلم منه الملأ من بني إسرائيل كما جاء في الآيات السالفة من سورة البقرة؟ هل يسلم أعضاء الجماعة مما لم يسلم منه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ” ..زاغت الأبصار وبلغت القلوبُ الحناجر وتظنون بالله الظنونا. هنالك ابتلي المومنون وزلزلوا زلزالا شديدا”(4) وفيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وكبار الصحابة رضوان الله عليهم جميعا؟ فهلا رجعنا إلى القرآن نتدبر آياته وقصصه، وهلا قرأنا بعين فاحصة وبقلب حاضر سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم واستنبطنا منها العبر والدلالات؟

   لابد إذن من اختبار من نوع آخر للصف، ولقد عودنا القدر في شأن هذه الجماعة المباركة أن كل محنة تعترضها إلا وكان في طياتها نُصْح وصفاء. وفِصْح وجِلاء. ونَضْح وسِقاء. وربح وعطاء. وفتح قريب ومَضاء. فكذلك أنظر إلى هذه المرحلة التي تستقبلها جماعة العدل والإحسان. وليطمئن محبوها الكثر فضلا عن أعضائها، بأنها بخير ولن تزيدها الابتلاءات إلا يقينا في الله تعالى، وتشبثا واعتصاما بحبله المتين. وسيرا على أثر أصفيائه من الأنبياء والمرسلين، وأتقيائه من الأولياء والصالحين. والحمد لله رب العالمين.

—————————-

(1)  عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، الطبعة الثانية، 1989، ص 105.

(2)  سورة البقرة، الآيات من 246 إلى 252.

(3)  سيد قطب، في ظلال القرآن، الطبعة التاسعة، 1980، دار الشروق، المجلد 1، ص 261.

(4)  سورة الأحزاب، الآيات 10 و11.