أجرت جريدة “الحياة الجديدة” حوارا مع الأستاذ عبد الواحد المتوكل، الأمين العام للدائرة السياسية وعضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان، حول بعض القضايا الوطنية، وعلى رأسها الائتلاف في جبهة واسعة لمناهضة الاستبداد والنهوض بالبلاد.

السؤال: وجهتم رسالة، عبر موقع الجماعة في الإنترنيت، “بمناسبة الذكرى الثانية للحملة المخزنية الظالمة على العدل والإحسان”. تدعون فيها “كافة قواه الحية و الجميع إلى الوقوف وقفة تاريخية حازمة، والائتلاف في جبهة واسعة لمناهضة الفساد والاستبداد”، و”وإن أولوية الأولويات اليوم هو التقاء الإرادات الخيِّرة في هذا البلد على برنامج استعجالي لإنقاذ البلد من حافة الانهيار”.

ماذا تقصدون بالقوى الحية؟ هل هي تعني بعض الأحزاب في اليسار أم الإسلاميين أم النقابات؟

الجواب: نقصد كل الفعاليات السياسية والنقابية والاقتصادية والجمعوية بمختلف حساسياتها وكل من له تأثير في المجتمع ويمكن أن يضطلع بإسهام وازن في عملية التغيير. لا نستثني أحدا إلا من استثنى نفسه.

السؤال: ما هو المقصود بـ “الائتلاف في جبهة واسعة” و”التقاء الإرادات الخيِّرة”؟ هل المقصود به هو التنسيق أم التكتل أم التحالف السياسي؟ وما هو سقف هذا الائتلاف وطبيعته؟

الجواب: الأسماء لا تهم، الذي يهم هو المضمون. والمضمون أن تدرك كل الأطراف أهمية العمل المشترك على أساس برنامج معلوم ومتوافق عليه لإيقاف النزيف وانتشال البلد من الوحل الذي يتردى فيه منذ أمد بعيد. نحن نرى أنه ينبغي تجميد كل الخلافات في الوقت الراهن والتركيز على المعضلات الكبرى التي يعانيها بلدنا وعلى رأسها معضلة الاستبداد السياسي والتسلط المخزني. وما لم يسارع العقلاء في هذا البلد لحل هذا الإشكال بأسرع وقت ممكن، فإنه لا أمل في تنمية اقتصادية ولا نهوض اجتماعي ولا إصلاح سياسي أو إداري أو غيره جزئيا كان أم كليا. إن الانصياع لإرادة المخزن المُذلة أو القبول بوعي أو بغير وعي بخدمة أهدافه الاستراتيجية القاضية ببلقنة المشهد السياسي وتفتيته خطيئة كبيرة في حق هذا البلد ومستقبله، والمسؤولية كبيرة أمام الله ثم أمام التاريخ. وإني أتساءل ماذا ستقول الأجيال الناشئة واللاحقة حين تنظر إلى هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ البلد وترى أنه كانت هناك فرص كثيرة لتفادي الكوارث وتجنب الكثير من المحن لكن نخبنا السياسية لم تغتنم هذه الفرص وآثرت الانشغال بحسابات ضيقة أو أعمتها المصالح الشخصية الآنية عن التطلع إلى الأفق واتخاذ المواقف التي تتطلبها المرحلة. أحسب أنهم لن يغفروا هذه المواقف المتخاذلة، وهذا الخنوع غير المسبوق لنظام الاستبداد.

السؤال: كيف استقبلتم ردود بعض أحزاب اليسار، التي صدرت في الجرائد، حول دعوتكم للائتلاف؟

الجواب: نحن لا ننتظر أي مفاجآت، لاسيما إن استحضرنا حالة الإحباط المهيمنة وعدم وجود رافعة إيمانية تسمو بالمشتغِل في ميدان السياسية إلى حيث يرى بوضوح أين تسير سفينة بدون ربان وتتقاذفها الأمواج ذات اليمين وذات الشمال. لذلك فمن لم يتكلم فالأمر يعنيه، ومن تكلم فقد عبّر عن موقفه. وهذا مهم جدا من الناحية التاريخية.

السؤال: هناك الآن عدة أشكال من التحالفات السياسية والمبادرات؟ هل تجدون فيها أنفسكم؟ وكيف تلقيتم تأسيس “حركة لكل الديموقراطيين” وألا تخشون أن تسحب البساط منكم؟

الجواب: أنت تحدثني عن وضع فاسد حتى النخاع ولعبة هي من صنيعة المخزن من البداية إلى النهاية. هو الذي وضعها وحدد قواعدها ووضع الشروط ليكون دائما هو الآمر والناهي دون حسيب أو رقيب وهو المستفيد الأول والفائز الأوحد. نحن نربأ بأنفسنا أن يكون لنا موقع في أسمال المخزن البالية أو أن نثق في أعماله العبثية المُهينة.

السؤال: تحدثتم عن “برنامج استعجالي لإنقاذ البلد من حافة الانهيار”، هل أنتم مستعدون لوضع برنامج مع من تختلفون معهم إيديولوجيا؟ وهل أنتم تستعدون لتقديم تنازلات من أجل الاتفاق حول “البرنامج الاستعجالي”؟ وما هو سقف هاته التنازلات؟

الجواب: أنا قلت لك قُبيل قليل نحن لا نستثني أحدا إلا من استثنى نفسه. وذلك لأننا نعتقد أنه من الصعب بل من المستحيل على أي طرف أن ينهض بعملية الإصلاح والتغيير بمفرده، لاسيما إن استحضرنا الخراب الذي يعانيه البلد جراء التدبير الفاسد الذي امتد لعقود وعقود، والأعطاب الناجمة عن نظام من الحكم استمر لقرون، وقد وصفه الحديث النبوي الشريف بالحكم العاض والجبري تنبيها على انحرافه عن الجادة والمسلك المستقيم. وإذا كان الأمر كذلك فنحن نرى أنه بالإمكان إن صحت العزائم وتحلينا ببعد النظر، التلاقي على نقط كثيرة تكون بمثابة أرضية مشتركة يمكن العمل على أساسها للتوجه بالبلد في الاتجاه الصحيح، وبعد ذلك فإن المجال مفتوح أمام الجميع للتنافس في خدمة الصالح العام. أما سقف التنازلات كما سميتها فنحن نعتقد أنه باستثناء الإسلام الذي يدين له ولحسن الحظ كل المغاربة، فإن كل شيء قابل للنقاش.

السؤال: في مستهل الرسالة، خاطبتم الدولة، وقلتم “فاعتبروا بمن سبقكم الذين طغوا في البلاد”، وأضفتم “إن ما ترونه وما تسمعونه، إخواني أخواتي من صخب وجلبة لرموز الفساد، وإرغاء وإزباد لسدنة الاستبداد، ما هي إلا ترنحات هالك يوشك أن يلفظ أنفاسه الأخيرة”.

ألا تحمل الرسالة نوعا من التهديد أو “الرؤية” بزوال الدولة؟ أم هي دعوة مجددة إلى الحوار كما لمحت إلى ذلك وثيقة “جميعا من أجل الخلاص”؟

الجواب: لا أبدا، نحن لا نهدد أحدا وليست من عادتنا، وإنما نَصف واقعا معلوما لدى الجميع. وأنتم في جريدتكم كما في جل الجرائد المغربية والدولية يتم الحديث عن الواقع البئيس الذي يعيشه المغرب بأفصح مما نتحدث، بالمعطيات الرقمية والإحصائية. والتقارير الدولية تأتينا تثرى تتحدث عن الاختلالات الخطيرة والسياسات الفاشلة المعتمدة والأخطار التي تهدد المغرب بين الحين والآخر. ولو كان الأمر يتعلق بوجهة نظر، لجاز للمرء أن يطعن فيها ويختلف معها، لكننا نحن نتحدث بما نرى انطلاقا من هذه المعطيات والتقارير الموثقة، مع علمنا ويقيننا أن الواقع أفظع وما خفي أعظم، وننبه على المآل المعلوم للتدبير الفاسد. وقد أشار إلى هذا حكيم المؤرخين العلامة ابن خلدون حين قال العدل أساس العمران والظلم مؤذن بالخراب. بل إننا نجد في كتاب الله تنصيصا صريحا على قاعدة من أعظم القواعد التي تقوم عليها سنة الله سبحانه وتعالى في حياة بني البشر، وذلك في مثل قوله عز وجل: “وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون”، والمراد كما يقول الإمام القرطبي في تفسيره، “بظلم” أي بشرك وكفر، “وأهلها مصلحون” أي فيما بينهم في تعاطي الحقوق، بمعنى أنه لم يكن ليهلككم بالكفر وحده، حتى ينضاف إليه الفساد. وعند ابن تيمية أن الدولة تدوم مع العدل وإن كانت كافرة ولا تدوم مع الظلم وإن كانت مسلمة. فهذه قاعدة تعم الجميع ولا تحابي أحدا مسلما كان أو غير مسلم. والخلاصة أننا لم نقصد أن نهدد أحدا، وإنما نبهنا على أن التدبير الفاسد معلوم العاقبة، سنة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلا ولا تحويلا.

السؤال: هل هناك سقف أو شروط محددة للحوار مع الدولة؟

الجواب: نحن منذ زمان انتهينا إلى اقتناع أساسي وهو أن النظام المخزني لا يعرف شيئا اسمه الحوار، ولم يمارسه قط، إنما يملي ويفرض شروطه. ومن العبث أن تطالب إنسانا بشيء لا يعرفه وليس لديه الاستعداد لكي يعرفه فضلا عن أن يمارسه ويمضي فيه حتى النهاية.