دخلت ما أصبح يعرف بـ”الحملة المخزنية على جماعة العدل والإحسان” سنتها الثالثة، تموجت فيها ما بين الشدة والشدة المفرطة، أما لحظات “غفلة” السلطات المحلية فما كانت إلا حالات شرود عابرة هنا وهناك، سرعان ما تدخل المركز عبر مذكرة وزارة الداخلية لتوبيخ وتأنيب أصحابها، مؤكدة أن الحملة مستمرة والمنع ساريا والقمع لغة نظام الحكم المفضلة في التعاطي مع الجماعة.

خلال هذين السنتين من القمع، ومنذ انطلاق الحملة في 24 ماي 2006، سجلت الجماعة ومؤسساتها القطرية والمحلية على السلطة تجاوزات جمة وخروقات لا إنسانية غير مبررة ولا مفهومة، تتخطى المسألة القانونية وتتعدى منطق “الحرب السياسية” وما يحكم طرفها -النظام- من محاولات تحجيم “الخصم”.

ولعل الصورة الأبرز التي أكدت تهافت الدعاوي الحقوقية والإنسانية، التي ما فتئت السلطة المغربية ترفعها بمناسبة وبغير مناسبة، رسمتها بإبداع نساء العدل والإحسان، اللواتي قدمن لوحة واضحة الدلالة، تبرز مظلومية حقيقية تعيشها الجماعة بقدر ما تثبت رجولة في الحق عز نظيرها.

فقد كان نصيب نساء الجماعة من منع مجالسهن واقتحام البيوت التي تحتضن أنشطتهن واعتقالهن ومحاكمتهن وضربهن وتهديدهن بل واختطافهن وافرا ودالا. وافرا من حيث الحجم، فمتابعة 45 أختا أمام محاكم المملكة ناهيك عن مئات حالات الاعتقال تؤكد ذلك، ودالا من حيث المعنى على أن قاعدة الجماعة ليست ذكورية ونشاطها غير محصور في جنس واحد. فالنساء شقائق الرجال في الأحكام.. وفي الحصار.

شقائق الرجال في الأحكام.. وفي الابتلاء أيضافي آسفي السلطة تعتقل 65 أختا وتتابع 4 منهن في يونيو المقبل، وفي بني ملال 34 سيدة من الجماعة يتم اعتقالهن لتَستدعي لاحقا ابتدائيتا بني ملال والفقيه بن صالح 4 منهن للمثول أمامهما، وفي وجدة 50 مواطنة مغربية تقتاد من مجالس النصيحة إلى مخافر الشرطة، وفي الدار البيضاء-البرنازيل تُعتقل 26 من عضوات الجماعة، وفي تنجداد اعتقال 60 عضوا من الجماعة بينهم نساء، وفي تازة اعتقال 13 امرأة من الجماعة كن في نزهة… اللائحة تطول والأرقام ترتفع وحسبنا هذه الحالات إيضاحا.

ما يمكن أن نسجله هنا هي الظروف اللاإنسانية التي تمت فيها كل هذه الاعتقالات، والأساليب المغرقة في السلطوية التي انتهجتها القوات “الأمنية” والسلطات المحلية في فض اجتماعات نساء الجماعة واقتيادهن إلى مخافر الشرطة، ثم فبركة المحاضر “القانونية” الرديئة. والأكيد أن الغرابة ستتضخم عندما نطالع في التقارير الخبرية التي غطت هذه الحالات أن دولة الحق والقانون المغربية، التي تتغنى ملء فيها بحقوق المرأة وبرلمان الطفل، تعتقل في مخافرها البئيسة ولساعات طويلة نساء صحبة أطفالهن الرضع وسيدات في أحشائهن أجنة البراءة.

جرت مجموع هذه الاعتقالات ما بين أبريل ومارس من هذه السنة وحدها، أما إذا رجعنا لنرصد كل المساحة الزمنية للحملة فسنصبح أمام أرقام كبيرة وحالات كثيرة من حالات الهجوم غير القانونية على مجالس نساء الجماعة واعتقالهن بشكل تعسفي، هذا مع الإشارة إلى أننا نتحدث هنا عن صنف واحد من التعسف السلطوي وهو الاعتقال.

إذ أن الابتلاء يتخذ صيغا أخرى وأشكالا مختلفة، فالسيدة الفاضلة “حياة بوعيدة” تعرضت للاختطاف والتعنيف والتهديد أكثر من مرة في مدينة آسفي، والأخت المحترمة “سهام سمون” زوج السيد المجاهد “نور الدين شفيق” تعرضت للتعنيف والتهديد والوعيد مما أدى إلى إسقاط جنينها، والزوج الوفية “فريدة بوزطوط” منذ ليلة 18 فبراير 2007 وهي وزوجها الأخ الكريم “حسين المرجاني” وأبناؤها الأربعة خارج بيتها المشمع، والأستاذة المحامية “خديجة سيف الدين” ابتليت بفراق زوجها “عمر محب” المحكوم عليه ظلما وعدوانا بالسجن لمدة سنتين….

هي نماذج ليس إلا، وإلا فالكثير من نساء العدل والإحسان طالهن عسف السلطة المغربية وظلم النظام الحاكم، والكثير منهن اعتقلن وهددن وضربن.. لكنهن صابرات محتسبات مؤكدات أنهن إن كن شقائق الرجال في الأحكام، فهن، على درب الجهاد، شقائق إخوانهن في الابتلاء أيضا.

المرأة داخل مدرسة العدل والإحسانللمرأة داخل مدرسة العدل والإحسان مكانة متميزة ومعتبرة. فهي الأخت المصانة والأم المحبوبة والزوج المحترمة، لها كامل العضوية في هياكل الجماعة، ولها كل الأهلية لقيادة العمل الخاص منه والمشترك. باختصار للمرأة مكانة مهمَّة في حمل مشروع الجماعة النظري وتمثيلية متقدمة في مؤسساتها التنظيمية.

تربي العدل والإحسان في أبنائها، نساء ورجالا، معاني عميقة للأخوة والمحبة والتقدير يختزلها عنوان قرآني نبوي أصيل هو “الوَلاية” بين المومنين والمومنات، “والمومنون والمومنات بعضهم أولياء بعض”. ومن ثم يكون البناء متماسكا متينا يشد بعضه بعضا، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد.

وبقدر ما تدرك المرأة داخل الجماعة بأن البرامج التربوية والتعليمية تزيل من عقلية الرجل الوافد إلى العدل والإحسان شوائب “الذكورية”، وعثرات النظرة التقليدية التي تستقوي بالتفسيرات العُرفية لمفاهيم “القوامة” و”الدرجة” و”نقص العقل والدين”… تستوعب سيدة العدل والإحسان أنها الشق في العمل والعون في الجهاد والنصف في حمل أعباء الدعوة. مبتعدة عن ذهنيات الندية والمثلية والتماثلية، متحصنة بمعنى التكاملية والكيان الواحد المشترك، منصرفة إلى البناء من موقعها الذي ندبها الإسلام له، مستعدة للتضحية بالمال والنفس والوقت. نِعْمَ السند والعون، هي، في الشدة والرخاء.

بين حنان المرأة ورجولة الجهادفي ضوء هذه التربية وهذا الفهم، نستوعب كيف تستطيع نساء العدل والإحسان أن يجمعن بين طبيعة المرأة وخصوصيتها من حنان وأنوثة وعاطفة ودفء، ورجولة يقتضيها الجهاد وصبر يستوجبه الابتلاء وجَلد يستدعيه التدافع وثبات على الحق في ساحة الميدان.

لقد رسمت السيدة “فريدة بوزطوط” صورة رائعة مع زوجها يوم خرجت تحتج إلى جنبه في شوارع مدينة العروي حاملة لافتة كتب عليها “واحسرتاه على حقوق المرأة” بعدما شردت هي وزوجها وأطفالها الأربعة من بيتهم. وبغض النظر عن هذا الشكل الإبداعي في الاحتجاج والضغط السياسي لانتزاع الحق، شدني هذا السند القوي وهذا الوفاء الجميل وهذا الاحتساب الجليل لامرأة وقفت إلى جانب زوجها في صلب الأزمة وأوج الابتلاء عند فقد البيت والمحضن، ليس لأن الزوج هو السكن والمحضن الحقيقي فقط -وهذا معنى نادر يُغبط كل إنسان تفضل عليه الله بهذه الهدية الإلهية- بل لأن هذه السيدة تَعتبر المعركة معركتها والابتلاء النازل هي جزء رئيسي معني به.

نفس الصنيع فعلت الأخت “سهام سمون” عندما ظن “أصحاب الليل” أنهم قد يضغطون على الأستاذ “نور الدين شفيق” لمراجعة نشاطه وعطائه داخل الجماعة بمدينة الدار البيضاء من خلالها، لكن خاب مسعاهم حين وجدوا سيدة محتسبة صابرة على التهديدات المتكررة، والتي “قتلت” جنينا ذنبه أنه جاء من أبوين اختارا عن حب ووعي منهاج العدل والإحسان. وسرعان ما ينزل مع الابتلاء اللطف ومع الشدة اللين، فيرزق الكريم الوهاب الزوجين بمولود جميل، يرى، كما أبواه، الوجود جميلا من وسط عتمة الظلم السائر إلى زوال.

حنان المرأة ورجولة الجهاد ستؤكد على تكامله عند نساء العدل والإحسان أستاذتنا “خديجة سيف الدين”، فقد أكدت في تصريحاتها المختلفة، وآخرها التصريح المصور ضمن شريط “ممنوع”، أن الله تعالى ابتلاها بسجن زوجها “عمر محب” وأنها صابرة راضية بإرادة الله، مؤكدة براءته من زور الكذب وبهتان التهمة المنسوبة إليه، مرصعة في الأذهان معنى المسؤولية تجاه الأبناء في غياب الزوج، مشددة على أن انتماءها للجماعة، ودفاعها كمحامية في ملفات كثيرة تلفق لأعضائها، فوق كل مساومة خسيسة أو ضغط مخزني مهزوم.

إن هذه المعاني الجميلة ليست متناثرة هنا وهناك عند آحاد عضوات الجماعة، بل هي نسيم عام في بستانها النسائي، وروح سارية في قاعدتها الواسعة التي تتربى على معاني البذل والتضحية والجهاد بقدر تشبعها بنسائم العطف والرقة والحنان. ومن ثَمَّ فبيان القطاع النسائي بمدينة آسفي يوم 15 ماي المنصرم، والذي صدر بعد المتابعة القضائية لـ4 نساء اعتقلن مع 65 من أخواتهن، جاء ليؤكد “أن هذه الخطوات الجبانة لن تثنينا عن عزمنا على المضي قدما في عملنا الجاد والقاصد خدمة لنساء هذا الوطن وتأطيرا لهن”. وفي نفس السياق جاء بيان القطاع النسائي ببني ملال في 27 أبريل من هذه السنة ليعلن الأخوات من خلاله “تمسكنا بخطنا الدعوي السلمي وحقنا في التعبير عن رؤانا السياسية”. وبدوره كان بيان نساء الجماعة بمدينة وجدة الشرقية حابلا بالموقف السياسي القوي مختتما بالتهنئة لنساء الجماعة اللواتي أصابهن الابتلاء “فهنيئا لك سيدتي امرأة الشرق الحرة بوسام الجهاد والإباء، في زمن ركع فيه الجبناء لتعليمات الرويبضة، هنيئا لك أن طاولت هامتك العلياء، وسجدت للواحد القهار، فكنت سيدتي الاستثناء في زمن الانحناء”.

سيدة العدل والإحسان.. لك منا كل الاحترام والامتنانإنهن نساء العدل والإحسان، تربين داخل محاضن “أخوات الآخرة” على الوفاء والعطاء، ورضعن لبن الإخاء والإباء، وتشبعن بمعاني التضحية والرجولة والجهاد. وما أجملها من معان عندما تصدر عن النساء المؤمنات. ليسمح لي إخواني داخل جماعة العدل والإحسان أن أتحدث باسمهم قائلا: إننا نقدر عاليا جهودَكِ في بناء الأسرة وجهادَكِ في بناء الأمة، وإن صمودَكِ وعطاءَكِ يلهمنا المزيد من الصبر والعطاء، وإن ثباتَكِ وتحديَكِ لهذه الحملة المخزنية الخرقاء يمنحنا معنى الثبات وقوة التحدي.

معاشر الأخوات الفاضلات، اسمحوا لنا أن نقول لكل واحدة منكن:

سيدة العدل والإحسان.. لك منا كل الاحترام والامتنان.