محنة الكتاني الناصح:

إن العلاقة بين الكتاني وعبد الحفيظ تدهورت كثيرا بعد الذي حدث بينهما. حتى قرر الشيخ الخروج من فاس، والانعزال في البادية، والاشتغال بنفسه عن الخلق، وكانت وجهته قبيلة آيت يوسي وذلك صبيحة الخميس 24 صفر عام 1327 هجرية. لكن خبر خروجه وصل إلى السلطان فخوّفه بعض بطانته تأليب الشيخ الناس عليه. فأرسل في أثره فرقة عسكرية ألقت القبض عليه. ومنذ هذه اللحظة بدأت محنة آل الكتاني. وهذه أبرز ملامحها ومراحلها:

– حمل آل الكتاني في طريق العودة إلى فاس على بغال بحلاسات فقط ـ ويعرف أهل البدو جيدا معنى هذه الممارسة ـ ووضعت الأغلال والسلاسل في أعناقهم وأرجلهم، واعتقلت نساؤهم في آخر الركب.

– دخل الركب مدينة فاس عشية الثلاثاء متم صفر 1327 على الحال التي ذكرنا، فاعترضتهم جماهير من الغوغاء، وقناصل الدول وأفراد الجاليات الأجنبية متشفين مستهزئين، والشيخ محمد يردد مقالة الصحابي خبيب بن عدي:ولست أبالي حين أقتل مسلمـا *** على أي جنب كان في الله مصرعي

وذلك في ذات الإله وإن يشـــأ *** يبـارك على أوصـال شلو ممزع- عقدت مناظرة بين الكتاني وبين السلطان يعضده جملة من العلماء دامت نصف ساعة، صدر بعدها قرار اعتقاله مع والده وشقيقه وابنه، واعتقال نسائهم أيضا مع مصادرة حليهن.

– إغلاق فروع الزاوية الكتانية بالمغرب كله والقبض على أنصارها والاستيلاء على أموالهم، وأملاكهم.

– قضاء آل الكتاني اليومين الأولين في سجنهم دون فراش ولا غطاء ولا أكل ولا شراب.

ثم كانت قاصمة الظهر عشية السبت سابع عشر ربيع الأول، وفيها أمر السلطان عبد الحفيظ بجلد الشيخ ألفي جلدة في ساحة سجنه بقصر أبي الخصيصات قرب والده وولده وشقيقه. فنفذ فيه ربع العدد المذكور. وكان رحمه الله يردد أثناء الضرب ” اللهم إن كان هذا في رضاك فزدني منه”[13]. ثم لم يلبث الشيخ إلا قليلا حتى انتقل إلى ربه ـ متأثرا بما لحقه ـ بعد أن نطق باسم الله المفرد بصوت عظيم صبيحة يوم الثلاثاء 13 ربيع الثاني من نفس السنة. وأخفي خبر وفاته عن الناس، ودفن بتكتم شديد، ثم طمس قبره حتى لا يبقى للجريمة أثر. وقد قال في نعيه المؤرخ القاضي أبو محمد عبد القادر بن قاسم الرجراجي الدكالي المراكشي:” وبموته انفتحت أبواب الهموم والغموم على المغرب واستولت اليد العادية على مدنه”([14]). أما نهاية غريمه عبد الحفيظ فمعروفة. فقد وقّع على وثيقة الحماية وأجبر بعدها بأربعة أشهر وسبعة وعشرين يوما فقط (11 غشت 1912) على التنازل عن العرش. وظل بعدها متنقلا بين طنجة والحجاز وبعض البلاد العربية. كما زار إسبانيا وفرنسا التي توفي بها يوم 14 أبريل 1937. وثبت أن عبد الحفيظ ندم على فعلته مع الشيخ وعلى تسليمه المغرب لفرنسا، وقام بإعلان توبته وتجديد إيمانه بين يدي الشيخ محمد بن جعفر الكتاني أمام القبر النبوي [15]. وأخبرني صديقي الأستاذ الفاضل، عبد المنعم بن عبد العزيز بن الصديق، أن السلطان عبد الحفيظ سعى إلى لقاء جده سيدي محمد بن الصديق مرات كثيرة. فأبى لقاءه، وما قبل توبته. وخبر ذلك مبسوط في “سبحة العقيق”، وهو مخطوط موجود بالخزانة العامة بالرباط.

وقد أورد ابن زيدان في إتحافه نص البيعة الحفيظية بعد أن قدم لها قائلا: “وقد أعلن بخلعه ـ أي عبد العزيز ـ بفاس يوم الجمعة ثاني وعشرين قعدة الحرام عام خمسة وعشرين بعد استفتاء العلماء في شأنه، وإفتائهم بوجوب عزله ليقضي الله أمرا كان مفعولا… وكان ذلك على شروط مندمجة في عقد البيعة”([16]) ولولا خشية الإطالة لأثبتّ لفظها لأهميتها. وكل من رجع إلى نص البيعة يلاحظ حسا وطنيا صادقا، وغيرة دينية واضحة، رغم إغراق أسلوبها في التقليد والجمود، وعدم مسايرته لفظا وروحا لواقع الأمة في تلك الفترة. كما يلاحظ الطريقة المهذبة التي ألحق بها ابن المواز شروط الكتاني، هذه الشروط التي لولا وجودها لاعتبر هذا النص من مخلفات عصور الانحطاط البغيضة. وكان من النتائج المباشرة لهذه البيعة شيوع فكرة المطالبة بدستور يضبط سلوكات الحاكم تجاه المحكومين بين العلماء والمثقفين وبين العامة أيضا. بل إن الصوفية أضافوا إلى أذكارهم وأناشيدهم ” دستوريا الله، دستوريا رسول الله ” 17] حتى تبلورت هذه المطالبة إلى نشر مشروع دستور 1908 في جريدة “لسان المغرب” الصادرة في طنجة، والتي كان يملكها اللبناني فرج الله نمور. ولكونه غير متجنس بالجنسية المغربية، فقد كان في مأمن من بطش السلطة وسيطرتها، وساعد ذلك المطالبين بالدستور على نشر آرائهم بكل حرية في العاصمة الدبلوماسية آنذاك، وربط مطلبهم هذا بالوفاء بشروط البيعة الحفيظية. وقد أكد عبد الكريم غلاب أن الذين كانوا يقفون وراء هذا المشروع هم نفسهم الذين وقّعوا على البيعة الحفيظية [18]. ونشر نص الدستور في أربعة أعداد من “لسان المغرب” مؤرخة في 11-18-25 أكتوبر وأول نونبر 1908 بعد خمسة أشهر من تولي عبد الحفيظ. وهذا ملخص لمعالمه الأساسية:

1 – يتكون مشروع الدستور من قانون أساسي وقانون انتخاب وقانون داخلي ـ ينظم شؤون منتدى الشورى ـ وقانون جنائي. وكل هذه القوانين تمثل ضمانات تضبط سير الدستور.

2 – يضم الفصل الأول تحديد اسم الدولة والتنبيه على استقلالها وتسمية عاصمتها ودينها الإسلامي وحقوق الملك فيها.

3 – يحدد الدستور مفهومه للمواطن وحقوقه الخاصة والعامة، ويعلن الحريات العامة في العمل والتعبير والكتابة والطبع، وإلزامية التعليم الابتدائي، والمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، كما يمنع تولي الأميين للوظائف العامة، ويؤمن المواطنين على أموالهم، ويضمن حرية تنقلهم، ويمنع الجلد والتعذيب والسخرة، ويجعل المصادقة على أحكام الإعدام والأشغال الشاقة من اختصاص منتدى الشورى. كما يمنع تعذيب الأسرى أو نهب القبائل الثائرة.

4 – تنظيم حقوق وأعمال “منتدى الشورى” والذي يتكون من مجلسين: مجلس الأمة، ومجلس الشرفاء. وتقرر مواد هذا القسم حصانة النواب البرلمانية وحقهم في النقد والتوجيه وتوضح اختصاصات المجلسين. كما يحدد القسم الخاص بمجلس الأمة الشروط التي ينبغي توافرها في المنتخب: ومدة انتخابه (وهي أربع سنوات) ونسبة أعضاء المجلس إلى السكان، ويمثل كل نائب بمقتضاها عشرين ألف رجل وهي أكثر تمثيلية مما يدعو إليه المطالبون بإصلاح الدستور اليوم. كما عدد القسم الخاص بمجلس الأعيان طريقة التعيين والانتخاب ومدة العضوية والصلاحيات.

5 – ويخصص الدستور قسما خاصا بالحكومة، فيجعل تعيين الوزير الأول من اختصاص السلطان، ويمنع ولاية العهد وكانت في الأسرة الحاكمة، ويجعل اختيار الوزراء للوزير الأول على أن تكون المصادقة لمنتدى الشورى. كما يحدد هذا القسم مسؤوليات الوزراء والحكومة واختصاصاتهم… ويتحدث الدستور في باقي فصوله عن مالية الدولة، وحق الرقابة ومحاسبة الموظفين، واستلام شكاوي المواطنين، ومنع الحمايات الشخصية للأفراد من طرف دول أجنبية إلا في حالات نادرة ، كما يخصص بابا للتعليم ويجعله إجباريا ابتداء من سن السادسة على الذكور والإناث ويختم بالحديث عن تغيير الدستور ولا يعطي لأحد هذا الحق إلا لمنتدى الشورى وبالأغلبية ([19]).

وقد كان هذا المشروع كما أسلفنا من بركات البيعة الحفيظية، ومن حسناته إخراج الحكم من يد الملك وتسليمه لمجلس تمثيلي، وإعلانه إجبارية التعليم، وحقوق المواطن المغربي… ولهذا قدر كثيرون مبادرة الكتاني في تقييد البيعة ـ وهو تقييد شرعي ـ أحسن تقدير، فقال عنها محمد بن الحسن الوزاني في مقال افتتاحي نشر في جريدة الدفاع بتاريخ 31 غشت 1937 عنوانه “المغرب بين الماضي والحاضر”ما يلي: “ولما بايعت الأمة السلطان عبد الحفيظ كانت هذه البيعة قائمة على شروط تتلخص في تحرير الأمة ـ وعدد الشروط التي أسلفنا ذكرها ـ وقد قيدت تلك البيعة السلطان في سياسته الخارجية… وكانت بيعة أمة شاعرة بحقوقها، عارفة بواجباتها راغبة في صيانة سيادتها وأحوالها” ([20]).

وقال عن شروطها في مقال آخر نشرته جريدة الرأي العام: << إنها تستحق أن تكتب بماء الذهب، وتستحق أن توضع في صف الوثائق العالمية، ويحق للمغرب أن يفاخر بها عظماء أوربا"([21]). أما الأستاذ علال الفاسي زعيم حزب الاستقلال فقد قال في محاضرة ألقاها بمكتب المغرب العربي بالقاهرة، بمناسبة مرور ستة وثلاثين سنة على فرض الحماية تحت عنوان "الحماية في مراكش من الوجهة التاريخية والقانونية" ما نصه:"قد وضعت هذه البيعة دستورا جديدا لسياسة البلاد. ففيما يخص الماضي: الإلغاء المطلق لكل ما وقع من التزامات أو تعهدات تتنافى وسيادة الدولة ومصالح البلاد. وفيما يخص المستقبل وضع أساس الدبلوماسية العلنية... وعليه فلم يعد بمقتضى هذه البيعة من حق الملك أن يوقع معاهدة ما دون أن يرجع للشعب... وهكذا نرى أن هذه الثورة الوطنية كانت ترمي لتحقيق غاية عليا هي إشراف الشعب بنفسه على مصالحه السياسية القومية والمالية"([22]).

ويبقى أن نذكر بأن نصوص هذه البيعة تعتبر محاولة للإصلاح الدستوري متقدمة بزمن كبير على ما قدمه زعماء الحركة الوطنية فيما بعد من أجل الإصلاح. منطلقها الشريعة، وروحها العدل والشورى والإحسان، يقودها علماء الأمة الذين تصلح بصلاحهم وتـفسد بفسادهم. وقد أدى ثمن هذه القومة آل بيت الكتاني وأتباع طريقتهم، وصدق الله العظيم إذ يقول في سورة العنكبوت { ألم. أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون }([23]).

وقد أعجبت أيما إعجاب بالخطبة التي قدم بها بطل المغرب محمد بن عبد الكريم الخطابي لكتاب “ترجمة الشيخ الشهيد محمد الكتاني” وأبيت إلا إثبات بعض ما ورد فيها. فبعد إنصافه الكتاني وإعلان الحق إلى جانبه قال: ” ونحن اليوم في سنة 1962 وبيننا وبين ذلك العهد خمسون سنة فهل تغير الوضع الآن؟ [ أقول: إننا اليوم في سنة 1994 وما زالت دار لقمان على حالها] إن الأمة المغربية ما فتئت بعيدة كل البعد عن المشاركة في إدارة شؤون البلاد، رغما عن المشاكل الكبيرة التي تجتازها بلادنا، ولم يفكر أحد من المسؤولين في إنشاء مجلس شرعي يمثل الأمة تمثيلا صحيحا نزيها، ليحل المشاكل المتراكمة الخارجية والداخلية للبلاد… ولا يزال القانون هو المتحكم ـ يقصد القانون الأرضي دون السماوي ـ كما لا يزال العلماء في سباتهم العميق، ولا يفكرون في واجباتهم على الإطلاق كأنهم غير مسؤولين عن شيء مما تتخبط فيه البلاد من الفوضى والفساد”.ا-ه

سبحان الله !!… ما أشبه الليلة بالبارحة.

———————————————————–

[13] – الترجمة، ص.219

[14] – نفس المرجع، ص.220.

[15] – نفس المرجع، ص.234.

[16] – إتحاف أعلام الناس، ص.448، ج.1.

[17] – الحركات الاستقلالية في المغرب العربي، لعلال الفاسي، نقلا عن التطور الدستوري والنيابي بالمغرب، ص.118 كلمة دستور التي يستعملها بعض الصوفية لا علاقة لها بالمفهوم العصري للكلمة. بل معناها التشفع والاسترحام والاستئذان. وربما يكون الوطنيون حولوه إلى شعار.

[18] – التطور الدستوري والنيابي بالمغرب، ص.119-120.

[19] – للاطلاع على نصوص هذا المشروع كاملة، يراجع كتاب “التطور الدستوري والنيابي بالمغرب” لعبد الكريم غلاب، ص.121 وما بعدها.

[20] – ترجمة الشيخ الشهيد، ص.201.

[21] – ترجمة الشيخ، ص201.

[22] – نفس المرجع.

[23]- سورة العنكبوت، آية 2.