1. السؤال…عرفت مدينة تنجداد بإقليم الراشدية اعتقال ستين فردا من أعضاء العدل والإحسان كانوا في مجلس من مجالسهم العادية: دورة تكوينية في محورين: الأول: قراءة في التجربة السياسية للحركة الإسلامية، والثاني: العمل النقابي وقضية التعليم في المغرب.

عرفت المدينة أثناء انعقاد المجلس حالة غريبة لم تعهدها أبدا حيث نزل عدد هائل من رجال الدرك ورجال القوات المساعدة وعدد من الرجال بزي مدني وكبار المسؤولين الأمنيين وغيرهم، فتم تطويق البيت الذي ينعقد فيه المجلس.

كان الأمر شبيها إلى حد كبير بالعمليات العسكرية التي تنفذها القوات الإسرائيلية بالأراضي الفلسطينية مما أرهب السكان، ولكنهم تجمعوا قرب البيت المحاصر لينظروا بأم أعينهم إلى عملية لم تدل إلا على “فشل المخزن وعبثيته وعماه” حسب عبارة أحدهم لما التقى مع الإخوة المعتقلين حين عودتهم من الاعتقال.

حين تم وضعنا بمخفر الدرك بكلميمة، على بعد 20 كلمترا من تنجداد الذي اكتظ اكتظاظا ربما لم يعرفه على طول ما مر من تاريخه، وبعد أداء صلاة الظهر والعصر جمعا، وبعد أن بدأ الاستماع للمعتقلين والمعتقلات، وبعد تلاوة شيء من القرآن الكريم جلست متأملا في الحدث محاولا الجواب عن السؤال الذي تبادر إلى ذهني ويطرح على غيري: لماذا كل هذا الجهد وهذا العمل الكبير لفض مجلس من مجالس العدل والإحسان بدعوى أنه غير قانوني، علما بأن محاكم المملكة أصدرت أحكاما قضائية نهائية أكدت شرعية الجماعة وقانونية مجالسها؟ بل أكثر من ذلك لقد عرف لدى جميع السلطات أن أعضاء العدل والإحسان لا يبدون أي نوع من المقاومة العنيفة عند استدعائهم إلى مخافر الشرطة أو القدوم لاعتقالهم لأنهم على يقين وعلم واقتناع بما يقومون به، لكنهم يحتجون بوعي قانوني وحس سياسي وعمق أخلاقي على الخروقات التي يتعرضون لها؟

قبل عرض ما توصلت إليه بعد تأمل داخل مخفر الدرك وردهات المحكمة حيث دام الانتظار حوالي 20 ساعة إذ لم ينه السيد الوكيل الاستماع للمعتقلين إلا عند السادسة صباحا من يوم الاثنين 06/05/2008، أود أن أحيط القارئ الكريم ببعض تفاصيل العملية حتى يدرك حقيقة ذلك الاستنتاج الطبيعي الذي توصل إليه المواطن بتنجداد وهو يرقب عملية الاعتقال واقتحام البيت وتفتيشه واعتقال كل من فيه.

2. الاعتقال الوسخ…التحق المعنيون بالمجلس إلى المكان الذي كان مقررا انعقاده فيه، بدأت الحصة الأولى المقررة في جدول أعمال: تحت عنوان: “قراءة في التجربة السياسية للحركة الإسلامية”، مرت حوالي ساعة ونصف، طرق باب المنزل المغلق، خرج صاحب البيت فوجد جيشا عرمرما وبيته مطوق من كل جانب.

كان المنظر مثيرا للغاية حيث تجمع السكان على طول أهم شارع في مدينة تنجداد، حاول رجال السلطة إرهابهم وتفريقهم، لكن شجاعة ناس المنطقة وغيرتهم على الحرمات دفعتهم إلى الاحتجاج على الحدث. وتدخل مناضلون من الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وبعض السكان واحتجوا على طريقة الاعتقال لأنهم يعرفون جيدا من بالبيت وصاحب البيت: إنهم أهل العدل والإحسان المعروفون بسمتهم وطيبوبتهم وشجاعتهم ورفضهم لكل أشكال العنف.

بعد مفاوضات مع صاحب البيت وإخباره شفاهيا بأنهم حاضرون بأمر من الوكيل والتهديد باستعمال القوة ضرب أحدهم باب البيت بعنف ودخلوا وطلبوا من جميع الحاضرين الخروج وامتطاء عربات تابعة للخواص ينقلون بها الأغنام إلى الأسواق الأسبوعية.

إذا كان عذر هؤلاء المنفذين لعملية الاعتقال أنهم لا يتوفرون على عربات نقل المعتقلين، فإن الإهانة صارخة لدولة/نظام يعتقل الأطهار ويزج بهم في عربات تزكم الأنوف برائحة كريهة ومتسخة وعنيفة.

رفضت امتطاء العربة لأني مريض وأعاني من الحساسية فتدخل رجل بزي مدني وأرغمني على الصعود بعنف بعد أن انتزع من يدي قلم الحبر بطريقة عنيفة وحاقدة إذ أغاضه حمل القلم حيث يتمنى أن يجد مكانه شيئا آخر.

فقد حافظت على رفع قلم الحبر بيدي لأدلل لهم على أننا أصحاب رأي ولسنا أصحاب عنف حيث حرصوا على ترويج إشاعة أن في حوزة المعتقلين السلاح لإرهاب الناس، ولكن حضور الجمهور مع نشطاء حقوقيين إلى مكان الاعتقال واحتجاجهم على طريقة الاعتقال والاقتحام ومعرفة الناس بالمعتقلين أبطلت مفعول الإشاعة مباشرة.

لم يقبلوا أن يروا بيد المعتقلين قلم حبر فعنفوا قليلا ثم تدخل المسؤول الدركي عن عملية الاعتقال فطلب من رجال القوات المساعدة عدم التعنيف.

3. في مخفر الدرك.. نساء حوامل وأطفال رضع وامرأة مسنة وفضيحة عبث المخزن وعماهجمعوا المعتقلين في عربات كالأغنام، ومن بينهم أطفال ونساء حوامل وامرأة مسنة (حوالي 84 عاما).

اكتظ مخفر الدرك بحجم المعتقلين والمعتقلات (60 فردا+3 أطفال)، وبحجم المسؤولين الأمنيين والعسكريين الكبار الذين حضروا وواكبوا كل مراحل الاستماع، وبعدد الضباط من الدرك وغيرهم من الأجهزة التي تبيح كل رملة من التراب الوطني لتبحث عن كل معلومة شخصية عن المعارضين.

كان الجو غير صحي، مما جعل منه غير إنساني وإن كان حرص رجال الدرك على تقديم كل مساعدة تلطف الجو وتبين على أن المسطرة محترمة.

كان سمت أهل العدل والإحسان سيد الموقف بمخفر الدرك: صلاة وذكر ودعاء وختم للقرآن الكريم، وصلاة على الرسول الكريم، لا فوضى ولا عنف لا في القول ولا في السلوك، كان احتجاجهم في الوقت المناسب قويا ومؤثرا وقانونينا مما سبب للمشرفين عن الاعتقال حرجا شديدا.

كان الجو مؤثرا: نساء حوامل أغمي على كثير منهن وأطفال لا يدرون لماذا اجتمعوا مع آبائهم وأمهاتهم في مكان ضيق أمام جيش عرمرم من رجال الدرك وشخصيات مدنية نظراتها كلها إرهاب ومكر.

أصيب النساء بحالات إغماء بسبب ظروف النقل من تنجداد إلى كلميمة، وبكى الأطفال عندما وصل وقت نومهم ولم يجدوا المكان المناسب إلى أن غلب عليهم النوم وصمتوا حتى لحظة نقل الجميع من كلميمة إلى الراشدية للمثول أمام الوكيل بالمحكمة ابتداء من حوالي الساعة الثالثة ليلا إلى الساعة السادسة صباحا.

زيارة الطبيب…

لما اشتد الوضع الصحي لأحد الأخوات الحوامل طلب المسؤول عن المخفر زيارة الطبيب بطلب من الأخوة المعتقلين ومن زوج الأخت المريضة، حضر الطبيب على المخفر وقد ظهر على وجهه الاستغراب لما شاهد في المخفر من حركة ضخمة ومن كم المعتقلين.

قام بالإسعافات الأولية للمريضة، وطلب منها إن أرادت الحضور إلى المستشفى للقيام ببعض الفحوصات لتشخيص الحالة، فقالت له: لا استطيع مفارقة هؤلاء، سأبقى معهم إلى أن أموت. فاجأ هذا الكلام الطبيب، كما أثر على كل السامعين، وكنت منهم.

لقد انتابني شعور مذهل لما رأيت هؤلاء العفيفات الطاهرات صابرات صامدات أمام ألم المرض ومفارقة الصغار مع صلابة ناذرة في مواجهة الموقف الصعب.

إنها الغرابة إذ تعطى الأوامر لاعتقال عفيفات طاهرات اجتمعن لمدارسة قضايا دينهم وأمتهم، وتملأ الشوارع أوكار الدعارة بالتجارة في أعراض بنات المسلمين ويتم التشجيع على ذلك عبر إعلامنا الرسمي الذي وطد العلاقة مع كل القيم إلا قيم النبل والعفاف والإنصاف.

نعم: “عند ربكم تختصمون”، و”حسبنا الله ونعم الوكيل” و”ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم”.

موقف العجوز المعتقلة…

من أهم علامات العمى والفشل لدى مخزن اليوم أن احتجز امرأة عجوزا تبلغ من العمر 84 عاما، ولكن ليس هذا هو المستوى المؤثر في قضيتها، بل الموقف الذي كانت عليه طيلة فترة الاحتجاز والاعتقال.

عندما دخلنا مخفر الدرك لم تجد المرأة العجوز التي أيقظوها من فترة نوم عند الاعتقال، إلا أن تستقبل القبلة وتأخذ سبحتها وتشرع في أذكارها بعد أن طلبت الوضوء وتوضأت إلى أن جاء دورها للاستماع من طرف ضباط الدرك.

ساعتها كانت الآية المفاجأة: لما أخبرت بالمكان التي هي فيه لم تكترث واستمرت على حال ذكرها، ولما سألها الضابط قالت: “ولدي الله يرضي عليه وهو والناس اللي معاه الله يعطيهم ما تمنيت ليهم”.

ماذا تبغي هذه العجوز لولدها ولمن معه وهو صاحب البيت الذي تم اعتقال الجميع منه؟

لما أخذنا معها صور جماعية بعد رجوعنا من المحكمة بالراشدية ليلا، وأقام الأحبة حفلا على شرف الانتصار مقابل الفشل الذريع للمخزن خلال معركة وهمية وعدمية وعبثية مصابة بالعمى الأزرق، قالت: “الله يرضي عليكم ويعطيكم ما تمنيت ليكم من خير، الله ينصركم ويؤيدكم”.

قبلت كتفها ورأسها وحرصت على تمالك نفسي وأن لا تخرج دمعتي….

4. نداء صادق… وجواب السؤال…يا ليت قومي يعلمون أن حرمة المؤمن أعظم عند الله من حرمة الكعبة،

ياليت قومي يعلمون أن الجهود والأموال التي يصرفوها على حرمان المؤمنين من الاجتماع على الله لخير هذه الأمة كان من الأولى والأجدى أن تصرف في مصالح المواطنين ومحاربة الرذيلة والدعارة…

عار عليكم أيها القوم أن تبذروا مال الأمة في غير وجه حق، وعار عليكم أن تشغلوا الناس بعبثكم وعمى أوامركم.

أما آن لكم أن تسمعوا بعمق وصدق أنين المغاربة وهدير صدورهم وتعلموا حقيقة صمتهم وصبرهم ومصابرتهم…

أما أولئك الرجال وتلك النساء الآيات في تنجداد وغيرها من تراب وطننا الحبيب فقد قالوا قولتهم في البيان الصادر عنهم بعد إطلاق سراحهم مع مطالبتهم بالمحاكمة العادلة لا العاجلة.

والله تعالى ولي المتقين وحبيب المحسنين وناصر المستضعفين، وهو سبحانه بالغ أمره.

والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله الطيبين الطاهرين، والحمد لله رب العالمين.

اللهم اجمعنا في رضوانك بجوار نبيك المصطفى كما جمعتنا في الدنيا على قلب رجل واحد. آمين، آمين، وآمين.