علماء المغرب ومحاربة الاستبداد:لقد قاد علماء المغرب الأقصى محاولات كثيرة للإصلاح السياسي، وجاهدوا من أجل إعطاء الأمة ضمانات دستورية أوسع، تستطيع بموجبها مراقبة السلطان، والنصح له، وعزله إن دعت الضرورة إلى ذلك. وكان سكان المغرب يفزعون إلى علمائهم كلما ألم بالأمة أمر، ونزل بها نازل. ففي الوقت الذي كانت فرنسا تكتسح أراضي الشاوية في يناير 1908، وقام نزاع على الملك بين الأخوين عبد الحفيظ وعبد العزيز، اجتمع سكان فاس إلى علمائها يستفتونهم في شأن خلع السلطان عبد العزيز، والبيعة لأخيه. وذكروا موجبات الخلع من فرض للضرائب المرهقة بدل الصدقات الشرعية، وإنشاء بنك يتعامل بالربا والسماح ببسط النفوذ الأجنبي على المغرب. وفيما يلي أهم ما جاء في نص هذا السؤال التاريخي:

“الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين وعلى آله الأبرار وصحابته المنتخبين الأخيار.

سادتنا علماء فاس كافة، سلام عليكم ورحمة الله. وبعد، فلا يخفاكم ما حل بهذا القطر المغربي من احتلال بعض الأجانب جل نواحيه كتوات وفجيج وعيون بني مظهر… موضعا بعد آخر احتلالا نشأ عن اختلال الأحكام وتقاعد الولاة عن الاستعداد وموالاتهم لبعض أجناس الأجانب حتى عقدوا معهم شروطا تؤدي إلى إدخال المسلمين تحت حكمهم، وبسط يد التصرف لهم في سائر القرى والأمصار بما تسبب عنه من إسقاط الأحكام الشرعية كإبدال الزكاة بالترتيب وإحداث البنك المؤدي إلى إدخال الربا… واستلاف الأموال العظيمة من الأجانب وصرفها في غير مصالحها زيادة على خلاء بيت مال المسلمين. وإنزال البوليس ببعض المراسي وسلب السلاح من يد كل مسلم… وتجهيز جيش وتوجيهه لمقاتلة قبيلة الشاوية إعانة لجيش الاحتلال… حتى تحققت الرعية بعجز أميرها القائم بأمورها عجزا كليا ففرت منه القلوب وبقي الناس بسبب ذلك في سائر المدن والبوادي فوضى يأكل بعضهم بعضا… فما هو جوابكم عن هذا الداء العضال وما كيفية التخلص منه مع تحقق الاضمحلال. وكيف إن دام الحال على ذلك، وبقي الأمير منهمكا فيما هنالك، وهل يجوز خلعه مع تحقيق هذا كله أم لا. أجيبونا بما يخلص ربقتنا وربقتكم من أيدي بعض أجناس الأجانب مأجورين، والسلام. في ثامن وعشرين ذي القعدة الحرام عام خمسة وعشرين وثلاثمائة وألف”(1).

وقد ذيلت هذه الرسالة بتوقيع خمسة وعشرين شخصا من كبراء أهل فاس ومن ممثلي “حوماتها”(2). انتخبهم أهل فاس للتحدث بلسانهم، والبحث عن سبل خلاصهم. كما صدرت وثيقة باسم أكثر من مائة شخص من رجالات هذه الحاضرة بنفس التاريخ أعلاه تشهد على عبد العزيز بما ارتكب من أخطاء موجبة لعزله، قدمت إلى العلماء. وما لبث جوابهم أن صدر مبتدئا بحمد الله والثناء عليه، مستحضرا للسؤال، معيدا له، حتى قال: “فالجواب والله الموفق للصواب، حيث ثبت ما ذكر فيجب عزله ـ أي عبد العزيز ـ وتولية غيره ممن يقوم بأمور المسلمين. ينفذ قوله وفعله. لكون إمامته لم تجر على القواعد الشرعية بل ولا على الضوابط المرعية، لكون الإمام يعتبر فيه ما إن تقاعد عنه خلع وعن الإمامة العظمى دفع”(3). مستشهدين في هذا كله بأقوال علماء الأمة في جواز خلع أمثاله، مذيلين جوابهم بتوقيعاتهم، وهم سبعة عشر عالما نذكر منهم: محمد بن رشيد العراقي ومحمد بن عبد الكبير الكتاني وأحمد بن المواز ومحمد الحفيد بن محمد الشامي والطاهر بن محمد اليازغي وغيرهم، رحمهم الله تعالى. كما حررت وثيقة منفصلة فيها خلع الأمير عبد العزيز. وقد خط وثيقة البيعة الحفيظية الفقيه المطلع أبو العباس أحمد بن عبد الواحد بن المواز(4) بصيغة تقليدية جامدة.

الشيخ الكتاني واشتراطه على السلطان:

لم ترق للشيخ محمد بن عبد الكبير الكتاني البيعة التي خطت، فقام في الناس خطيبا، وأعلن أن لا فائدة ترجى من البيعة الجديدة ما لم تضبطها ضوابط، وتحكمها شروط تعطي للرعية حق الرقابة. ثم تلا عليهم مقترحاته فأخذ الجميع بها وألحقت بنص البيعة بنودا ملزمة، ووقع الناس عليها بإجماع. وهذه أهم الشروط المضافة كما جاءت في ترجمة الشيخ الشهيد وغيرها:

1) الحكم بالعدل واتباع سياسة الحلم والفضل.

2) رفع ما أضر بالأمة من الشروط الحادثة في معاهدة الجزيرة الخضراء التي لم توافق الأمة عليها، ولا سلمتها هذه، ولا رضيت بأمانة من كان يباشرها.

3) إرجاع الجهات المأخوذة من الحدود المغربية، وإخراج المحتلين من الثغرين اللذين احتلهما، وتطهير المغرب من دنس الحماية.

4) عدم استشارة الأجانب في أمور الأمة.

5) إذا دعت الضرورة إلى اتحاد أو تعاضد فليكن مع إخواننا من آل عثمان وأمثالهم من بقية الممالك الإسلامية المستقلة.

6) إذا عرض ما يوجب مفاوضة مع الأجانب في أمور سلمية أو تجارية فلا يبرم أمرا منها إلا بعد الصدع به للأمة حتى يقع الرضى منها بما لا يقدح في دينها ولا في عوائدها ولا في استقلال سلطانها(5).

7) اتخاذ وسائل الاستعداد للمدافعة عن البلاد والعباد، ورفع ضرب المكوس، والذب عن حرمات الرعية ودمائهم وأموالهم وأعراضهم وصيانة دينهم وحياطة حقوقهم.

8) تجديد معالم الإسلام وشعائره بزيادة نشر العلم وتقويم الوظائف والمساجد وإجراء الأحباس وانتخاب أهل الصلاح والمروءة والورع للمناصب الدينية.

9) كف العمال عن التدخل في الخطط الشرعية [ حفاظا على استقلال القضاء والفتوى ] وإبعاد الظالمين وإخساء المفترين والواشين(6).

الصراع بين المثقف والسلطة في دولة العض:

تلقى السلطان الجديد هذه البيعة في السابع من يونيو عام 1908. وكان قد استقبل بمكناس وفدا من كبار فقهاء فاس لهذا الغرض بعد أن أخر دخولهم عليه أياما. فلما مثلوا بين يديه استنكر الشروط الملحقة استنكارا شديدا، وحمل على الوفد حملة شعواء، واعتبر الاشتراط عليه حطا من قدره. فما كان منهم إلا التملص وإلقاء التبعة على الشيخ الكتاني الذي ألح في تضمين هذه الشروط نص البيعة(7). وكان هذا مبتدأ خلاف الحاكم والعالم. وزاد في خصام الرجلين رفض الكتاني قتال عبد العزيز وأتباعه. وتورعه عن ضرب المسلمين بالمسلمين، زيادة على استنكاره ما قام به السلطان عبد الحفيظ من اعتقال لأنصار السلطان المخلوع بمكناس، والتنكيل بهم، واستصفاء أموالهم، ورفض شفاعته فيهم. وقد طلب الكتاني من السلطان مرارا تطبيق شروط البيعة، وراسله في ذلك مراسلات كثيرة، وحذره والأمة من مخاطر تردي المغرب في مهاوي الاستعمار. كما أفتى بوجوب مجاهدة المستعمر، ودعا إلى سد طريق زعير على الجيش الفرنسي بقوة السلاح، وأهدر دم الخونة واعتبر قتلهم جهادا أكبر(8). وقد أخذ الشيخ محمد على السلطان عبد الحفيظ أمورا كثيرة نذكر منها:

– تصريح عبد الحفيظ بتمذهبه بمذهب الظاهرية في مسألة الزيادة على الأربع في التزوج.

– إنكار الملك حياة الأنبياء في قبورهم وطعنه في التصوف والصوفية.

– استعمال الملك ما حرم الله من أواني الذهب وحمالات الحرير.

– سماح السلطان بفتح أماكن اللهو والبغي والخمر…

ومن جليل ما جرى بين الرجلين من جدال، ما وقع بينهما في مجلس تكلم فيه السلطان عبد الحفيظ فحمل على الصوفية، وسفه أفكارهم، وطعن في حلقات الذكر وما يصاحبها من رقص. وكان الكتاني حاضرا فرد عليه، وقال: “لا يجب أن تنكر الرقص وحده، بل الواجب أن تقوم الآن فتبدأ بمجانات (9) الذهب وظروف النشوى (10) ومجادل الحرير (11) فتزيلها [وكان بيد السلطان حك نشوى من الذهب وعليه مجانة ذهبية وحمالة حرير] ثم نخرج، فلا نمر بطريقنا على محل من محال البغي ولا مخمرة إلا سددناها، ثم لا نمر على صاحب دكان لا يعرف كيف يبيع ويشتري إلا أقمناه، فإذا وصلنا للزوايا بحثنا في بدعهم ومناكرهم كذلك. وأما إغضاء الطرف، وإحداث التوجيهات لكل محرم ومكروه إلا التصوف والصوفية، فتفرقة من غير مفرق، وتخصيص بدون مخصص” (12). فقام السلطان غاضبا ولم يعقب، وخرج الشيخ ساخطا.

———————————-

(1)- ترجمة الشيخ الشهيد، ص.195.

(2)- حاراتها وأحيائها.

(3)- ترجمة الشيخ الشهيد، ص.197.

(4)- المغرب عبر التاريخ، ج.3، ص.331.

(5)- في هذا الشرط تأسيس للدبلوماسية العلنية كما قال علال الفاسي.

(6)- الترجمة، ص.199 – التيارات السياسية والفكرية بالمغرب، ص147.

(7)- المغرب عبر التاريخ، ج.3، ص.331.

(8)- ترجمة الشيخ، ص.213.

(9)- المجانات = الساعات.

(10)- الظروف = الأوعية. النشوى = التبغ الذي يستنشق.

(11)- وشاح من حرير.

(12)- ترجمة الشيخ الشهيد، ص.215.