من السمات التي طبعت “العهد السابق” القمع الشرس لانتفاضات الخبز في سنوات: 1981 و1984 و1990، والتي وصف فيها الملك الحسن الثاني المتظاهرين بالأوباش والغوغاء..

انتفاضة مارس 1965عرفت مدينة الدار البيضاء انتفاضة عارمة أيام 22 و23 و24 مارس 1965، كانت بمثابة إدانة جماهيرية صارخة ضد السياسات التي نهجها النظام المخزني منذ الاستقلال. وكانت الشرارة التي فجرت بارود الغضب الشعبي هي قرارات وزير التعليم آنذاك، يوسف بلعباس، عبر المذكرة الوزارية ليوم 19 فبراير 1965 والتي بموجبها يمنع كل الشباب في سنّ 17 سنة من الالتحاق بالسلك الثاني من التعليم الثانوي، وبالتالي حرمانهم من اجتياز امتحان شهادة الباكلوريا.

ولقد تم التعبير عن رفض ذلك بالإضرابات والمظاهرات الصاخبة التي عمت الثانويات في البداية، مثل ثانوية محمد الخامس وثانوية الخوارزمي وثانوية عبد الكريم لحلو وثانوية الأزهر، ثم تبعها النزول إلى الشوارع، حيث التحقت بالشبيبة المدرسية الآلاف من المواطنات والمواطنين الغاضبين عبر صفوف طويلة وهي ترفع لافتات الإدانة وتردد شعارات الاستنكار ضد الطبقة الحاكمة ورموزها خصوصا بشارع الفداء ودرب الكبير وسباتة ودرب غلف والمدينة القديمة وغيرها.

فتم استدعاء الجيش وباقي القوات العمومية وصدر القرار بإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين.

وكانت تلك المرحلة قد تميزت اقتصاديا بتزايد النفوذ المالي الفرنسي عبر القروض، حيث تشير معطيات ميزانية 65 إلى أن ثلث الدخل الوطني كان مخصصا لنفقات تسيير أجهزة الدولة، كما قفزت مديونية الخزينة العامة من 70 إلى 156 مليار فرنك بين 1960 و1964 . وفي القطاع الفلاحي، عمل النظام على عرقلة أي إصلاح زراعي حقيقي. وبالمقابل، عمل على توسيع قاعدته الاجتماعية المستأثرة عبر توزيع الأراضي المسترجعة على المحظوظين الدائرين في فلك النظام وحرمان أصحابها الشرعيين منها، وبالتالي تصاعدت وتيرة الهجرة القروية نحو المدن.

أما في القطاع الصناعي، فقد استمرت هيمنة الرأسمال الفرنسي في مختلف الوحدات الصناعية مع نمو طفيف لبعض الصناعات خاصة منها النسيج والصناعات المرتبطة باستخراج المعادن وتصديرها.

هذه الأوضاع الاقتصادية والسياسية ستكون لها انعكاسات خطيرة على المستوى الاجتماعي، حيث تميزت بداية الستينيات بانتشار الفساد والرشوة والاغتناء السريع والاستفادة من المناصب العليا بالنسبة للأقلية المحظوظة، بينما عانى الشعب من نزع الأراضي ومن البطالة ومن الاستغلال البشع بالمصانع والمناجم، فتوسعت أحزمة البؤس والفقر حول المدن الكبرى، وارتفعت أسعار المواد الاستهلاكية وتفشى الحرمان من الخدمات الاجتماعية….

ويقال إن انتفاضة مارس 1965 لم تتوقف إلا بعد إسقاط مئات الأشخاص باستعمال الرصاص واعتقال ما يناهز 3500 شخص.

انتفاضة يونيو 1981شهد المغرب في 20 يونيو1981 إضرابا عاما احتجاجا على الزيادة في أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية دعت إليه المركزية النقابية “الكونفدرالية الديمقراطية للشغل”، وحوّله القمع المخزني بواسطة الرصاص إلى تراجيديا بلون الدم.

ففي يوم الإضراب العام حاصرت قوات أجهزة القمع المشكلة من رجال الأمن، الجيش، الدرك، والمخبرين، وكذا قوات التدخل السريع.. حاصرت مرآب شركة النقل الحضري بالبيضاء، ثم عمدت إلى تشغيل الحافلات بالقوة وبواسطة سائقيها الذين كانوا في أغلبهم من رجال “الأمن”، وهو ما شكل شرارة المواجهة مع السلطات التي تدخلت لإفشال الإضراب العام، ليتحول 20 يونيو إلى واحدة من أعنف الانتفاضات بمدينة الدار البيضاء.

وقد تم اعتقال أغلب أعضاء القيادة النقابية في المكتب التنفيذي للكونفدرالية، وتم إغلاق مقراتها على امتداد التراب الوطني.

وأحصت وزارة الداخلية عبر بلاغ لها:” 66 قتيلا قتلوا إثر جروح بالسلاح الأبيض غير الحاد كالعصي والقطع الحديدية والحجارة، و110 جريحا من بينهم 73 من رجال “الأمن” و37 من المتظاهرين ….”، بينما قدرت منظمة العفو الدولية ” أن عدد الضحايا تجاوز ألف شهيد”.

وحاولت الدولة بواسطة بلاغ وزارة الداخلية إخفاء جثت المئات من الضحايا، لكن الدولة ستعترف أخيرا في عهد “طي صفحات الماضي” الكاذب، بأن عشرات المئات من ضحايا انتفاضة 81 أطمرت جثتهم في حفر عشوائية وسرية بمقر الوقاية المدنية بالحي المحمدي بمدينة الدار البيضاء المقابلة لمقبرة الشهداء، في جنح ظلام الاستبداد.

وبعد ربع قرن من الزمن تم الكشف عن هذه المقبرة الجماعية وفتحها واستخراج رفات أصحابها.

وكان إدريس البصري وزير الداخلية آنذاك قد وصف قتلى الانتفاضة ب ” شهداء الكوميرا”.

شهادة حية:

أخ يحكي عن مصاب أخيه:

“تحلقنا حول مائدة الغذاء، ولما فطنت الوالدة إلى أن الخبز لم نحضره من الفرن. طلبت من أخي أن يذهب ليحضره.

خرج أخي ليعود بعد وقت قصير يحمله أبناء الحي ورصاصة تربض في كليته اليسرى وهو شبه ميت..

مرت بعض دقائق فدخل علينا في البيت رجال يحملون السلاح. وجوههم موشومة بالفخر، فسحبوه، ثم حمله أحدهم كما تحمل بطانة الخروف. فيما اقتطع أحدهم -بوحشية- قطعة من الخبز الذي كان ملطخا بالدم. ثم أسرع يغسل فمه من بقع الدماء التي تركها الخبز على محياه، وهم يضحكون بقهقهة مرتفعة..

أما نحن فقد تجمدنا من هول الرعب والصدمة في أماكننا، ولم تتحرك شفاه أي منا فقد أخرستنا البندقات الموجهة صوبنا حتى إن معظمنا تبول في سراويله..

ومع مرور الزمن اقتنعت أن أخي سلبته السلطة منا، فالجنود لم يتركوا لنا جثته لندفنها. ومن يومها وأبي مصاب بمرض عقلي. أما العائلة فقد أضحى وضعها مهزوزا ومضطربا…”.

انتفاضة يناير 1984في يناير 1984، وقعت الانتفاضة الشعبية المعروفة باسم “انتفاضة الجوع” في إشارة واضحة إلى ملابساتها الاقتصادية-الاجتماعية…

تميزت المرحلة 1984 بأزمة النظام الاقتصادية والمالية والاجتماعية عنوانها البارز “سياسة التقويم الهيكلي”، وعرف المغرب في تلك الفترة أزمة خطيرة شملت مختلف الميادين.

فعدد السكان قدر حينها بحوالي 21 مليون نسمة، منها 3.300.000 نسمة – أي بنسبة 16% – تعيش في المدن بينما البقية أي 17.700.000 نسمة – أي بنسبة – 84% تعيش في البوادي حيث لا يتوفر لديها الحد الأدنى من الخدمات الصحية والتعليمية، والنسبة الباقية المتواجدة بالمدن فهي غارقة في البطالة حيث سجل آنذاك 120.000 حالة طالب جامعي معطل يبحث عن العمل، ومن ضمن هذا العدد الإجمالي للسكان فإن 9.400.000 نسمة – أي بنسبة 45% – تعيش فقرا مدقعا، ومليونان من المغاربة يعيشون في البراريك القصديرية.

المديونية الخارجية تجاوزت 15 مليار دولار، وعجز الميزان التجاري وصل 11 مليار دولار، كما اتسمت المرحلة بتجميد ما سمي آنذاك بمشاريع الخطة الخماسية، وانطلاق مسلسل التفويت لمرافق القطاع الخاص، والإجهاز على الخدمات الأساسية للشعب المغربي في التعليم والصحة والشغل بما يعنيه من تقليص الاعتمادات المخصصة لهذه القطاعات الحيوية، وكذا حذف مناصب الشغل في القطاع العمومي وشبه العمومي، والتسريح الجماعي للعمال وإغلاق المعامل وتشريد الفلاحين، وطرد الآلاف من الطلبة والتلاميذ، وإثقال كاهل الشعب بالضرائب المباشرة وغير المباشرة والزيادة في أسعار المواد الأساسية،

وذلك بسبب إملاءات صندوق النقد الدولي المتمثلة في تبني سياسة التقويم الهيكلي المرتكزة على سياسة التقشف.

ومن ذلك عرفت أثمنة المواد الأساسية ارتفاعا كبيرا، حيث بلغت 18% بالنسبة للسكر و67% بالنسبة للزبدة، أما بالنسبة للغاز والوقود فقد ارتفعت أثمنتهما بنسبة 20%، أما بالنسبة لقطاع التعليم فقد أضيفت رسوم جديدة للتسجيل، تمثلت في دفع 50 درهما بالنسبة للتلاميذ الراغبين في التسجيل بالبكالوريا، و100 درهم بالنسبة للطلبة الجامعيين.

هذا ما ألم بالشعب المغربي برمته، إلا أن إقليم الناظور أضيفت إليه أزمة أخرى، فاقتصاد هذا الإقليم مرتبط أساسا بالتهريب الذي يمر عبر مدينة مليلية، والذي تستفيد منه جل العائلات الريفية بالناظور، إلا أن النظام فرض في سنة 1983 على الراغبين في الدخول للمدينة المحتلة من الإسبان دفع مبلغ 100درهم بالنسبة للراجلين و500 درهم بالنسبة لأصحاب السيارات، ثم حدث تغيير سنة 1984حيث تم تعميم مبلغ 100 درهم، وهو ما أدى إلى تطور سوء الوضع الاقتصادي بالإقليم.

هذا الوضع هو الذي أدى في النهاية إلى تفجير الانتفاضة، حيث نزلت الحشود الشعبية إلى الشوارع في مسيرات ألفية في مجموعة من أهم المدن منها الحسيمة والناظور وتطوان والقصر الكبير ومراكش ووجدة.

بداية الأحداث:

البداية كانت عبارة عن احتجاجات تلاميذية داخل أسوار الثانويات بالحسيمة لكن هجوم السلطات على هذه المؤسسات أدى بالمواطنين لأن يتضامنوا معها فانتقلت إلى الشارع وتطور شكلها من مجرد احتجاجات تلاميذية على الزيادات في رسوم التسجيل إلى مظاهرات ألفية ضد سياسة التقويم الهيكلي برمته شاركت فيها مختلف فئات المجتمع.

وهذا ما أدى بتلاميذ ثانويات الناظور لأن يتظاهروا هم كذلك داخل مؤسساتهم منذ يوم17 يناير إلى غاية يوم الخميس 19 يناير، وذلك تضامنا مع ما تعرض له أبناء الحسيمة من قمع مخزني، إلى أن انتقلت المظاهرات إلى الشوارع حيث شارك فيها التلاميذ والشغيلة بما يقارب 12.000 مواطنا.

وفقدت المظاهرات سلميتها حين انخرط فيها بعض “الفوضويين” من أبناء المنطقة الذين أخذوا يحرقون السيارات ويسرقون المحلات التجارية والبنوك ويعتدون على أملاك الغير .

وقد حدد الوزيرالأول في التصريح الرسمي ليوم الأربعاء 25 يناير 1984، الخسائر المادية على المستوى الوطني كما يلي:

في الناظور: أحرقت 7 وسائل نقل خاصة وشاحنة واحدة للأمن الوطني وأصيبت بعطب 20 وسيلة نقل أخرى، و11 بناية أحرقت عن كاملها و6 مدارس ومحلات تعرضت لخسائر مادية.

في تطوان: تحطمت 7 من وسائل النقل الخاصة و3 رسمية، وأحرقت 6 مقرات إدارية منها مقر الهلال الأحمر المغربي، ومكتب البريد.

في الحسيمة: أحرقت 7 وسائل نقل خاصة وأصيبت بعطب 3 عمومية محلية.

بعد ذلك وفي نفس يوم هذه المظاهرة حدث إنزال عسكري قوي بالمنطقة: دبابات ومروحيات ومظليون، حينها بدأ القصف بشكل كثيف وعشوائي تجاه المواطنين من دون تمييز بين الكبير والصغير، والمرأة والرجل.

كان يكفي أن يخرج المواطن من أي مقر لكي تتلقفه إحدى بندقيات الجيش أو الشرطة، بل وصل الأمر إلى أن شاركت في هذه العمليات حتى المروحيات التي بدأت تطلق الرصاص على المواطنين من الجو (الجريدة الإسبانية El País، بتاريخ 23 يناير 1984، والجريدة الإسبانيةEl Telegrama de Melilla، بتاريخ 24 يناير 1984 معززة بصور لمروحية تقوم بذلك).

وظل العدد الحقيقي للضحايا مستحيل التحديد، وكانت الدولة هي الجهة الوحيدة التي أعلنت عن أرقام تهم عدد الضحايا، حيث جاء في تصريح لرئيس الوزراء ليوم الأربعاء 25 يناير 1984، محددا عدد القتلى على المستوى الوطني في 29 وعدد الجرحى في 114، وذلك كما يلي:

في الناظور: 16 قتيلا، و37 جريحا من بينهم 5 من رجال الأمن.

في تطوان: بلغ عدد الضحايا 9 قتلى، و72 جريحا من بينهم 20 من رجال الأمن.

في الحسيمة: 4 قتلى، و4 جرحى من بينهم رجل أمن واحد.

لكن هذا لم يمنع الجرائد الإسبانية من الاجتهاد في تقدير العدد من خلال مصادرها، ومن ذلك ما أوردته جريدة “El Telegrama de Melilla” في عددها الصادر يوم 21 يناير 1984من أن “عدد القتلى بالناظور يمكن أن يتجاوز 40″، وأوردت جريدة “El periódico de Catalunya” في عددها الصادر يوم 26 يناير 1984، أن الحصيلة على المستوى الوطني يمكن أن تبلغ 400 قتيل.

وقد اكتشف عمال البناء في أبريل 2008 في مدينة الناظور مقبرة جماعية عندما كانوا يوسعون مقرا للوقاية المدنية، واستخرجوا رفات ستة عشر مواطنا قتلوا رميا بالرصاص خلال انتفاضة 1984، بينهم طفل دفن بكريات زجاجية  كريات للعب- في جيبه، وآخر عثر رجال الوقاية المدنية في جيبه على بطاقته الوطنية.

مما يدل على أن الذين اغتالوا هؤلاء المواطنين لم يكن لديهم حتى الوقت الكافي لتفتيش جيوبهم للتأكد من هوياتهم، فالأوامر التي أعطيت لهم كانت واضحة، قتل كل من يصادفونه في الشارع. والرصاصة التي تستقر في رأس الطفل الذي عثروا عليه بين الضحايا تشهد على ذلك. فالقناصة الذين انتشروا في الشوارع كانوا يركزون على الرأس بغاية القتل، وليس بغاية الاعتقال.

وبعد القمع الذي تعرضت له المنطقة فرضت السلطات حظرا للتجوال على المواطنين، حيث كان يصعب على أي مواطن أن يخرج من مقر سكناه وإلا كان مصيره القتل.

بقي الوضع على هذا الحال منذ انطلاق الانتفاضة إلى غاية 2 فبراير حيث قلت حدة الحظر إلى أن ارتفعت تدريجيا عن المنطقة.

ثم بعد إخماد الانتفاضة واعتقال قيادييها ودفن شهدائها وتطويق بؤرها القوية – مراكش، الحسيمة، تطوان – تمت العديد من المحاكمات في مختلف المدن الكبيرة، وصلت الأحكام خلالها لحد الثلاثين سنة مع ما رافقها من اختطافات وتعذيب بالمخافر السرية الرهيبة.

فقد قامت السلطات باعتقلات واسعة في صفوف المواطنين تميزت بالعشوائية أحيانا وبالانتقائية أحيانا أخرى، حيث كانت تقتاد هؤلاء إلى القيادات ومخافر الدرك ومخافر الشرطة حيث يمارس عليهم مختلف أصناف التعذيب الجسدي والنفسي، ومنهم من تجاوزت مدة احتجازه في هذه المراكز عدة شهور، وذلك قبل نقل جزء منهم إلى المحاكمة ثم إلى السجن المدني بالناظور فإلى السجن المدني بتازة، ومجموعات أخرى تم نقلها من تلك المراكز إلى الثكنة العسكرية بتاويمة حيث تلقت هناك حصصا أخرى من التعذيب قبل أن يتم نقلها إلى المحاكمة ثم إلى السجن المدني بالناظور ثم إلى السجن المدني بتازة.

انتفاضة دجنبر 1990شهدت مدن فاس، تاوجطات، طنجة، القنيطرة.. انتفاضة بتاريخ 14-12-1990 اندلعت على خلفية الإضراب العام الذي دعت إليه كل من نقابة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، وكذا نقابة الاتحاد العام للشغالين بالمغرب. وغذيت هذه الأحداث بالأوضاع الاجتماعية التي كانت تعيشها هوامش فاس. ووجهت بالقمع الرهيب، بالدبابات والقتل بالرصاص الحي، ثم المحاكمات الجماعية ومحاصرة أحياء شعبية بكاملها: أحياء باب فتوح وباب الخوخة وعين النقبي وسيدي بوجيدة وعين هارون: بمدينة فاس. وبني مكادة ودشر بن ديبان: بمدينة طنجة.

وخرج الجيش من الثكنات العسكرية التي كان يرابط بها في أحياء ظهر المهراز الصفيحية بمدينة فاس وسار في مختلف الفضاءات المليئة بالمحتجين بدباباته وأطلق الرصاص على عدد من المتظاهرين. فيما تقاطرت أفواج الجرحى والمعطوبين على مستشفياتها. وأمام ضعف وضعيتها وأمام خطر عدد من الإصابات، لفظ الكثير من الجرحى أنفاسهم ودفنوا في أماكن قريبة من هذه المستشفيات.

وكانت الجهات الرسمية إبان هذه الأحداث قد نفت وجود أي ضحايا خلال هذه الأحداث. وفي الوقت الذي كانت فيه الساكنة بفاس تتفرج على جثث منتشرة في الشوارع، عمّمت وكالة المغرب العربي للأنباء حينها بلاغا تشير فيه إلى أنه «لم يسقط أي قتيل، وأن 30 من عناصر قوات الأمن جرحوا، وأن لا إصابة بين المتظاهرين»!!!!، قبل أن تذهب إلى أن “شابا توفي بسبب دوس المتظاهرين له”!!!. ثم جاءت تصريحات أخرى تفيد بأن عدد القتلى وصل إلى خمسة.

أما هيئة الإنصاف والمصالحة فقد أوردت أن عدد القتلى الذين تم اكتشافهم وصل إلى 106 ضحايا. لكن السكان الذين عاشوا الأحداث يؤكدون أن عدد المتوفين يفوق بكثير ما تم الإعلان عنه إلى حد الآن من قبل الجهات الرسمية.

مجريات الأحداث في مدينة فاس:

انطلقت الأحداث لما بدأ الأطفال والشباب يناوشون رجال السلطة وقوات الأمن. ولم يستعمل السلاح والذخيرة الحية إلا في الخامسة بعد الزوال، مما أدى إلى سقوط عدد من الضحايا. وتكررت الأحداث يوم 15، ولم يستقر الأمن إلا في نهاية هذا اليوم بعد استعمال السل

تفيد إحدى الشهادات التي نشرت في مقال على جريدة الصحيفة (عدد 67  1من5 إلى 21 يناير 2000) ما ملخصه:

بدأت السلطات تستعرض عضلاتها القمعية بطوابير السيارات في الأحياء الهامشية منذ يوم 13 دجنبر، وأنها جندت العسكر لسياقة حافلات النقل الحضري بقصد إفشال الإضراب العام.

وما حلت الساعة العاشرة والنصف صباحا حتى كانت فاس تحت السيطرة الكاملة للغاضبين الصغار، وغادر كل أفراد السلطة الكبار، بما فيهم العامل، مدينة فاس متوجهين إلى افران وغيرها من المدن القريبة. لم يقم المتمردون بأي اقتحام لأي منزل أو سرقة، ولا أي اغتصاب أو اعتداء على النساء.

كان المتمردون يحرقون السيارات الدالة على الترف والبذخ، لكنها لا تمس ان كان بها نساء وأطفال.

وكانوا يفرغون الحافلات القادمة إلى فاس بهدوء، ويساعدون النساء على حمل أمتعتهن ويحرقون الحافلة.

نظم المتمردون توزيع غنائم نهب المحلات التجارية على أمثالهم، أحدثوا سوقا شعبية في حي بندباب بيع فيها قالب السكر ب4 دراهم ولتر الزيت ب3 دراهم وكيس الطحين ب 30 درهما ونصبوا أمينا على هذا السوق. وصادف المنتفضون جنازة فأشرفوا على تنظيمها وحمايتها إلى أن دفنوا ميتها بخشوع.

في الساعة الثالثة كان هجوم الجنود والدبابات على المتظاهرين. وأقلعت الطائرات المروحية من ثكنة الفرق المتنقلة بقصعة الماء، وتوجهت نحو باب الفتوح وبن سودة وعوينات الحجاج لتمطر الثائرين وغير الثائرين بوابل الرصاص لمدة زادت عن 3 ساعات.

القتلى من الأطفال يعدون بالمئات: 500 إلى 800 (حسب تقدير الكاتب بوسائله الخاصة وبمساعدة بعض المناضلين الكونفدراليين).

رد الفعل الشعبي بفاس كان رد فعل مشروع على نظام اقتصادي اجتماعي ظالم، نظام (هو بالأحرى فوضى) يقوم على إفقار الأغلبية لإغناء الأقلية، نظام يتلازم فيه احتكار الأقلية للثروات مع الحاجة الحتمية إلى قمع الأكثرية المحرومة.

بعد إطلاق النار على المتظاهرين، وقتل المئات منهم، وإخفاء آثار الجريمة، وإطلاق الأكاذيب في كل اتجاه، اقترح الوزير الأول بالبرلمان تكوين لجنة لتقصي الحقائق. وقدم البرلمان ملتمسا للملك أجاب عنه يوم 18 دجنبر. وشكلت اللجنة بإجماع البرلمان. ضمت اللجنة 21 عضوا: 12 من أحزاب القصر (6 من الاتحاد الدستوري و4 من الأحرار و2 من الحزب الوطني الديمقراطي) و9 الباقون من المعارضة الليبرالية وبروقراطيتها النقابية (3 من حزب الاستقلال، و2 من الاتحاد الاشتراكي، و1 من التقدم والاشتراكية و1 من منظمة العمل و1 من الاتحاد العام للشغالين و1 من الكونفدرالية الديمقراطية للشغل). ترأس هذا المعطي بوعبيد.

استمعت اللجنة بمقر البرلمان لوزير العدل (مصطفى بالعربي العلوي) ووزير الصحة (الطيب بن الشيخ) وادريس البصري وعامل فاس السابق.

وبعد اشتغال طيلة سنة (من 16 يناير إلى 3 دجنبر 1991) أنجزت تقريرها حيث أسفرت عملية إحصاء الضحايا على ما يلي:

فاس: 42 قتيلا منهم 1 من القوات النظامية (الحكومة قالت 5 وممثل النيابة العامة قال 23) الجرحى: 236 منهم 153 من القوات النظامية و83 من المدنيين .

طنجة: قتيل واحد و124 جريحا: 103 منهم من القوات النظامية.

كما خلصت اللجنة البرلمانية إلى أنه لم يستعمل السلاح الناري من قبل قوات الأمن، هذا بالرغم من أن جل الذين عايشوا هذه الانتفاضة يؤكدون إطلاق النار واستعمال الذخيرة الحية.

وفي شهر مارس 2008 تم اكتشاف مقابر جماعية بحديقة جنان السبيل بالمدينة القديمة بفاس لقتلى انتفاضة 14 دجنبر 1990 وقالت بعض المصادر أنه تم العثور على ما يقارب 106 جثة تعود إلى هؤلاء الضحايا.

المصادر ترجح وجود مقبرة أخرى بالغابة المحاذية لمستشفى الغساني، وهو أكبر مستشفى على الصعيد الجهوي، وذلك إلى جانب القبور التي تم اكتشافها إلى حد الآن بالقرب من مستشفى الخطابي بالمدينة القديمة..