الفصل الثالث: في بناء المستقبل

في البناء

ما العمل؟

– الفتنة والجاهلية:

الفتنة دخول الجاهلية في الإسلام. وخصائص الجاهلية كما وردت في القرآن أربعة هي: ظن الجاهلية، وحكم الجاهلية، وحمية الجاهلية، وتبرج الجاهلية.

لما جاء الملك باستبداده، وكر على الخلافة بشوراها؛ خبا نور الإيمان في القلوب فضعفت الثقة بالله. هذا حظ ظن الجاهلية في مجتمع الفتنة. ظن الجاهلية في الجاهلية قبل الإسلام كفر أو شرك. وهو في الفتنة ضعف في الإيمان ووهن، وحب للدنيا وكراهة للموت. حكم الجاهلية ظهر استبدادا في الملك العضوض، وما تفرع منه مـن ظلم وقهر، وتقييد للحريات، وتفاوت بين الناس. جاء الاستبداد، وذهب العدل والحرية والمساواة. أما حمية الجاهلية، وما أدراك ما حمية الجاهلية؟ عصبية القرابة والعشيرة والقبيلة، التي أصبحت الحاكمة الآمرة الناهية. ولما خرجت المرأة من برج الجهاد إلى جحر دين الانقياد فذاك تبرج الجاهلية في عهد العض.

وفي الجبر، جاء ظن الجاهلية عقلانية تنكر الدين، أو توهن من قدره فهو خارج السؤال والاهتمام والشأن العام. العقلانية من مسلماتها المسلمة الدوابية؛ الإنسان حيوان قرد تطور؛ ولا كمال إلا في نطاق حيوانيته. وجاء حكم الجاهلية استبدادا واختيار بعض العباد العلو على البعض الآخر، ونبذ شرع رب العباد الرحيم بكل العباد. أما تبرج الجاهلية فجاء إباحية وفجورا وكفرا بالدين واستهتارا بالأخلاق.

وشرع ربنا إيمان ونور، وشورى في الحكم، وولاية بين المومنين والمومنات؛ المرأة بجنب الرجل تجاهد، والأخلاق مصونة. قواعد الخلافة: ظن لقاء الله، وحكم بما أنزل الله، وحمية لله، وجهاد وأخـلاق. الرجال والنساء في ذلك سواء.

– في الفرق التاريخي بين العض والجبر

إنه في زمن العض كان التفوق الحضاري للمسلمين، وكان التكافؤ في فترات. أما في زمن الجبر، فالتفوق الحضاري صليبي، وهو تفوق وتفاوت هائل ومخيف؛ أحس المسلمون بأسه لما دخل نابليون قلب القاهرة أواخر القرن الثامن عشر. من أجل ذلك وجب إعداد القوة لتدارك الفارق، حتى النصر والتمكين لدولة الشورى والعدل والإحسان؛ فتكون رحمة للعالمين، وبشارة للمعذبين في الأرض.

وإنه في زمن العض كانت الدعوة الإسلامية مهيمنة، وكان الإلحاد في الدين في ركن ضعيف؛ فكان دفاع الدعوة دفاع البدع في الدين أكثر شيء. أما في زمن الجبر فالدعوة العلمانية هي المهيمنة في التربية والتعليم، ناهيك عـن الحكم. فكان لزاما أن يكون دفاع الدعوة الإسلامية دفاع الدعوة العلمانية أكثر شيء، لا دفاع البدع في الدين. ليس زمن الجبر زمن الصراع المذهبي؛ إنما الشأن في الدعوة إلى الاستمساك بالمنهاج النبوي في مواجهة الدعوة اللاييكية الملحدة في الدين، المجادلة في حقيقته وشريعته.

وإنه في زمن العض لم تكن التجزئة في البلاد الإسلامية تخرج عن وحدة الأمة الإسلامية، وحدة انتمائها للإسلام، وإلى الشريعة. لكنها في زمن الجبر قطع، أرادها الاستعمار ثم وكلاؤه بعد، قومية علمانية؛ يضار فيها الانتماء للقوم والوطن الانتماءَ للإسلام، والرجوع إلى شريعته. من أجل ذلك، كان حقا علينا، أن نسعى في الدعوة إلى بناء دولة الإسلام على أساس قواعده في العدل والإحسان والشورى ووحدة الأمة.

ولئن كان أسعف الترميم زمن العض، فلأن الشريعة المرجع، ولأن الدعوة تحفظها في خاصة الأفراد في المجتمع. أما في زمن الجبر فليس لنا إلا البناء على الأساس النبوي عدلا وإحسانا وشورى؛ فليس ثمة ما يحفظ أو يرمم. كيف؟! والشريعة منبوذة، إلا ما كان سياسة ودغدغة لعاطفة الجماهير. كيف؟! والدعوة محاربة، وأهلها مستضعفون، بينما هي العلمانية متربعة متبجحة على كراسي الحكم والإدارة والتعليم، تحتكر المال والسلطان.

إنه في زمن الجبر لا تسعفنا المواجهة المسلحة ونحن الضعاف، وإنما هو إعداد القوة، والقوة في زمننا اقتصاد، وعدل فيه. وليس يكون هذا إلا بعلوم وتقانة وتنظيم ومال. وليس يكون كل هذا، إلا بهبة أمة، وعزمة قيادة، ووحدة إرادة، واستقلال إرادة. وأنى يكون هذا بلا إيمان، وجذوة إيمان، وعزة إيمان. إيمان بالله وباليوم الآخر. فكذلك تكون التربية الإيمانية أساسا في إعداد القوة.

وإنه في زمن الجبر لا تغني الدعوة المذهبية وتتبع البدع الجزئية في الدين. كيف؟! والدعوة العلمانية تنازع في أصل الدين وشريعته. بل هي الدعوة إلى الله، والرضا به ربا، وبرسوله نبيا، وبالإسلام دينا وشريعة حياة، ومفتاح سعادة في الدنيا والآخرة لكل إنسان في هذا العالم.

وإنه في زمن الجبر لن ينفعنا الحل الترميمي الترقيعي. كيف؟! والدين يسود لا في الحكم ولا في المجتمع، لا في الإدارة ولا في التعليم. كيف؟! والبلاد الإسلامية تصطرخ في أغلال التبعية، وسعير الهيمنة الإمبريالية، ونار الفرقة والصراع. لا بد أن يكون البناء على الأساس. بناء دولة القرآن، دولة الشورى والعدل والإحسان.

وتلخيص الأمر، لا العنف ولا المذهبية ولا الترميم يغنون في زمن الجبر. وإنما هو إعداد القوة والبناء على أساس المنهاج النبوي كاملا، وإقامة دولة القرآن على قواعد الشورى والعدل والإحسان ووحدة الأمة.

– أنى يكون هذا؟

بشرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:

‏” ‏إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها” ‏(رواه ‏أبو داود في السنن)

وأنه”‏لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون”‏(رواه ‏البخاري في الصحيح)

وإن الأمة الإسلامية تود لو تكون دولة القرآن كالتي كانت زمن النبوة والخلافة، فأعزتها من ذلة، وجمعتها من فرقة، وهدتها من ضلالة، وأطعمتها من جوع، وآمنتها من خوف، وحررتها من رق.

بنيت دولة القرآن على ثلاثة:

الشورى في الحكم، والعدل في الرزق، والإحسان مع الله ومع الخلق وفي العمل.

تود الأمة الإسلامية لو تكون دولة القرآن ما دام الإيمان بالله واليوم الآخر حيا في قلبها وإن علاه بعض الران. من أجل ذلك كتب علينا التجديد كما كتب على الصحب من قبلنا. وتجديد الإيمان يكون بخصال معلومات: صحبة تدلك على الله حتى تحبه ويحبك وتحب الجهاد في سبيله. وذكر هو صقالة القلوب وخلاصها من رانها. وصدق وإخلاص هو مفتاح كل خير.

والله منجز وعد نبيه حيث بشرنا بالخلافة بعد الجبر. والله منجز وعد نبيه ما دام القرآن معصوما بين أيدينا، أنزله الله فهو له حافظ، ومادامت أصول بيانه من حديث وفقه صحيحة. والله غالب على أمره، ومتم نوره ولو كره الكافرون.

هذا، وفي نفوس المستضعفين من الرجال والنساء والولدان حاجة أن يخرجهم الله من هذه القرية الظالم أهلها، قرية القهر والتفريق الفرعوني. والتفقير القاروني، والكفر الهاماني، واتخاذ اليهود والنصارى أولياء من دون المؤمنين.

كل هذا وما منه، يبشر بإشراق نور التجديد للإيمان والدين في الأمة الإسلامية. وإن أجل الخلافة على منهاج النبوة لآت، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

– أي تجديد؟

لقد قاومت الدعوة زمن العض وزمن الجبر وحاولت الإصلاح. قاومت في زمن العض واستبان من أثر خذلان عامة الناس للإمام الحسين عليه السلام، وغيره من قائمي أهل البيت والعلماء، أن إصلاح شأن الناس أسبق من مقاومة فساد الحكام، فكانت خطة الإصلاح ثم خطة الترميم. ولما جاء الاستعمار عادت الدعوة إلى المقاومة، ثم بدا لها من بعد ما رأت من آيات تخاذل الناس، وقعودهم عن الجهاد، أن تنهج خطة الإصلاح في المجتمع. راد هذا محمد عبده ريادة فكرية عقدية، وراده الحسن البنا ريادة تربوية جهادية.

ثم ظهر بعد الاستقلال الصوري أن رجالات الدعوة يحتاجون إلى إعادة البناء والتربية؛ بناء أنفسهم على النحو الذي يؤهلهم لقيادة الأمة وإمامة الناس. ظهر هذا جليا زمن البنا وبخاصة بعد مقتله، فكان الخلاف، ونزغ حب الرئاسة بين الإخوان، فقطعوا أمرهم بينهم زبرا، كل حزب بما لديهم فرحون.

فما المنهاج النبوي في التربية، الذي بنى جيل الصحابة، فأهلهم للجهاد وقيادة الأمة وتربيتها، فكانوا بحق رجال الدعوة والدولة معا؟