شكلت أواسط التسعينات منعطفا حاسما في تاريخ العلاقات المهنية بالمغرب. وقد تجلى ذلك في الخطوات التي مر بها الحوار الاجتماعي في سنوات 1996، 2000، 2003 ووصولا إلى 2008.

وقد تعزز رصيد الحوار الاجتماعي في المحطات الثلاث الأولى بالتوقيع على ثلاث اتفاقات اجتماعية بمشاركة مختلف أطراف الإنتاج من منظمات المشغلين والنقابات العمالية والحكومة، وهي :

         – التصريح المشترك لفاتح غشت 1996

         – اتفاق 19 محرم 1421 (23 أبريل 2000)

         – اتفاق 30 أبريل 2003

التصريح المشترك لفاتح غشت 1996تميزت سنة 1996 بانطلاق جولات الحوار الاجتماعي بين الحكومة والفاعلين الاقتصاديين قصد الوصول إلى حلول مشتركة لحل مختلف الخلافات ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي.

وقد شارك في هذه الجولات كل من أعضاء الحكومة (ممثلة بالوزارات المعنية بالحوار الاجتماعي) من جهة، والاتحاد العام لمقاولات المغرب (ممثلا للمشغلين) وتسع مركزيات نقابية من جهة أخرى.

وقد مكنت هذه الجولات الأطراف الثلاثة من الاتفاق على منهجية الحوار وآليات التفاوض الجماعي ومناقشة المحاور ذات الأولوية وتعزز ذلك بالتوقيع على التصريح المشترك لفاتح غشت 1996.

واتفقت الأطراف الثلاثة على عدة نقط أهمها:

– مواصلة الحكومة لمجهوداتها من أجل تقريب وجهات نظر الأطراف الاجتماعية؛

– اعتماد مبدأ دورية اللقاءات لضمان استمرارية الحوار والتشاور والتفاوض عبر عقد -اجتماع مشترك مرة كل ستة أشهر؛

– إجراء حوار اجتماعي قطاعي على صعيد القطاعات والإدارات والعمالات والأقاليم.

– تشكيل لجنة ثلاثية دائمة على الصعيد الوطني لمتابعة تنفيذ كل القرارات والالتزامات وذلك بالتنسيق مع المجلس الاستشاري لمتابعة الحوار الاجتماعي.

وبناء على ما تم الاتفاق بشأنه تم إنشاء “اللجنة الوطنية لمتابعة الحوار الاجتماعي” التي تضم ممثلي مختلف الأطراف، وانبثقت عنها لجان فرعية متخصصة كما أحدثت لجان إقليمية ومحلية بمختلف العمالات والأقاليم وأسندت إليها مهمة دراسة ومعالجة النزاعات الجماعية للشغل ذات الطابع الإقليمي والمحلي. ومن جهة أخرى انطلق الحوار الاجتماعي القطاعي مع الإدارات العمومية المعنية.

اتفاق 19 محرم 1421 (23 أبريل 2000)جاء اتفاق 19 محرم كتتويج لالتزام الحكومة والمركزيات النقابية والاتحاد العام لمقاولات المغرب بإقرار السلم الاجتماعي، وذلك بخلفيات سياسية طبعها التوافق بين القصر والمعارضة.

وبعد عدة جلسات من الحوار والمفاوضة بين مختلف الشركاء الاجتماعيين تم تحديد الالتزامات والاتفاق على عدة قضايا.

وفي هذا الصدد تم الاتفاق على الالتزام بتفعيل آليات الحوار والتفاوض الجماعي، من خلال:

– لجنة التحكيم المختصة في حسم النزاعات الاجتماعية المستعصية برئاسة الوزير الأول؛

– اللجنة والوطنية للبحث والمصالحة برئاسة الوزير المكلف بالشغل؛

– اللجنة الإقليمية للبحث والمصالحة برئاسة السادة الولاة والعمال؛

– إحداث لجنة لرصد وتتبع النزاعات الاجتماعية والوقاية منها؛

– تفعيل الحوار الاجتماعي القطاعي والتشجيع على إبرام اتفاقيات الشغل الجماعية ووضع مساطر التفرغ لنقابي ودعم المركزيات النقابية؛

– مواصلة تنفيذ البرامج التكوينية المعدة من طرف المركزيات النقابية الأكثر تمثيلا ؛

– مضاعفة الجهود المبذولة في مجالي التفتيش وطب الشغل لتحسين العلاقات المهنية بين طرفي الإنتاج.

كما اتفق الأطراف على مجموعة من المحاور من أهمها:

– معالجة النزاعات الاجتماعية؛

– معالجة أزمة التشغيل والبطالة؛

– الزيادة في الحد الأدنى للأجر ومعالجة ملف الترقية الداخلية؛

– ترسيم المؤقتين ؛

– المراجعة العادلة للنظام الضريبي المطبق على الأجور؛

– التزام التوافق حول مدونة الشغل؛

– إصلاح ودمقرطة المؤسسات الاجتماعية؛

– توفير السكن للأجراء؛

– إصلاح نظام التقاعد في القطاع الخاص؛

– توفير التكوين والتكوين المستمر لفائدة الأجراء؛

– تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة لفائدة العمال.

وبغية تفعيل مقتضيات هذا الاتفاق اتفق الأطراف الثلاثة على إحداث لجنة وطنية ثلاثية التركيب (حكومة – مشغلين  نقابات) برئاسة الوزير المكلف بالشغل للسهر على تنفيذ محتويات هذا الاتفاق. وتجتمع هذه اللجنة مرتين في السنة وكلما دعت الضرورة لذلك.

كما تم إحداث لجان تقنية ثلاثية التركيب تعمل تحت إشراف اللجنة الوطنية، ويعهد لكل لجنة بتتبع مجال من مجالات هذا الاتفاق.

اتفاق 30 أبريل 2003انطلقت أشغال اللجنة الوطنية للحوار الاجتماعي التي انبثقت عنها خمس لجان ثلاثية الأطراف ابتداء من أوائل أبريل 2003 وهي :

– لجنة التشريع والعلاقات المهنية والحريات النقابية؛

– لجنة الأجور والتعويضات والاتفاقيات الجماعية؛

– لجنة الشؤون الاجتماعية والتغطية الصحية والسكن الاجتماعي؛

– لجنة الانتخابات المهنية؛

– لجنة نزاعات الشغل.

و قد تم التوصل، عقب هذه الأشغال إلى النتائج التالية:

– ميدان التشريع والحريات النقابية:

اتفق الأطراف على دعوة السلطات المختصة إلى إقرار مشروع مدونة الشغل مع مراعاة التعديلات التوافقية التي تم التوصل إليها . كما تم التأكيد على ضرورة إيجاد صيغة تسمح بوضع معايير قانونية لضبط العلاقات المهنية وتنظيمها من أجل دعم الثقة بين الأطراف وتحقيق السلم الاجتماعي.

وفي مجال الحرية النقابية، أجمعت الأطراف على ضرورة إلغاء ومراجعة بعض النصوص القانونية التي تحد من حرية ممارسة العمل النقابي وضرورة الحرص على ملاءمة التشريعات الوطنية ذات الصلة بالحقوق والحريات النقابية مع اتفاقيات العمل الدولية.

أما في مجال العلاقات المهنية فقد تم الاتفاق على ضرورة حث السادة الولاة والعمال على السهر شخصيا على التدخل لتسوية النزاعات الجماعية للشغل محليا وإقليميا.

كما أكدت الأطراف على ضرورة دعم جهاز تفتيش الشغل عبر الإسراع بإقرار مشروع المرسوم المتعلق بالقانون الأساسي لهيئة تفتيش الشغل، وإحداث مناصب مالية تسمح بمد الجهاز بالموارد البشرية الكافية.

وبخصوص النهوض بالاتفاقيات الجماعية، أكدت الأطراف على أهمية وضع اتفاقيات نموذجية تشمل جميع القطاعات المهنية وتفعيل دور المجلس الأعلى للاتفاقيات الجماعية.

واعتبارا لأهمية القضاء الاجتماعي فقد اتفق الأطراف على مواصلة دراسة كيفية معالجة المساطر المتبعة أمام القضاء في المجال الاجتماعي. كما تم الاتفاق على دراسة إمكانية إحداث محاكم اجتماعية.

ومن أجل التخفيف من الآثار السلبية للتحولات الهيكلية التي تعرفها المقاولة، تمت دراسة مشروع القانون المتعلق بالتعويض عن فقدان الأجير لعمله لأسباب اقتصادية.

– ميدان الصحة والشؤون الاجتماعية:

محور التغطية الصحية والتعاضديات: تم التركيز في هذا المحور على تفعيل مدونة التغطية الصحية وإخراج المرسوم المتعلق بالوكالة الوطنية للتأمين وتأهيل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والصندوق الوطني لمنظمات الاجتماعي.

محور السكن الاجتماعي والسكن لفائدة الأجراء: تعهدت الأطراف بوضع إطار مؤسساتي ومالي ملائم سيسمح لأجراء القطاعين الخاص والعام بالتوفير على سكن لائق.

محور التقاعد: تم الاتفاق على تكثيف اللقاءات من أجل تعميق التفكير لإصلاح نظام التقاعد وتحسين وضعية الصناديق المكلفة بتدبيره.

– ميدان الأجور والتعويضات:

تعهدت الحكومة بتحسين الأجور في مجال الوظيفة العمومية أما بالنسبة للقطاع الخاص فقد اتفقت الأطراف على الزيادة في الحد الأدنى للأجر بنسبة 10%يتم تنفيذها على مرحلتين.

كما اتفقت الأطراف على ضرورة بلورة إصلاح شمولي لمنظومتي الأجور والتعويضات يتم اعتمادها في مجال الأنظمة الأساسية وتستند على مبادئ الإنصاف والاستحقاق.

– ميدان النزاعات الجماعية:

تم في هذا الصدد التوصل إلى ما يلي:

– التزام الأطراف الثلاثة بتشجيع إبرام اتفاقيات الشغل الجماعية؛

– تفعيل آليات تسوية نزاعات الشغل؛

– مأسسة الحوار الاجتماعي من خلال وضع هياكل وطنية ومحلية لإرساء ثقافة الحوار.