شرع في الهجوم على نظام دعم المواد الغذائية الأساسية بالموازاة مع تنفيذ سياسة التقويم الهيكلي في القطاع الفلاحي التي دخلت حيز التطبيق منذ 1985 وتجلت أهم مظاهرها في: إلغاء دعم عوامل الإنتاج بالتدريج وانسحاب الدولة من الأنشطة ذات الطابع التجاري خاصة تجارة المخصبات والخدمات البيطرية. وفي المحاور السقوية تخلت المكاتب الجهوية للاستثمار الفلاحي عن كل تقديم للخدمات والعمليات ذات الطابع التجاري التي أصبحت تباع بسعر السوق. كما جرت خوصصة عدة شركات ذات طابع فلاحي، بعضها كان يقدم خدمات التزود بالبذور والمخصبات…، ساهمت في الحد من تكلفة المواد الفلاحية. يضاف إلى ذلك تحرير واسع للتجارة الخارجية للمنتجات الفلاحية حيث ابتداء من 1996 جرى تحرير واسع شمل السكر والزيت والحبوب.

كان من الطبيعي أن يستكمل كل ذلك بتحرير أسعار المنتجات الغذائية الأساسية (زيت، سكر، حبوب…) بتواز مع نزع التقنين عن قطاعات التحويل (مطاحن، معامل الزيوت، معامل السكر…) وإلغاء دعم الاستهلاك الذي يشرف عليه صندوق الدعم.

كان في مقدمة المطالبين بإلغاء دعم المواد الغذائية الأساسية البنك الدولي في تقريره الصادر في أكتوبر1983. وبرر ذلك بثقل حجم مصاريف الدولة من الدعم حسب زعمه، وأنه لم يؤد إلى تحسين استهلاك الساكنة الأكثر فقرا، وعلى العكس فإن الفئات الغنية هي التي تستفيد. مما حدا بالدولة إلى الاستجابة لتوصيته بإلغاء دعم مادتين أساسيتين لتغذية متوازنة هما الحليب والزبدة وذلك في نفس السنة، وبعدها تواصل الهجوم بالتدريج طوال الثمانينات ليبلغ أوجه في سنة 1996 وكانت حصيلة هذا التراجع هي:

– 1983: إلغاء دعم الحليب والزبدة.

– 1984: إلغاء دعم الغازوال الفلاحي.

– 1985: لم يبق الدعم ساريا إلا بنسبة %20 فقط من الدقيق من النوع الرفيع و %80 من الدقيق الوطني (دقيق القمح الطري  فارينا)

– 1986: تحديد دعم الدقيق في كوطا قدرها 10 مليون قنطار.

– 1988: تحرير أسعار القمح الصلب والشعير والذرة لدى الإنتاج وإلغاء %20 الباقية من دعم أسعار استهلاك القمح الصلب.

– 1989: الرفع مجددا من سعر استهلاك الزيت بنسبة 17, 5%

– 1991: إلغاء دعم عوامل الإنتاج: المخصبات والبذور.

– 1995: ربط أسعار المنتجات البترولية بالأسعار في روتردام (تحرير الأسعار(.

– 1996: انعطافة كبيرة في تراجع الدعم بتزامن مع تحرير التجارة الخارجية: زيت: تخفيض الاقتطاعات الجمركية على واردات البذور الزيتية من %25 إلى 2, 5%.

سكر: تحرير أسعار النباتات السكرية لدى المنتجين المحليين. وضع نظام جديد لحساب الدعم: الدعم الجزافي.

– 1998: الإعلان عن تدبير جديد لموارد الصندوق: أن يرتبط الدعم بقضايا العجز أو عدمه في الميزانية  أن يستهدف الفئات الضعيفة  المطالبة بإعادة النظر في صندوق الدعم (تم هذا الأمر في عهد الوزير الحليمي).

– فاتح نونبر 2000: التحرير الشامل لقطاع الزيوت الغذائية بما فيها أسعار الاستهلاك وإلغاء الدعم.

– يوليوز 2001: بدء العمل بمقتضيات قانون حرية الأسعار والمنافسة مع استثناء حوالي 30 مادة من بينها بعض المواد الغذائية الأساسية والأدوية.

– 2004: رفع أسعار الخبز من 1, 10 درهم إلى 1, 20 درهم مع تخفيض وزن الخبزة من 200 غرام إلى 160 غرام.

– 2005: خوصصة أربع مصانع للسكر لصالح أونا.

يبين هذا الجدول تطور حجم دعم الدولة لأسعار الاستهلاك للمواد الغذائية الأساسية

المصدر: نجيب أقصبي، الكراوي، “رهانات فلاحية”، جدول 18، ص 66.

بدأت الدولة في شن الهجوم على صندوق دعم أسعار المواد الغذائية الأساسية في سنة 1986 كما يبين الجدول أعلاه. فبينما كان الدعم يشكل سنة 1985 نسبة 7,1% من المصاريف العامة للميزانية، انخفض إلى 4,9% سنة 1986 ثم 2,3% سنة 1987 و1,6% سنة 1988. ويلاحظ نفس الاتجاه نحو الانخفاض عند مقارنة نسبة الدعم من الناتج الداخلي الخام. فبينما شكل متوسط الدعم ما بين 1973 و 1988 1, 7% من الناتج الداخلي الخام، اتجه نحو الانخفاض مرورا من 2, 3% من الناتج الداخلي الخام سنة 1985 إلى 1, 1% سنة 1986 و %1 سنة 1987 و 5, 0% فقط في سنة 1988.

أهم ملاحظة بخصوص هذا الاتجاه الفعلي نحو الانخفاض هو الدرجة التي تقوم بها الدولة بتخفيض حجم الدعم، إذ شرعت في التخفيض ابتداء من سنة 1986 بنسبة %40 إلى %50 كل سنة وهي نسبة تدل ليس فقط على الرغبة في الحد من حجم الدعم، ولكن على رغبة في التخلص من نظام الدعم برمته. وهذا ما أصبح يصرح به فريق من المراقبين الاقتصاديين والمسؤولين الحكوميين الذين يرون أن صندوق المقاصة أصبح يشكل عبئا ثقيلا على ميزانية خزينة الدولة. وهذا ما كشفه صراحة “المخطط التوجيهي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية 1988-1992 الذي أدرج ضمن أهدافه الإلغاء الكلي للدعم المقدم للمواد الاستهلاكية الأساسية ووضع سقف 1990 لتحقيق هذا الإنجاز !