باستثناء سنة 1983 التي قامت خلالها الدولة بإلغاء دعم مادتي الحليب والزبدة دفعة واحدة، فإنها عملت منذ أواسط الثمانينات إلى حدود الآن على تمهيد الطريق نحو الإلغاء بإجراءات هجومية تدريجية شملت محاور: رفع أسعار الاستهلاك  تحرير الواردات  تحديد سقف لتحمل مصاريف الدعم.

1- رفع أسعار الاستهلاك: استنادا إلى دراسة حول تكلفة المعيشة، فقد شهدت أسعار المواد الغذائية معدل ارتفاع سنوي قدره %10 في المتوسط، أي أنها تضاعفت عموما في المدة المذكورة حوالي 4 مرات رغم أن من بينها مواد مدعمة. فأسعار الحليب ومشتقاته تضاعفت بأكثر من 4 أضعاف في ظرف 15 سنة وهو معدل فاق معدل تزايد المواد المدعمة الأخرى. أما بالنسبة للزيت فقد قامت الدولة برفع أسعاره مرتين في المدة المذكورة: في 1985 بنسبة 16,6% وارتفاع للمرة الثانية في 1989 بنسبة 17,5% . أي زيادة بنسبة تزيد عن 34% في ظرف خمس سنوات. وبالنسبة لأسعار الحبوب فقد سجلت هي الأخرى ارتفاعا فعليا في السوق منذ 1986 فاق السعر الرسمي المحدد. وبغضها الطرف عن زيادات أسعار الحبوب، كانت الدولة تشرعن زيادات كبيرة في الأسعار دون أن تفصح عن ذلك. وترافق ذلك مع تدهور كبير في جودة المنتوج نتيجة تراخي أو غياب مراقبة عمليات التحويل في المطاحن والتسويق التي كان يقوم بها “الصندوق الوطني المهني للحبوب والقطاني”.

2- تحديد سقف لتحمل مصاريف الدعم: لم يبق الدعم ساريا سنة 1985 إلا بنسبة %20 فقط من الدقيق من النوع الرفيع (القمح الصلب ليلغى فيما بعد، و %80 من “الدقيق الوطني” القمح الطري – فارينا). وفي سنة 1986 وضع سقف لتحمل ميزانية صندوق المقاصة.

3- تحرير الواردات: جرى في ماي 1996 تحرير واردات البذور الزيتية والزيت الخام والتفل (بقايا البذور). كما قررت الحكومة في نفس السنة تحرير أسعار النباتات السكرية (الشمندر وقصب السكر) لدى الإنتاج.

4- انعطافة كبيرة نحو إلغاء الدعم: وصل التراجع مداه في سنة 1996 وشمل تحرير واردات الزيت وتحرير أسعار النباتات السكرية لدى الإنتاج، ووضع نظام جديد لحساب حجم الدعم يسمى الدعم الجزافي، وتطوير تقنية تطبيق المعادلات الجمركية. فبالنسبة لقطاع الزيوت تم في ماي 1996 تحرير واردات البذور الزيتية والزيت الخام والتفل بتخفيض الاقتطاعات الجمركية من %25 إلى 2,5%؛ كما تم تحرير الزيت الصافي والمشتق في يونيو من السنة نفسها. ولتفادي التصفية الكاملة لهذا القطاع (20 ألف هكتار – %8 من الإنتاج الكلي للزيت و34 ألف مزارع)، قررت الدولة أن تعطي الفارق بين ثمن الاستيراد وثمن إنتاج القنطار في المغرب. وتم فعلا التوقيع على إبقاء الدعم، وأن يتم شراء المنتوج المغربي بأكمله وتعطي الدولة للمشتري  عن طريق كومابرا- ما يؤدي به حق المزارعين. وهو إجراء لن يحول بكل تأكيد دون تدمير القطاع. أما بالنسبة لقطاع السكر فقد تقرر في نفس السنة تحرير أسعار النباتات السكرية (الشمندر وقصب السكر) لدى الإنتاج، وأصبح التفاوض بشأن الأسعار يتم مباشرة بين المنتجين الممثلين في إطار جمعيات ومعامل السكر بعدما كانت محددة بسعر رسمي ومضمون من قبل الدولة. إضافة إلى أن الفلاحين أصبحوا أحرارا في زراعة الشمندر بعدما كانوا ملزمين، في إطار عقود زراعية، بإنتاجه.

كما قامت الدولة في نفس السنة (1996) بوضع نظام جديد لحساب حجم الدعم. فبعدما كان يحتسب في السابق بالاستناد إلى عاملين هما حجم المخزونات وسعر التكلفة، أصبح بعد سنة 1996 يعتمد، من جهة، على حجم المبيعات. وفي الشق الثاني لم يعد رهينا بتكلفة الإنتاج وإنما بدعم جزافي. النظام الجديد لحساب الدعم، أي الدعم الجزافي، خطوة أخرى في اتجاه التحرير، لأن الدعم الجزافي يفترض منافسة بين المقاولات. الوحدات الإنتاجية الأكثر توفرا على شروط المنافسة والتي تستطيع تبعا لذلك تخفيض كلفة الإنتاج هي التي تستفيد.

واصلت الدولة سياسة “إصلاح” صندوق الدعم بتطوير تقنية جديدة لتنفيذ الظهير المتعلق بتطبيق المعادلات الجمركية في 5 أكتوبر 1998. وجدير بالذكر أنه تم في ماي 1996 الشروع في تطبيق المعادلات الجمركية التي ترمي إلى الحفاظ على الأسعار الداخلية للمواد الغذائية الأساسية في وجه الواردات. فهي تتغير تبعا للأسعار العالمية. ترتفع عندما تكون الأسعار العالمية أو أسعار العملات منخفضة، والعكس صحيح. والمرسوم السابق المطبق منذ ماي 1996 كان ينص على تغيير المعادلات بمرسوم يحسم فيه المجلس الوزاري، لكن عندما انخفضت الأسعار بشكل هام تعطل المرسوم شهورا، مما جعل المستوردين وأرباب المصانع يستفيدون من هامش الربح الناجم عن عدم تكييف فوري للتعريفة الجمركية مع التحول الحاصل في السعر الدولي. النظام الجديد المطبق منذ أكتوبر 1998 يسمح بتكييف فوري للتعريفة الجمركية مع تدبدب السعر الدولي بحيث تنخفض بنسبة معينة لدى ارتفاع السعر الدولي بقدر معين والعكس صحيح، وبالتالي تختفي إمكانية الاستفادة من تفاوت زمني بين لحظة ارتفاع السعر الدولي ولحظة ضبطه عبر التعريفة الجمركية.

بعد مجيء حكومة اليوسفي سنة 1998 واصلت تنفيذ السياسات السابقة الرامية إلى التخلص من نظام الدعم. وتجرأ موظفوها بالإعلان عن تطبيق ما تبقى من إجراءات لإلغاء الدعم. هكذا أعلن أحمد الحليمي الوزير المكلف بالشؤون العامة للحكومة بحماسة أن “الدولة بصدد دراسة تدبير جديد لموارد الصندوق تنبني على أن تكون الانشغالات منصبة على قضايا العجز أو عدمه في الميزانية. وأن يستهدف الدعم الفئات الضعيفة من المستهلكين وذلك عن طريق مبادرات أخرى من شأنها أن تمنح لهذه الفئات موارد إما عن طريق شغل أو هبات أو بصيغة تخفيف الأعباء التي تعاني منها هذه الفئات”. وبموازاة ذلك، شنت الجرائد التابعة لها هجوما واسع النطاق على نظام الدعم مستعينين بالمبررات الأساسية التي سبق أن أوردها البنك العالمي وصندوق النقد الدولي. وصفقت طويلا لجرأة الحكومة عندما أقدمت على الإلغاء الرسمي للدعم المخصص للزيت في يونيو2000.