يتميز السوق الداخلي للمواد الغذائية الأساسية، خاصة الحبوب والسكر، بهيمنة الوسطاء والتجار والسماسرة. ويرتبط وجودهم بنظام الامتيازات والرخص التي تثقل، في الأخير، تكلفة المنتجات المذكورة بفضل الأرباح التي يجنونها من العملية. ففي مجال التجارة الداخلية للحبوب كان هناك إلى حدود سنة 1987 حوالي 190 تاجرا مرخصا (شركات تجارية) من قبل “المكتب الوطني المهني للحبوب والقطاني” للقيام بعمليات الجمع والتلفيف وتخزين الحبوب. فيما يتواجد 1126 تاجرا مكلفين فقط بعملية جمع الحبوب. أما على مستوى الواردات من الحبوب فإن “المكتب الوطني المهني للحبوب والقطاني” يشرف على عملية الاستيراد عبر اختيار إحدى شركات الإستيراد عن طريق طلب عروض أثمان. وتتكلف الشركة بتنفيذ مختلف عمليات الشراء وإيصال المنتوج إلى الموانئ. وقد قسمت عملية الاستيراد منذ سنة 1986 إلى ثلاث مراحل ليختار ثلاث مستوردين يقوم كل واحد منهم بإحداها.

ويجب التنبيه للدور الخطير الذي يلعبه هؤلاء الوسطاء بالسوق الخارجي. فنظرا لأن هذه الشركات تتمتع بقدر كبير من الحرية في معاملاتها، فهي تغلب مصالحها الخاصة على مصالح البلد ويدفعها تعطشها للربح إلى الإضرار بمصالح المستهلكين. فالشركات التجارية الخاصة تثقل الواردات بتكلفة إضافية تؤدي في الأخير إلى رفع السعر النهائي. مع أن الأصل هو أن تتكلف بهذه العملية مؤسسات تابعة للدولة هدفها تقديم خدمة عمومية وليس جني أرباح.

شركــــــات التحويــــــلضمنت طريقة حساب حجم الدعم أرباحا هائلة لشركات تحويل المواد الغذائية الأساسية. لأنها تمكن المصانع المتوفرة على شروط الإنتاجية من مراكمة أرباح طائلة. فكلما تزايدت المبيعات تزايد حجم الدعم، مادام يحتسب  في جانب منه  على أساس حجم المخزونات قبل سنة 1996 وحجم المبيعات بعدها. لكنه يضمن من جهة أخرى حتى للشركات التي لا تتوفر على شروط الإنتاجية أرباحا دائمة ومضمونة ما دام الدعم يحتسب على أساس عامل آخر هو حجم التكلفة. إذ كلما ارتفعت التكلفة لسبب من الأسباب إلا وارتفع الدعم بشكل يضمن للمصانع الحصول على هامش الربح ذاته بغض النظر عن حجم تكلفة بضائعهم.

لا يحتسب الدعم على أساس سعر المواد الفلاحية المعنية (الأسعار لدى الإنتاج) فقط، ولكن يبنى اعتمادا على كل ما يثقل حجم التكلفة في مختلف عمليات التحويل الجارية في المصانع. سواء تعلق الأمر بمصاريف الصيانة أو الطاقة أو أجور العمال أو التلفيف أو حتى النقل… كلها تتحملها الدولة عن طريق الدعم حتى تحافظ لشركات التحويل على أرباحها. بالنسبة لمعامل الزيت مثلا، وصل الدعم المخصص للتلفيف (إلى حدود 1989 ) 1,29 درهم لكل لتر من الزيت يتضمن هامش ربح قدره 1 سنتيم، فيما يتراوح الدعم الممنوح للنقل ما بين 0,1 درهم و 0,17 درهم لكل لتر.

يتحمل صندوق الدعم أيضا تحملات غير شرعية كمصاريف البذخ والأجور العالية جدا والفوائد العينية للطاقم المسير وفاتورات المبيعات الوهمية…. جاء في تصريح أحمد الحليمي، وزير الاقتصاد الاجتماعي سابقا، بهذا الشأن ” من المتوقع أن تمنح الدولة دعما عن 10 مليون قنطار لإنتاج الدقيق الوطني. لكن الخبراء يؤكدون أن الكميات الموجهة للسوق لا تتجاوز ثلاثة ملايين قنطار. أي أن الدعم الموازي لسبعة ملايين قنطار ينهب على شكل عائدات مالية للمستفيدين من الدعم ( المطاحن)”. وقد اعترف رئيس “الجامعة الوطنية للمطاحن” نفسه بهذا النهب. وأقر أن الدعم لا يصل إلى أهدافه، لكنه بالمقابل نفى مسؤولية المطاحن. ولكن ماذا عن احتجاج العديد من المطاحن والموزعين على المحسوبية في توزيع الحصص بين العمالات والأقاليم (يقصدون بين المطاحن وشركات التوزيع)؟ أكيد أن بعضهم يمارس بذلك ضغوطا من أجل الحصول على حصته من النهب بعد أن تجاوزهم منافسوهم في الاستفادة من علاقات تبادل المصالح والروابط المعقودة مع الموظفين السامين في الحكومة. ومنذ صدور هذه التصريحات / الاعترافات لم نسمع عن تشكيل لجنة حكومية أو برلمانية للتقصي. وهو أمر يكشف مرة أخرى تواطأ المؤسسات مع المسؤولين عن نهب أموال الشعب. والنموذج البين تمثله فضيحة المطاحن سنة 1990، حين تم اختلاس مبلغ دعم الدقيق الذي صرفه المكتب الوطني للحبوب والقطاني (19,7مليار درهم) لحساب الجمعية المهنية للمطاحن من طرف مسؤولين من هذه الجمعية.