في الوقت الذي ظن فيه الجميع أن الحوار الاجتماعي استطاع أن يرجئ إعلان فشله، وذلك بالحديث عن تأجيل الحسم في الملفات العالقة بين الحكومة والنقابات وأرباب الشغل إلى شتنبر المقبل، أقدم الطرفين الرئيسين على خطوات انفرادية تؤكد وصول جولات الحوار الأربع إلى الباب المسدود.

ففي تطور مفاجئ قررت الحكومة، بصفة أحادية وإرادية، تطبيق مقترحاتها، حول الرفع من الدخول وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين، ابتداء من فاتح يوليوز المقبل، وذلك ردا على رفض المركزيات النقابية لنتائج الحوار الاجتماعي. يأتي ذلك في وقت أعلنت ثلاث نقابات، وهي الفدرالية الديمقراطية للشغل والمنظمة الديمقراطية للشغل والاتحاد النقابي للموظفين المنضوي تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل، عشية فاتح ماي الماضي، عن قرار خوض إضراب وطني احتجاجي بقطاعات الوظيفة العمومية والجماعات المحلية لمدة 24 ساعة يوم الثلاثاء 13 ماي، في حين قررت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، تجاوز حدود الإضراب الوطني القطاعي، إلى الإعلان عن إضراب عام يوم 21 ماي الجاري.

وسجل المجلس الوطني للكونفدرالية في بيانه “باندهاش انفراد الحكومة ليلة فاتح ماي، بإعلان تنفيذ مقترحاتها، وانسحابها من الحوار، ما يذكرنا بالأساليب التقليدية، التي دأبت عليها الحكومات السابقة، التي أثبتت التجربة فشلها”، وحملها المسؤولية في “عجزها عن تدبير التفاوض وتنكرها لكل التعاقدات والاتفاقات”.

وطيلة أربع جولات من الحوار، الذي امتد من فبراير إلى أبريل، لم تتمكن أطراف الحوار الاجتماعي من التوصل إلى توافقات من شأنها الرفع من دخل الموظفين والمستخدمين والعمال وتحسن قدرتهم على مواجهة غلاء المعيشة، وظل التباين واضحا بين عرض الحكومة والاتحاد العام للمقاولات بالمغرب ومطالب النقابات الأكثر تمثيلية، وهي الاتحاد المغربي للشغل، والكونفدرالية الديمقراطية للشغل، والاتحاد العام للشغالين بالمغرب، والفيدرالية الديمقراطية للشغل، والاتحاد الوطني للشغل بالمغرب.

وفيما يلي إشارة إلى أهم نقاط التباين الواضح:

– تطالب النقابات رفع السميك من 1870 درهم ليصل إلى 3000 درهم (أي بزيادة قدرها 1130 درهم)، في حين اكتفت الحكومة بتقديم زيادة قدرها 188 درهم في السميك يتم توزيعها على 4 سنوات (حوالي 46 درهم في السنة).

– تطالب النقابات بالرفع من التعويضات العائلية من 150 درهم للطفل لتصل إلى 300 درهم، أما الحكومة فلم يتجاوز عرضها 50 درهما بالنسبة للأطفال الثلاثة الأوائل.

– تطالب النقابات بزيادة عامة في أجور جميع موظفي الدولة بنسبة 30 في المائة، ومقابل ذلك تعرض الحكومة ما يلي:

         – زيادة 350 درهما للموظفين المرتبين في السلاليم من 1 إلى 7.

         – زيادة 400 درهم للموظفين المرتبين في السلَّمين 8 و9.

         – زيادة ما بين 430 و1316 درهما بالنسبة إلى الموظفين المرتبين في السلم 10 و11.

– تطالب النقابات بتخفيض الضريبة على الدخل بأربع نقط من 42 في المائة لتصل إلى 38 في المائة ابتداء من 2008، أما الحكومة فاكتفت بعرض تخفيض الضريبة على الدخل بنقطتين من 42 إلى 40 في المائة وابتداء من 2009.

– كما تطالب النقابات بمأسسة الحوار الاجتماعي وضمان الحريات النقابية.

وقد أعرب عدد من قيادات المركزيات النقابية المشاركة في الحوار عن رفضها لمقترحات الحكومة والسيد الوزير الأول، مؤكدين، في تصريحات إعلامية، عدم تلاؤمها مع غلاء المعيشة والتصاعد الصاروخي في الأسعار والمواد والخدمات الأساسية.

وفي الوقت الذي طالب فيه “عبد القادر الزاير” نائب الكاتب العام للكونفدرالية الديمقراطية للشغل بتوزيع الغلاف المالي بالتساوي بين سائر الأجراء، بزيادة مبلغ 500 درهم صافية، في الشهر دفعة واحدة، ابتداء من يوليوز 2008، على سائر الموظفين والمستخدمين وأجراء القطاع الخاص، بالإضافة إلى الاستفادة من نسب التخفيض من الضريبة على الدخل، وتسوية ملف الترقية الداخلية بكل عناصره، ورفع حصيصها إلى 33 في المائة. (طالع مقترحات الكونفدرالية).

رأى “جمال أغماني” وزير الشغل والتكوين المهني أن مقترحات الحكومة المقدمة ستكلف 26 مليار درهم، 16 مليارا للرفع من دخول جميع موظفي الدولة، وأزيد من 10 ملايير لترجمة التزاماتها الرامية إلى “تحسين القدرة الشرائية للمواطنين، بسياسة إرادية تستهدف الصمود أمام موجة الارتفاعات الدولية لأسعار المواد الأساسية، ومواد التغذية، وعدم عكسها على الأسعار الداخلية”، تنضاف إلى 20 مليار درهم المرصودة في القانون المالي 2008، لتغطية نفقات المقاصة المرتقب أن تتجاوز 30 مليار درهم، ليبلغ الغلاف الإجمالي للنهوض بالأوضاع الاجتماعية أزيد من 46 مليار درهم. (طالع مقترحات الحكومة).

من جهته قال أمين الرابطة النقابية لجماعة العدل والإحسان “مصطفى الريق”: “إن المتتبع لأطوار “الحوار الاجتماعي” بين المركزيات النقابية والحكومة تتملكه مشاعر متناقضة تجمع بين التطلع إلى آفاق مشروعة يمكن أن تتحول إلى واقع ملموس  إن صحت الإرادات وصدقت النيات -، والخوف من أن تكون هذه الجولات آخر مسمار يدق في نعش العمل النقابي الرسمي”. (طالع تصريح الأستاذ مصطفى الريق).

وكانت الحكومة أطلقت منذ فبراير الماضي سلسلة من جولات الحوار الاجتماعي مع الفرقاء الاجتماعيين والاقتصاديين في أفق التوصل إلى اتفاق يخفف من حدة الاحتقان الاجتماعي والضغط المعيشي الذي يعانيه المواطن المغربي، غير أن جل النقابات اعتبرت عرض الحكومة لم يستجب لمطالبها الأساسية.