تتميز الفترة المعاصرة بتطور كبير في تكنولوجيا المعلوميات والتواصل وعولمة رأس المال والشغل. هذا التطور نتجت عنه تحولات اقتصادية أدت إلى تقطيع سوق الشغل إلى عدة أسواق منفصلة، نذكر من بينها:

   السوق الأولى، وتناسب الوظائف الهامة والمرتفعة الأجر. وفيها سوق عليا وسوق سفلى. أما العليا، فتوافق الوظائف التي تتطلب تكوينا أساسيا عاليا ذا طبيعة عامة، إضافة إلى قابلية الانتقال من وظيفة إلى أخرى ومن مقاولة إلى أخرى. وأما السفلى، فتوافق تكوينا تقنيا مركزا.

   السوق الثانية، وتتعلق بالمأجورين الأكثر عددا، أجورهم ضعيفة ويعملون في ظروف صعبة على العموم. هؤلاء لا يطلب منهم إلا القليل من التكوين، إلا أنهم يجب أن يكونوا الأكثر مرونة.

   فماذا يقصد بالمرونة في عالم الشغل؟ وماهي عواقبها الاجتماعية؟

   تتجلى المرونة في سوق الشغل، في عدة أشكال، وتكون سيدة الموقف في جل، إن لم نقل كل، المستويات.

   فعلى مستوى المحيط الخارجي، تتجلى المرونة (المرونة الخارجية) حين عمليتي التوظيف أو التسريح التي تقوم بهما المقاولة. إذا كان هذا الأمر ليس جديدا، فإن المقاولة اليوم تسوي بشكل أوتوماتيكي مسألة اليد العاملة بها، ولم تعد تخزِّن( بتشديد الزاي وكسره) الموظفين لفترة الشدة كما كان عليه الأمر سابقا. وذلك عملا بمبدأ موافقة حجم العمل لضرورات الإنتاج تحت الطلب.

   هذا السلوك دفع إلى تنامي ظاهرة العقود قصيرة المدة، مما جعل العمال يغيرون باستمرار شغلهم ومشغليهم. من هنا لم تعد المقاولة في حاجة إلى أن تستثمر في التكوين المستمر لموظفيها، بل عاد الأمر إلى العمال أنفسهم. فتحسبا لكل مخاطر فقدان العمل، أو من أجل الزيادة في حظوظ الحصول على شغل جديد، فإن تنمية كفاياتهم واكتساب أخرى، أصبحا من الهموم الرئيسية لذا العمال.

   وهناك المرونة الوظيفية، وتتعلق بإمكانية تحريك العاملين داخل المقاولة وتغيير مواقعهم. وهذا يعني أن الشخص لم يعد يتعلم حرفة واحدة وإنما يجب أن يكون على استعداد لتغييرها طول حياته المهنية بصفة متعددة. مما يكون له انعكاس على أنظمة التكوين في الدول الصناعية، فما بالك في الدول المتخلفة.

   وتتجلى المرونة أيضا على مستوى الأجر، بحيث بدأت تنمو مثلا ظواهر الأجر حسب الاستحقاق. وطبعا لا تسأل عن المعايير ولا عن المتدخلين في اتخاذ القرار، مادام الأمر كله مرتبطا بالعقل المدبر للمقاولة. وهذا من حسنات المرونة.

   لأشكال الأجر هذه عواقب اجتماعية خطيرة. إنها تؤدي إلى شخصنة علاقات الشغل، وبالتالي تقلص من دور وسلطة النقابات فيما يتعلق بالاتفاقات الجماعية. كما تكره بعض العمال على قبول أجور متدنية، طمعا في الوعود التي تأتي أو لا تأتي.

   أما على المستوى الزمني، فتتجلى المرونة حين تسمح بإضافة حصص عمل أو النقص منها، وبالعمل ليلا أو نهاية الأسبوع…، باختصار فإن المقاولة تتحكم في استعمال الزمن بتغييره يوميا أو أسبوعيا، تبعا لحاجياتها.

   يكون لهذا الشكل من المرونة عواقب على الحياة الخاصة، والالتزامات العائلية للعمال وخصوصا النساء المربيات. إضافة إلى التعقدات الصحية والاضطرابات النفسية الناتجة عن تلك التقلبات التي تفقد العامل تحكمه في ترتيب وقته اليومي.

   وفي الأخير نتساءل: بعد هذا كله، كيف سيصبح الوضع الاجتماعي في المغرب، إذا أضيف إلى سيادة المرونة، “تقنين” الإضراب في زمن تشرذم النقابات العمالية وضعف تكوينها، في مقابل تكتل أرباب العمل ووعيهم بمصالحهم؟