لا يتطابق حسان بإحساس واحد أبدا، حس الطبقة المترفة الماسكة بزمام الأمور، الجاثمة على صدور المواطنين، وحس الطبقة الكادحة المغلوبة على أمرها، المحرومة من حقوقها. كما لا يتطابق أبدا واقع كل منهما. باطل الأباطيل من يزعم غير هذا.

في ثورة الجياع بفرنسا لما رأت ماري أنطوانيت ابنة الإمبراطور الناس يتظاهرون أمام القصر، تساءلت عن السبب، فأجابها حاشية الإمبراطور: إن الناس لا تجد خبزا تأكله، قالت: ليأكلوا بسكويت… أين المشكلة.

في استجواب أجرته جريدة الأيام في عددها 326 مع المستشار الملكي مزيان بلفقيه حول وضعية التعليم بالمغرب، صرح هذا الأخير بأن وضعية التعليم ليست بالكارثية كما جاء في تقرير البنك الدولي، مِؤكدا على أن صدور مثل هذه التقارير لا يمكنها تغيير قناعته ورؤيته حول منظومتنا التربوية، وهو بالتالي في”وضع المتفائل والواثق في مستقبل واعد لمدرستنا” مشيرا إلى أن “الوضع الذي يوجد عليه التعليم في بلادنا ليس بالكارثي ولا بالمتأزم …..”

وقالت كاتبة الدولة المكلفة بالتعليم المدرسي لطيفة العابدة في ردها على الأسئلة الشفوية داخل قبة البرلمان والتي خصصت إحدى جلساته لوضعية التعليم بالمغرب “للأسف كلما صدر تقرير من إحدى الجهات إلا وكان ذلك مناسبة لتحريك السكين داخل الجرح وتوجيه اللوم لبعضنا البعض…..”، وأضافت بأنها لم تكن تنتظر تقرير البنك الدولي لتتحرك وأن ” بلادنا بدأت في الانكباب منذ سنوات على ملف المدرسة المغربية وأنجزت بشأنه الميثاق الوطني للتربية والتكوين”(¬1)

إن كل حديث يفقد مصداقيته إذا لم يتحول إلى فعل مرصود أو واقع مشهود.هل صح قول من الحاكي فنقبله *** أم كل ذلك أبــاطيل وأسمار

أما العقـــول فآلت أنه كذب *** والعقل غرس له بالصدق إثماركل هذه التقارير الدولية لا قيمة لها في نظر المخزن الذي يملك وبمفرده الحقيقة المطلقة، فلا كارثة ولا تأزم، ولا حزن على المستقبل ولا قلق، الخلل في هذا الشعب الذي فقد الثقة وكفر بكل إنجازات الدولة. عندما اجتمع موسوليني مع جنرالاته وقادة جيشه المنهار تحدث إليهم عن بلد آخر غير بلده وعن أزمان أخرى، عندما أذاعوا عليه الحقيقة أجاب قائلا دون إيلاء كلامهم الثقة المفترضة ” صدقوا شيبي وتقدمي في العمر فأنا سأبلغ الستين قريبا”، وعندما أخبروه بحقيقة فداحة الوضع قال “هؤلاء ليسوا بإيطاليين، إنهم ليسوا سليلي روما بل عبيدها……”

كاتبة الدولة تتأسف للذين يحركون السكين داخل الجرح كلما صدر تقرير من إحدى الجهات لأن الأصل في شعب مقموع، الصمت والرضوخ والخنوع، كان الأجدر أن تتأسف للطعنة الغادرة التي تركت هذا الجرح الغائر ينزف وبغزارة إلى وقتنا الراهن، كان الأولى أن تتأسف للسياسة العدمية التي دمرت العباد وخربت البلاد.

تقرير المجلس الأعلى للتعليم:في آخر تقرير رسمي قدمه مزيان بلفقيه للملك يوم 16/04/2008 حول وضعية التعليم بالمغرب والذي أشار فيه إلى الجهود “الصادقة” و”المتتالية” التي بذلت للنهوض بالقطاع، وتحت عنوان كبير” نتائج واعدة حققتها المدرسة المغربية رغم وجود بعض الاختلالات”، وإليكم بعض هذه الاختلالات كما ورد في التقرير حتى يتبين لنا بوضوح “النتائج الواعدة التي حققتها المدرسة المغربية”

– “ما يناهز 400000 تلميذ انقطعوا عن الدراسة في 2007 أكثر من نصفهم في سلك التعليم الابتدائي نتيجة للظروف السوسيو اقتصادية لأسر المتعلمين.

– تبقى ظاهرة التكرار التي تغذي صفوف المنقطعين عن الدراسة مصير قرابة كل تلميذ من أصل خمسة في السلك الابتدائي.

– الأمية ما تزال نسبها مرتفعة تحول دون استفادة اقتصادنا ومجتمعنا من طاقات هي في أمس الحاجة إلى اكتشافها.

– يبقى تعميم التعليم الأولي جد محدود والحقيقة أن مدرستنا لم ترق بعد إلى أن تصبح مؤسسة للاندماج بفرص متكافئة.”

لغة الأرقام كما يتضح من هذا التقرير وفيما يخص الاختلالات غائبة باستثناء النقطة الأولى وهذا إن دل على شيء إنما يدل على هول الكارثة. أما الفساد الخلقي، الدعارة، المخدرات، طمس الذاتية، المسخ الفكري…… فهي آثار كيفية لا تعبر عنها الأرقام.

مسلسل الإصلاحات التي عرفها قطاع التعليم لم ينقطع منذ 1957، ففي كل مرة نسمع عن مبادرة للإصلاح وعن قرار جديد يهم القطاع.

– 1957 اللجنة الملكية لإصلاح التعليم .

– 1964 المناظرة الوطنية حول التعليم.

– 1973 تأسيس المجلس الأعلى للتعليم.

– 1984 مشروع إصلاح التعليم الابتدائي والثانوي.

– 1994 اللجنة الملكية المكلفة بوضع ميثاق للتربية والتعليم.

– 2006 إعادة تنظيم المجلس الأعلى للتعليم.

كل هذه المحاولات التي كان عنوانها إصلاح التعليم وإخراجه من النفق المسدود باءت كلها بالفشل.

في بداية السبعينيات كتب الأستاذ عبد السلام ياسين “الإسلام غدا” والفصل السابع منه عنونه ب”التعليم والتعلم” وتحدث عن أزمة التعليم في البلاد وعن الأسباب والمسببات ووضع بين يدي القوم علاجا للأمر ولكنهم قوم لا يسمعون ولا يعقلون.

قال الأستاذ عبد السلام ياسين:”وأما الجهاز التعليمي فهو المرآة الصادقة لفساد المجتمعات القومية. أتحدث عن هذا الجهاز وحق لي أن أتحدث، فقد كنت جزءا من أجزائه وعاصرته وخبرته عن كثب، وبَلَوْت عجائبه. فإذا نطقت فما أنطق عن تطلع ثقافي ولا عن رواية بلغتني لكن عن تجربة مباشرة”(2)

“لقادتنا اليوم مشاريع “عظيمة” لإصلاح التعليم كما لهم مشاريع أخرى في مثل “العظمة” وكل ذلك آئل إلى الفشل مادمنا نفكر بعقلية ذرية لا تصل الأسباب بالمسببات في حركية البنية العامة، وما لهذه الأمة إلا مشروع واحد منقذ هو مشروع الحرية والتحرر من التقليد وسلطان العادة ثم اقتحام عقبة الابتكار والتجديد الشاملين العامين”(3)

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “المدرسة مفهومها أن تكون مؤسسة للتربية والتنمية الشمولية للطفل واليافع، فتعود مع الخلط مؤسسة للترويض والتدجين…..”(4) “والأدهى من هذا أن من يتم تعليمه في ست سنوات يرجع فينغمس في وسط راكد أمي فلا يستطيع أن يحرك هو ساكن ذويه بل يتردى فينقلب أميا بعد سنوات أو شهور، ولنا جهود ما أشبهها بمن يحرث في البحر يتوهم ويوهم الناس أنه يشتغل فيما يفيد(5)” “إنها أزمة ظلم ومن ثم أزمة ثقة”(6)

سنبقى في النفق المسدود ما لم نشر بكل وضوح إلى مكمن الداء وموضعه، إنه بكل وضوح احتكار السلطة والثروة، قال الشيخ محمد الغزالي رحمه الله ” عندما يوضع رأس فارغ على كيان كبير فلا بد أن يفرض عليه تفاهته، وأثرته، وفراغه”(7)

——————————————–

1- جريدة أصداء العدد 654.

2- الأستاذ عبد السلام ياسين “الإسلام غدا” ص 722.

3- الأستاذ عبد السلام ياسين “الإسلام غدا” ص 748.

4- الأستاذ عبد السلام ياسين “الإسلام غدا” ص 724.

5- الأستاذ عبد السلام ياسين “الإسلام غدا” ص 726.

6- الأستاذ عبد السلام ياسين “الإسلام غدا” ص 694.

7- الشيخ محمد الغزالي “الإسلام والطاقات المعطلة” ص 39.