ستتم معالجة الموضوع، إن شاء الله تعالى، من خلال المحاور التالية مع توخي التركيز ما أمكن مساهمة في النقاش حول البحث عن صناعة عملية التفكير المنسجمة مع عملية البناء الدعوي المتكامل.

1. ضرورة التفكير المنهاجي

2. معنى التفكير المنهاجي

3. قاعدة التفكير المنهاجي

4. أصل التفكير المنهاجي

5. مقاصد التفكير المنهاجي

6. غاية التفكير المنهاجي

7. وظيفة التفكير المنهاجي

1. ضرورة التفكير المنهاجيظهرت في السنوات الأخيرة موجة كبيرة تحت عنوان “المراجعات” داخل كثير من الحركات الإسلامية. منها ما صدر عن قيادات عرفت في الإعلام بانتسابها للحركات “الجهادية”، ومنها ما صدر عن قيادات عرفت بالانتساب للحركات “المعتدلة” حسب التصنيف الإعلامي نفسه.

إن ذلك ليس غريبا، ولكن الغريب أن يكون موجة عامة عكست بعض القنوات الإعلامية مستواها عند استضافة رموز من مؤسسي الحركة الإسلامية أو من الجيل الأول من أعضائها وقياداتها، ذلك أن مراجعة أصول كلية في تفكير وعمل حركة بكاملها بعد أجيال من العطاء والتضحيات مؤشر بالغ الخطورة من جهة، وبالغ الأهمية من جهة ثانية.

فخطورته كامنة في كونه جاء بعد أجيال من التضحيات على جميع المستويات حيث دل على مدى العجز في إنجاز الأهداف الكبرى والمقاصد التي رسمتها تلك القيادات عند تأسيس أية حركة من الحركات الإسلامية (مع استثناء التجربة الإيرانية لخصوصياتها مع الانتباه إلى طبيعة تطورها وما تقوم وقامت به المقاومة في فلسطين ولبنان).

وأهميته كامنة في كونه ربما يفتح أفقا في التجديد عسى تستقيم أمور الحركة الإسلامية على خط إنجاز مهمتها الدعوية على صورة متكاملة كي تساهم بالواجب عليها إنقاذا للأمة من كارثة الانهيار الشامل والكبوة التاريخية القاتلة، ومن ثمة المساهمة في إنقاذ الإنسانية مما يتهدد وجودها بفعل الهيمنة الاستكبارية الصهيونية الصليبية الاستعمارية التوسعية العنيفة والماسخة لكل القيم النبيلة والمثل السامية.

إنك حينما تسمع من بعض المهتمين والعاملين في حقل الدعوة والفكر الإسلامي يعلنون استنتاجا خطيرا بعد طول عمل ورصد ومتابعة مقتضاه: “أنه على الحركة الإسلامية أن تبتعد عن السلطة وطلبها لكونها لحد الآن لم تجن شيئا من ذلك وأن ما جنته الشعوب عند اقترابها من السلطة إلا الخراب والدمار” يصيبك الذهول لما يتضمنه من عجز عن استيعاب حجم النتائج وعدم القدرة على رسم معالم الانتقال نحو اكتشاف خط العمل المتكامل والكفيل بجعل جهاد الحركة الإسلامية لبنات بعضها فوق بعض لإعادة بناء جسم الأمة على صورة سليمة وسالمة.

ليس المهم هنا رصد محاور تلك المراجعات وسردها، ولا كشف مواطن العجز، ولكن، وبمعيار المتابعة والتحليل، يتبين أن الأهم هو الكشف عن العامل الحقيقي الذي صدرت عنه.

إنه، بكل بساطة، خلل أصلي في عملية التفكير التي من مهامها وضع التصورات الكلية والمرحلية واكتشاف الوسائل المناسبة لتحقيق أهدافها ومقاصدها، ومن ثمة فهو تمظهر للخلل الحقيقي الكامن في عدم تحديد الأصل الذي تبنى عليه عملية التفكير وعنه تصدر. وهذه قضية خطيرة في مسار الحركة الإسلامية؛ ذلك أن مراجعات كليات التفكير ما لم تفض إلى اكتشاف الخلل من حيث مصدره وأصله والكشف عن وسائل حصول الاستقامة المطلوبة في عملية التفكير لن تعدو أن تكون خطوة جديدة في مسار الانحدار واستمرار الانكسار.

لذلك فالأمة ليست في حاجة إلى أي نوع من أنواع العمل التي تخلف خلفها زوابع وتوابع دون سياق مضبوط المضمون والأهداف والمقاصد والغايات والوسائل، وإنما في حاجة إلى عملية تفكير كبرى يستقيم بها النظر وتظهر معه حقائق الأفق وطبيعة التضحيات ليكون العمل بناء مستمرا، وإن كان صعبا ومعقدا في زمن الفتنة لكنه غير مستحيل التحقيق.

لذلك، وبعد الإقرار بكون التوتر القلبي والذهني وما نتج عنه من معانات قلبية وذهنية هائلة مع مدرسة الأستاذ عبد السلام ياسين جعلتني، وبكل موضوعية وعلمية، أقر على أن هذه المدرسة أجابت باكرا عن كل الأسئلة الكبرى في بناء الحركة الإسلامية؛ سواء على مستوى الأساس في صناعة عملية التفكير أو في تدقيق الأهداف والمقاصد والمراحل وتحديد الوسائل الكلية الممتدة في الزمان للكشف عن كل وسيلة فرعية مناسبة.

فليس المهم هو صنع الشعارات البراقة والمطالب الضخمة عند المرحلة الجنينية في تأسيس الحركة الإسلامية أو أية حركة، لكن المهم هو التمكن من صناعة الكفاءة على صناعة الرجال وتوليد المفاهيم القادرة على تأطير كل مرحلة وتقديم الجواب المناسب والفعال والمجدي خاصة خلال اللحظات الصعبة والمنعرجات الضرورية فضلا عن وضع المشروع الممتد في الزمان على وعي استراتيجي كبير وعلم مستقبلي هام.

إن اللحظات الصعبة التي تمر منها أية حركة حينما لا تكون قد هيأت الظروف التربوية والفكرية والثقافية والعلمية الساهرة على تلك الصناعة وذلك التوليد يحصل الانتقال اللاإرادي، عن وعي أو من دونه، إلى مرجعية أخرى للجواب عن أسئلة المرحلة المعيشة، خاصة لما تكون هذه المرجعية قد خبرت التعامل مع الواقع الإنساني وفق نظامها وصيرورتها.

وإن أبرز مثال تعاني منه الحركة الإسلامية في الزمن المعاصر هو عدم قدرتها لحد الآن على الكشف عن المفاهيم الدقيقة للجواب عن أسئلة الحقل السياسي بشيء من التفصيل المرجعي الدقيق، مما دفع الكثيرين منها إلى الانتقال دون وعي وبسبب إكراه الواقع واللحظة إلى التسليم ببعض المفاهيم المركزية الغربية في صناعة الاستراتيجيات وصياغة البرامج السياسية، أو الاشتغال على قاعدة كبيرة من الغموض في الفهم والموقف الذي يؤدي إلى الخلط الشديد بين مفاهيم مركزية مصدرها المجال الإسلامي وأخرى مجالها التجربة الغربية، وهو ما ينتج ارتباك واضطراب حادين خاصة في المراحل الصعبة والانتقالية.

ولعل هذا الشعور بخطورة هذا النوع من الانتقال هو ما دعا إلى تسطير هذه السطور في صياغة وبيان عملية التفكير في معالجة القضايا التفصيلية في سير الحركة الإسلامية لتكون على الطريقة النبوية.

إن الامتداد المستقبلي البنائي للحركة الإسلامية رهين بتوفير إمكانيات التفكير المستقيم خاصة لما ننتبه إلى المستوى التفصيلي العلومي الذي أنتجته عملية التفكير الغربية مقارنة مع المستوى الذي عليه الأمر عند الحركة الإسلامية، وهو عامل اختراق هائل للمجال الإسلامي وتحريفه بصناعة عملية تفكير منحرفة من حيث علاقتها بأصول الفكر الإسلامي وقواعده الكلية. وهو ما يدعو ضرورة إلى البحث عن سبل بناء عملية تفكير إسلامية صافية وغير مشوبة بأي لوثة من خارج نظامها من الناحية الأصلية التي تتيح الاستفادة المستقيمة، على قاعدة الحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها أخذ بها، من كل التجارب الإنسانية دون تردد أو وانبهار أو ارتباك.

2. معنى التفكير المنهاجيفالتفكير عملية ذهنية من خلال توظيف مرجعية معينة في الرصد والتحليل والتركيب؛ فهي توظيف لكليات تصورية على صورة صحيحة لرصد وتحليل معطيات واقعية وبناء عملية تركيب لواقع جديد بناء على نتائج عملية الرصد والتحليل من خلال إعمال أصول المرجعية.

والسؤال هو: كيف تكون هذه العملية على الطريقة النبوية، وهي تأخذ الصفة المنهاجية بتحصيلها للمضمون النبوي على أحسن صور الكمال والاتباع، كما تأخذ الصفة المنهاجية، أيضا، لكونها تنجز مشروعا عمليا ممتدا في الزمان المستقبلي مجيبا عن أسئلة كل مرحلة وفق الصيرورة الكبرى للجواب عن الأسئلة العظمى للوجود؟

3. قاعدة التفكير المنهاجيإن عملية التفكير في تدقيق الاستنتاج الذي لاشك سيبنى عليه العمل، وإلا فسيكون استنتاجا سفسطائيا لا قيمة له، ليست انفعالا سريعا ولا عملية لا أساس لها ولا ردة فعل تجاه ظاهرة معينة، بل هي ثمرة عملية سابقة هامة، هي عملية التفكر القلبي، ذلك أن التفكير الذهني المنقطع عن التفكر القلبي في مسار الدعوة إلى الله تعالى لا يمكنه أن يفضي إلى الاستنتاجات والنتائج الكبرى التي تكون بوصلة العمل وتشكل مضمونه الحركي. ولذلك ثبت في السيرة النبوية أن رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كان يخل الليالي الطوال في غار حراء تفكرا وتدبرا حيث قضية الدعوة والتفكير في تفاصيل إنجازها، وهو الموحى له بعد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قول ثقيل. فقد قال الله تبارك وتعالى مخاطبا رسوله الكريم عليه سبحانه: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً)[المزّمِّل الآية 5]، ولذلك أمره سبحانه تهيئا ب(يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً)[المزّمِّل: 1-2-3-4]

فالتفكر القلبي قاعدة التفكير الذهني ليكون على المنهاج النبوي بحيث يحقق الاستنتاج الحكيم والمستقيم كما في قوله تعالى: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار) [آل عمران الآية 191].

إن الاستنتاج بالإقرار بأن الخلق لم يكن باطلا ولا عبثا، الذي يتبعه الدعاء المصحوب بالعمل لاتقاء عذاب النار، حصل في سياق تجمعه الآية الكريمة وهي حقيقة الذكر في جميع الصور والأحوال: قياما وقعودا وعلى جنوبهم.

فالصورة القرآنية النبوية أن يجتمع على استقامة عمل القلب وعمل العقل بحيث يكون الأول قاعدة الثاني ويكون الثاني ترجمان وناظم ومنظم نتائج الأول ليظهرها واقعا حكمة كاملة كما سيتبين بعد إن شاء الله تعالى. ومنه قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاء رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ) [الروم الآية 8].

فيمكن لكل عقل أن يستنتج بالتأمل في الكون أن هناك نظاما ومن ثمة لابد له من منظم، ولكن هل يمكن أن تفضي هذه العملية إلى مرحلة التصديق بلقاء الرب والعمل لهذا اللقاء؟

ذلك ما كان حيرة العقول عند الكثيرين، ولذلك بعث الله الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ليبينوا أن العقل وحده لا يمكن أن يصل إلى الحقيقة الكاملة وأن ذلك ليس من وظيفته الأصلية إذ المطلوب حصول تكامل وظيفي بين التفكر القلبي، وهو ما يدعو له القرآن ب”لعلهم يتفكرون” المتكررة فيه كثيرا، والتفكير الذهني الذي يخاطب العالم الخارجي من خلال صناعة واقع الحكمة والنظام على قاعدة المعاني الكلية التي مقرها القلب كما سيتبين عند الحديث عن أصل التفكير المنهاجي.

إننا هنا إزاء عمليتين كبيرتين هامتين لا تستغني إحداهما عن الأخرى، وفي ذلك حكمة إلهية، حتى يكون العمل الدعوي عملا مفضيا حقيقة إلى الدلالة على الله تعالى.

فالاكتشاف الذهني قد يفضي إلى الإقرار بوحدانية الخالق، ولكنه لا يؤدي إلى الخضوع الكامل لجلال المبدع سبحانه، إذ هذه حاصلة عبر القلب الذي ملأته حقائق التفكر الدائم في سياق الذكر القرآني النبوي قياما وقعودا وعلى جنوبهم حتى تتحصل معاني الربوبية والألوهية وحقائق التوحيد التي مقرها القلب فيخضع الذهن نفسه لهذا الجلال فلا يكون النطق باللسان إلا حكمة ولا يكون العمل بالجوارح لأجل البنيان إلا حكمة وصوابا ويكون التقاط الحكم عند الغير بمعيار الإيمان القلبي نورا.

فحينما يشتغل الذهن/العقل لإنتاج الفكر من خلال عملية التفكير على قاعدة التفكر القلبي يكون كل ذلك مضمون المعاملة القلبية مع الله جلال جلاله من خلال جميع الجوارح، فيكون الخضوع لله تعالى أمام جلاله سبحانه وعظمته وكبريائه ليتلقى المرء كل ما يأمر به سبحانه ويقرب إليه بنية التنفيذ تقربا وامتثالا.

إننا هنا نتحدث عن عملية التفكير الكبرى للجواب عن الأسئلة الكبرى المرحلية والكلية. ولاشك أن كل عمليات التفكير الصغرى عبر التصدي لما تطرحه مستجدات الحياة على حركة الدعوة في الواقع اليومي حينما تكون مندرجة في سياق عملية التفكير الكبرى يحصل الانسجام في الحركة العامة والتطابق مع مقاصد الشرع ومقادير الرب سبحانه في جريان خلقه وكونه. وذلك هو الغاية من عملية التفكير المنهاجي كما سيتبين بعد إن شاء الله تعالى.

والله الموفق للصواب سبحانه.