إن حجم الأزمة الاجتماعية التي يعيشها المغرب لتعكس عمق الأزمة التي تعاني منها النقابات، إذ لم تستطع تبني هموم المواطنين، ولم تستطع أن تحول نضالها إلى حركة اجتماعية فاعلة مرتبطة بقضايا تطور وتقدم المجتمع، مما أفقدها الموقع المحوري داخل الحركة الاجتماعية. وتأتي هذه المقالة وعيا منا بحجم الأزمة وإسهاما في إعادة طرح المسألة النقابية للنقاش لعلنا نقف ـ صحبة من يهمه الأمرـ على ما يجمع شتات العمل النقابي، ويعيد له قوته المفقودة، وفي سبيل ذلك حق لنا أن نتساءل عن أزمات العمل النقابي بالمغرب وأسبابها ،علنا نوفق في اقتراح مخرج لها.

1ـ أزمات العمل النقابي بالمغرب

من خلال متابعتنا للعمل النقابي و دراسة تاريخه خلصنا إلى حصر الأزمات التي يعيشها في أربع هي:

أ ـ أزمة هوية:

وتتجلى في غياب تصور واضح لدور النقابة؛ هل هي مجرد وسيط اجتماعي بين العمال وأرباب العمل أم أنها تملك مشروعا مجتمعيا واضح المعالم تحاول الدفاع عنه من خلال برامجها النضالية. هذه الأزمة ولدت مع ميلاد الحركة النقابية داخل المغرب، ولم تستطع التخلص منها حتى الآن ما جعل المبادئ التي تبنتها النقابات من استقلالية وديمقراطية وجماهيرية و غيرها مجرد شعارات للاستهلاك .

ب ـ أزمة مصداقية:

وتتجلى في عدم قدرة النقابات على تلبية مطالب الشغيلة، الآيلة في أصلها إلى عدم امتلاك القدرة على الضغط و المناورة، بل لا تستطيع حتى تأمين المكتسبات ، كما أنها ليست في مستوى رد الفعل الايجابي فبالأحرى الفعل. كما أن سلاح الإضراب أفرغ من محتواه وأصبح غير ذي جدوى لتعدد الجهات الداعية للإضراب في القطاع الواحد، وفي الأسبوع الواحد من جهة ؛ولضعف نسبة المنخرطين وقلة التزامهم النقابي من جهة ثانية. هذه الأسباب جعل الرؤية غير واضحة بالنسبة للعامل أمام التعدد المرضي. وأفقده المصداقية تجاه النقابة كونها لا تستطيع حتى إرجاع عامل مطرود، أو تعيد له أجرة يوم إضراب تم اقتطاعها له.

ج ـ أزمة مشروعية :

وهي أزمة مرتبطة أساسا بالأجهزة النقابية وليس بالممارسة. وتتجلى في إشكالية من يمثل الشغيلة في ظل هذا التعدد ( أكثر من 30 نقابة) فمن له المشروعية في أن يتحاور باسمها ؛هذه النقابة أم تلك أم النقابات الأكثر تمثيلية؟ وعن أي أكثرية نتحدث؟… من يمثل الفئة العريضة التي يئست من العمل النقابي؟ (أكثر من 90 في المائة من موظفي القطاع العمومي خارج النقابات). وقبل هذا وذاك من له الحق في امتلاك الإرث التاريخي بعد أي انشقاق يحدث؟

د ـ أزمة تنظيمية:

وتتجلى في:

 غياب الديمقراطية الداخلية مما أفقد الأجهزة النقابية القدرة على تدبير خلافاتها الداخلية وهو السبب الرئيس في ظاهرة الانشقاقات غير المبررة.

 عدم الانضباط للمقررات التنظيمية، حيث أن مجموعة من النقابات لم تعقد مؤتمراتها منذ عقود.مما يعرقل أي تغيير قد يطرأ على القيادات النقابية.

 الربط الميكانيكي بين النقابي والحزبي.

2- في أسباب الأزمات:

إذا استثنينا عامل العولمة وعامل المخزن الذي لا يتوانى في إذكاء الصراعات الداخلية تبقى جميع الأسباب الأخرى ذاتية نذكر منها:

ـ نشأة الحركة النقابية المغربية كانت نشأة غير طبيعية ، إذ لم تنشأ استجابة لمطلب عمالي أي لم تنشأ لحاجة الشغيلة لإطار ينتزع الحقوق ويحميها ، وإنما نشأت لرغبة سياسة . وهذا لا يعني أننا ضد تسييس النقابة ولكن ضد تحزيب النقابة وهذا مكمن الخلل ، فارتباط النقابي بالحزبي الذي يكتسي غالبا طابع استتباع النقابة للحزب وغياب تمفصل صحيح وواضح بينهما يحول الصراعات داخل الأحزاب وفيما بينها إلى صراعات داخل النقابات، فيجعل من الانشقاقات الحزبية انشقاقات نقابية مماثلة وبالتالي يتم رهن النضال النقابي بتقديرات القيادات الحزبية ويخضع المصلحة العمالية لمنطق الحسابات والتكتيكات السياسية الضيقة. وكنتيجة لذلك كله، بعد انتقال أحزاب “المعارضة السابقة” إلى موقع “تدبير الشأن العام” من خلال حكومة اليوسفي وما بعدها اضطرت النقابات التي كانت محسوبة على هذه الأحزاب مكرهة لمسايرة هذه الأخيرة وهو ما جعل من الصعب عليها أن تشهر الإضراب في وجه أحزابها. فتم الالتواء على مصالح العمال عبر اللجوء إلى الحوار الاجتماعي و تبني سياسة السلم الاجتماعي المغشوش لا لمصلحة عمالية وإنما لـرغبة حزبية صرفة فضاعت الحقوق والمكتسبات وبات العمل النقابي في المحنة التي هو فيها.

3 ــ متطلبات المرحلة:

لعل ما وصل إليه حال العمل النقابي من التشرذم و التشظي وانتشار ظاهرة النقابات الفئوية و(المستقلة) وتراجع الوعي النقابي تاركا الساحة للمطالب الحرفية والأنانية المهنية الضيقة ، كل هذا يفرض على الفضلاء النقابيين ضرورة البحث عن الطريق التي تمهد لتجاوز هذا الواقع ولا أرى طريقا غير توحيد الجهود ، وإن كان الشعور بضرورة الوحدة قد ظهر مؤخراً كشعور عام لدى أغلبية الأطراف ولو بتفاوت. ومن هنا ندعو الجميع إلى أفق أرحب يخرج العمل النقابي من أزمته، ويعيد للأجير عزته وكرامته، يتعلق الأمر  في تقديري المتواضع  بما اقترحه القطاع النقابي لجماعة العدل والإحسان ويعيد طرحه في كل مناسبة عمالية وأعني بذلك الجبهة النقابية باعتباره الخيار الكفيل بتحقيق شراكة حقيقية وحوار اجتماعي متوازن ومنصف، وهذا يحتاج إلى حوار ونقاش عميق بين مختلف القوى المعنية بالأمر، لتقريب الرؤى وتقليص الفجوة وإذابة الحواجز النفسية وتصحيح التمثلات. فالعمل على تحقيق الجبهة يحتاج إلى مضاعفة الجهود وتجاوز مجموعة من العقبات منها :

 العقبة الذاتية وتتجلى في الأوضاع المأساوية للنقابات المتمثلة في ضعف الاستقطاب النقابي وشيوع الانقسامات حتى أنها أصبح أمرا طبيعيا.

 إطلاق مسميات غير واقعية على العمل الجبهوي المشترك من قبيل التنسيق ،الكتلة ،التجمع… هذه المسميات غالبا ما تطرح لتبرئة الذمة وليس للبناء، فالفرق شاسع بين إطلاق مبادرة والانطلاق فيها، ذلك أننا في حاجة للانطلاق في مبادرة الجبهة والعمل على إنجاحها.

 بناء العمل الوحدوي من أعلى أي من خلال اتفاقات فوقية تتم بين قيادات ونخب؛ وهي إشكالية يعاني منها العمل المشترك في المغرب منذ أمد بعيد. فالعمل الجبهوي لا يمكن إقامته من خلال حوارات داخل غرف مغلقة وإنما يجب أن يبنى عبر التلاقي على أرض المعارك النضالية.

 موسمية الحوارات ـ إن كانت ـ وموسمية طرح الفكرة (نقصد فكرة الوحدة و ما شابهها)، فالنقابيون لا يذكر بعضهم بعضا إلا في مناسبات معينة يمكن حصرها في فاتح ماي من كل سنة.

 غياب الآليات الديمقراطية عن المكونات السياسية المختلفة داخل النقابات ما يفشل أي حركة تجاه الجبهة ، ويتجلى ذلك في الإقصاء وعدم الاعتراف بجميع الفصائل والامتناع عن التعامل والتعاون مع الآخرين باعتبارهم مجرد ديكور للتجميل في أحن الأحوال وفي أسوئها دخلاء على العمل النقابي.

 عدم تموقع المكونات السياسية بشكل واضح (هل هي في المعارضة أم ، أم … ؟)

 سيادة فكر الاستعلاء، وعدم القبول بالآخر شريكا ، لخلفيات إيديولوجية ضيقة.

4- متطلبات الجبهة :

تحتاج الجبهة إلى:

 الشعور بالحاجة يليها فتح قنوات لحوار جاد ومسؤول سمته الوضوح بين جميع المكونات و قبول النقد والمراجعة البناءين من قبل كافة الأطراف. ويترك موضوع القيادة للجدارة والعطاء و لا يتم رهنه بمقولة نظرية أو ادعاء حق تاريخي موروث فعلى أرض النضال يقف و يلتقي القادة والأبطال.

 إعادة النظر بصورة موضوعية وبعقل جماعي في التجارب السابقة بغية الاستفادة منها.

 مشروع شامل لكل القطاعات يجسد طموحات كل الشرائح في المجتمع تستقى منه أولويات الحركة النضالية.

 دعم جبهة المستضعفين تصورا وحركة، وتربيتهم تربة نقابية حتى يعود الوعي والفعل النقابي إلى المستوى المطلوب.