الفصل الثالث: في بناء المستقبل

في الحاجة والمستقبل

لمن المستقبل اليوم؟كان الخيار قبل الاستعمار، بين إسلام النبوة وإسلام العض. ومع دخول الاستعمار، طرح خيار آخر، بين إسلام ولاييكية.

هل نطلب ديموقراطية لازمتها لائيكية؟ أم نطلب تصحيح مسار الأمة، بالعودة إلى إسلامها الحقيقي؛ إسلام الشورى والعدل والإحسان؟

الديموقراطية أمنية من لقيت حقوقه وحرياته ظلما وهضما. من ظلم حقه؟ هو الاستبداد. ما هو إسلام الشورى والعدل والإحسان.

مهمة الدعوة أن تبين للناس أن الإسلام شورى. وأن الاستبداد انحراف في الحكم. وأن الإسلام شورى وعدل وإحسان، كرامة في الدنيا والأخرى.

الظلم مقيت بطبعه، لكن إذا وجد إلى جنبه الإنصاف ونافسه، كان أمقت، وكانت الداعية إلى محاربته أشد، والسعي في نبذه هو وأهله جميعا أحث. عندنا ظلم وهم على الإنصاف؛ فكان حب الإنصاف وأهله، وبغض الظلم وأهله. كان المسارعة في الديموقراطية وضجيعتها اللاييكية. أصبح الإسلام عندهم يحمل استبدادا، والديموقراطية عندنا تتأبط إلحادا.

الديمقراطية والاستعمار

لقد نشأت الديمقراطية في بلاد الغرب، في سياق مواجهة الظلم، ومحاربة البغي. أما في البلاد الإسلامية، فالديمقراطية فرضت فرضا من قبل الاستعمار؛ فهي خادمة لمصالحه، ممكنة له في أرض المسلمين، يسعى فيها نهبا وفسادا. الديمقراطية، في بلاد الغرب، توجد قاعدتها التي تعطيها فعاليتها؛ المجتمع المدني في بلاد الغرب قائم، وهو في بلاد المسلمين نائم؛ فالمجتمع شتيت. وليس قادرا على جمعه سوى الإيمان بالله واليوم الآخر؛ لأنه تاريخه وتاريخ عزه.

كان الاستعمار بدأ مباشرا. ثم ترك من بني جلدتنا خدامه وسدنة مصالحه. مرباهم في ثقافة الغرب، يشربون زقوم كراهة الدين، وألحدوا فيه، واتخذوه وراءهم ظهريا في الشأن العام. ولقد كان الباعث على مقاومة الاستعمار دينا، ثم اقتطف آخرون الثمرة، ونافقوا ولبسوا على الأمة، وساندهم ديدان القراء.

هما عاملان عملا على التمكين للديمقراطية الوكيلة في بلاد المسلمين: قوة الاستعمار، ونفاق خدامه من بني جلدتنا. السيف والتزوير، هذان عدة الطغاة المتجبرين. إنها ديمقراطية صورية، في خدمة استبداد الحاكم، الخاضع التابع للاستعمار.

كان تخطيط المستعمرين، الهولنديين والإسبان والفرنسيين والإنجليز، لتوطيد حضورهم، يعتمد فصم الشخصية المسلمة عن روابطها. كان غزو العقول؛ فأنشأ مدارسه لتكون معاقل لتكوين معلمين وموظفين ومساعدين، حاديهم تلهف ذويهم أن يكون لهم جاه وسلطان. لكنه نشء ضعيفة إرادته، مسلوبة شخصيته. ولهو أجرأ على هتك حرمات البلاد والعباد من الأوروبي؛ لأنه تجرأ على ما هو أكبر، إذ تنكر للدين وألحد، أو زواه في الرف وأعرض.

هذا، كيف ألحد؟ هو رأى مكاسب ومفاخر الديمقراطية، في بلاد الغرب. عدل عندهم وظلم عندنا. حرية تعبير وتفكير وتنظيم ومشاركة في الحكم عندهم، وعندنا دين الانقياد للمستبد الحاكم.

سُلِخَ عن دينه ودان بدين الحضارة الغربية؛ إذ رأى في بلاده انحطاطا، جذوره في جهل العامة، وطغيان الحكم، وإجهاز المستعمر على أسباب المنعة والقوة. عامل القوة في الاستعمار، وعامل الضعف فينا، جعلا نخبة من أبناء المسلمين ينتحلون نحلته؛ نحلة الغالب. نحلة الغالب، استعبدتنا للاستبداد الحكمي، والاستعمار الغربي. ومهمة التربية أن تحول هذه النحلة، العادة الجارفة، إلى طاعة لله ورسوله، والأمر بمعروف الشورى والعدل والإحسان والنهي عن منكر البغي والفحشاء.

في بلاد المسلمين الظلم سائد يسنده الدين الديداني، والغرب القوي المنتصر عنده عدل وحريات وديمقراطية؛ فانسلخت طغمة من الدين، وكان تقليد الغالب؛ إذ استعمرنا، وربى على يديه من يخلفه. وخرج وترك أخلافه وكلاء على فواحش أخلاقه ومنكر قوله وبغي حكمه. فهي لاييكية استعمارية، مقنعة بقناع الدين في بلاد المسلمين. لولا الظلم حالفه الدين المحرف؛ لما ثار من ثار ضد الدين. ولولا الظلم فينا؛ ما نشد من نشد العدل في غير الإسلام.

عاملان عملا على نبذ الدين أو تهميشه والتمكين للاييكية. (الأول) الظلم والبغي. و(الثاني) قوة اللاييكية، قوتها في عدل وحريات ومساواة. وقوتها في الجيش والسلاح، وقوتها في العلوم والتقنية والإنتاج. وهكذا انتشرت نحلة الغالب لما فشا الظلم والبغي في ديار المغلوب. وهكذا يكون التمكين لمذهب، إذا كانت قوة تدعمه- ومن قوته العدل والحرية والمساواة – وعلم يؤسسه، وإذا كان مجال نشره، يعمه الجهل، والضعف والظلم.

المستقبل للشورى

إن الديموقراطية الوكيلة أدخلها الاستعمار، فهو لا يريدها حرة نزيهة، تعطينا قوة واستقلالا، وإنما يريدها لعبة في يده خادمة لمصالحه. وهي الصورية لا تنفعنا، ونحن الآن نكتوي بنارها. وهي الحرة، تقتضي إرادة المواجهة؛ إذ الاستعمار لن يرتضيها، وتقتضي تعبئة الشعب في معركة المواجهة الاقتصادية والسياسية والإعلامية. وهي الضجيعة للإلحاد، يأباها دين الأمة وتاريخها. والإصرار على تطبيقها فتنة، تقود إلى حروب أهلية.

وإن كنا نستوردها حرة لا تناقض إسلامنا، فإنها الشورى عندنا. فهي الشورى. وإذا اتضحت المعاني، فلا حجر على الأسامي. إن مستقبل البلاد الإسلامية لا يكون إلا بالعودة إلى الإسلام. فلنطلبها إذا شورى، هي الحرة النزيهة، المستقلة عن الاستعمار، النابعة من ديننا وإيماننا، الكفيلة بتعبئة الشعب، ليقاوم الاستعمار فينا، في الداخل وفي الخارج. في معركة الاستقلال والحرية والعزة بالله ورسوله، لا يسعفنا إلا إسلامنا؛ إسلام الشورى والعدل والإحسان.

دخل الاستعمار ودخلت معه اللاييكية ضجيعة الإلحاد والإباحية. لاييكية، هي نتاج صراع تاريخي مع الدين المحرف النصراني. ثم تحولت إلى صراع مذهبي مع كل دين ووحي. ما كان للاستعمار أن يجد مكانا ونجاحا في البلاد الإسلامية، لولا أنه وجد قابلية تحتضنه. قابلية صنعها العض والظلم والجبر بفساده واستبداده. قابلية هي الضعف والشتات والجهل فينا، جعلت نحلة الغالب المستعمر تجد قلوبا تنتحلها كاملة، بشرها وخيرها وحلوها ومرها.

عندنا استبداد وعند المستعمر ديموقراطية. عندنا ضعف وعنده قوة. عندنا شتات وعنده وحدة. عندنا فقر وعنده غنى. لولا الضعف فينا؛ ما طلبنا القوة عند غيرنا. لولا الضعف جزاء انتقاض عروة الحكم، وعاقبة حكم الاستبداد،لم يكن ليكون للاستعمار بال. لا ولا كان يكون استعمار.

إن طلب الحل السياسي لأدوائنا، في المصل السحري: الديموقراطية، إنما هو لاستحكام الاستبداد فينا، ولأنه رأس كل بلاء. ثم إنه لا مستقبل للاييكية في بلاد المسلمين، لأن المسلمين لا يبتغون عن الإسلام بديلا. لأنه الوحي لم يحرف، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم بنى دولة القرآن، على أساس العدل والشورى والإحسان، وبشر بها في آخر الزمان. فثم مثال يحتذى، وثم وعد منتظر.

وإنما نشأت اللاييكية في بلاد الفرنجة؛ لأن الدين حرف. ولأن عيسى عليه السلام رفع ولم يؤسس دولة. فليس ثمة مثال يحتذى. نشأت الديمقراطية ولازمتها اللاييكية في إطار محاربة الدين. نشأت لازمة للدولة القومية، وخاصيتها السيادة. والسيادة تفيد الاستقلال في سن القوانين حسب المصلحة. وذلك حق الشعب في الديمقراطية، ولا دخل للدين في ذلك. كان هذا لأن الدولة المدعومة بالدين المحرف، كانت سياسة فردية وراثية مطلقة. للخلاص من طوق الفردية كانت الديمقراطية. وللخلاص من طوق الوراثة كانت السيادة للشعب، فهو يختار من يحكمه ويعزله إن شاء. ولكي يسود القانون، يسود الشعب، فيسن القوانين ويسهر على تطبيقها، ويهمش الدين الذي ارتبط عندهم بالخرافة والتحريف، ومحاربة العلم، ودعم الاستبداد والظلم. وعندهم، في تراثهم الإغريقي الروماني، الحرية المنشودة والديمقراطية الموعودة، وأنوار العقل الذي يعقل كل شيء في عالم الدنيا. وهكذا كان العامل الأساس، أن تحول الناس إلى الديمقراطية، هو محاربة الاستبداد، وما جناه الاستبداد. وحاربوا كل ما حالف الاستبداد، وعلى رأسه الدين المحرف.

أما دعوة القومية، في بلاد المسلمين، فلقيت غيا؛ لأن ثمة مرجعا يرجع إليه؛ هو الحق الذي لايأتيه باطل؛ هو القرآن.لم يحرف لأن الله عز وجل حفظه. وكان من أسباب حفظه أنه مكن لدولة الإسلام، قبل انتقال النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى. ثم هناك حياة جسدت القرآن. وكان الناس فيها أحسن ما يكونون حالا؛ آمنين في معاشهم ومطمئنين بدينهم. ومنذئذ هي حلمهم. ورجاؤهم لو يعودوا ليعيشوا تلك الحياة، حياة الشورى والعدل والإحسان. ولئن كان لجأ الغرب إلى القومية، المضار ة للدين بالإلحاد فيه، فذلك، لما حرف الدين، ومالأ الظلم والظالمين. أما في بلاد الإسلام، فقد عرف الناس حقيقة الإسلام لما تجسد نموذجه في الشورى والعدل والإحسان جميعا؛ فهو مطلبهم ولا مطلب غيره. ذلك أنه كان سبب عزهم. ومَنَّ الروم، من قبل، أنهم كانوا عزا للنصرانية.

كان العرب أشتاتا أذلة، فأعزهم الله بالإسلام. وكانت المسيحية مضطهدة، فجاء قسطنطين يرفع من شأنها بشروطه. فالإسلام مَنَّ على العرب. والروم ترى أنها مَنَّت على الدين. فالعرب تاريخهم عز بالإسلام. والنصرانية تاريخها عز بالرومان. فسهُل على الروم نبذ النصرانية ومحاربتها. وعَزَّ على العرب نبذ الإسلام وحربه.

أعلنوا، الأتاتركيون، قوميتهم. ونادى بالقومية العربية النصارى العرب، يضاهئون قومية الترك. ودعمهم الاستعمار، واحتلوا مراكز صنع القرار، ومراكز التربية والتعليم والثقافة والإعلام. كل ذلك غريب عن الأمة، بعيد عن شعورها وتاريخها وعلمها؛ فهي لا تزال ترفضه. ولا يزال اللائكيون يداهنون في تملق الإسلام. نفاق لا يغني من الحق شيئا. حق الإسلام أن يحيا بالأمة، وحق الأمة أن تحيا بالإسلام.